الحياة البدوية في إدلب.. صعوبات وأصالة

زيتون – أسامة الشامي
الخيمة البدوية (بيت الشعر)، والقهوة المرة، وكرم البدويّ وزيّه المعروف بجلابيته وشماغه الأحمر، بالإضافة إلى قطعان الأغنام، هي أول ما يتبادر للذهن عند سماع مفردة “البدو”.


كثيرا ما تم التحدث عن حياة أهالي إدلب المدنيين، والأكثر هو الحديث عن ملامح الحياة الحضرية فيها، في البلدات والقرى الكثيفة ومعاناتها في ظل الحرب، ولعل الحياة البدوية في إدلب وما تواجهه كانت بعيدةً دوماً عن الضوء.

تنتشر العديد من العشائر العربية في ريف إدلب الشرقي، وتغطي مساحات واسعة من هذا الريف ملامح الحياة البدوية، إلا أن هذه المناطق تعرضت لغزو قوات النظام وميليشياته منذ نحو عام، وهُجر معظم أهلها باتجاه عمق إدلب، فعصفت بأهلها ظروف جمة، وأثرت سلباً على الثروة الحيوانية، التي تعد مورداً اقتصادياً أساسياً لهم، وهاماً لكل أهالي إدلب.

وعن ذلك قال “محمد الرفيعي” من أبناء عشيرة النعيم في ريف إدلب الشرقي لزيتون: “تشرد عشرات الآلاف من أبناء العشائر البدوية، القاطنين في الريف الشرقي، فكان على كل منا أن ينقذ أهله ورزقه ومواشيه، ولم يكن لدينا الوقت الكافي حينها فخسرنا جزءً من أغنامنا، ونجونا بما استطعنا منها آنذاك”.

وعلى الرغم من أن الحل والترحال هما دستور حياة البدوي وأساساً لحياة قطعانه، وكانا على مر العصور من أهم ملامح الحياة البدوية، إذ أن البدويّ يتتبع المراعي، فيرحل من مكان لآخر، ليحل حيث تتوفر المراعي لأغنامه، ولكن في ظل الحرب لم يتوقف الأمر على ما جرى من تقطيعٍ لأوصال المناطق، بل تعداها إلى استبدال حلّه وترحاله وتنقله الحر الآمن بنزوحٍ قسريٍّ لا يهمه مصلحة البدوي ولا ينظر إلى مراعي أغنامه.

يقول “عبد الله العليوي” من أهالي ريف إدلب الشرقي: “كنا نغرّب ونشرق بقطعاننا سابقاً، نتبع المراعي وأينما طاب لنا الحال نحل، أما الآن فلا بلاد لنا ولا ترحال كيفيّ، وهناك ضيق بالمراعي، ولا نستطيع أن نرحل لمناطق يسيطر عليها النظام، ففضلاً عن مخاطر الاعتقال وما إلى ذلك، فإن حواجز النظام تأخذ منا 10 إلى 15 رأس غنم على كل حاجز نمر به، ما جعلنا نقلع عن المرور عليها نهائياً”.

يقضي البدوي حياته باحثاً عن أفضل الظروف لقطعانه، فهو يعتمد عليها دون سواها في تأمين رزقه، فتربية المواشي هي المورد الاقتصادي للبدو ومصدر دخلهم، وهم ينشأون على طبيعة حياتهم هذه ويكبرون عليها، ويكرّسون كل اهتمامهم لمواشيهم، إلا أنها تواجه منذ بداية الثورة في سوريا ظروفاً قاسية، تقلق راحة البدوي، وتشوه ملامح الحياة البدوية.

“أسعد العليوي” صاحب قطيع أغنام من ريف إدلب الشرقي تحدث لزيتون عن أبرز الصعوبات والمشاكل التي تواجه مربّي الأغنام في المنطقة بقوله: “تواجهنا مشاكل عدة بتربية الأغنام، أهمها عدم تواجد العلف وعدم تأمينه لنا من قبل أي جهة، إلى جانب قلة المراعي أو شبه انعدامها، وانخفاض سعر الحليب وقلة الطلب عليه، فضلاً عن صعوبة التنقل، وفقدان الأمان، كل هذه الظروف تسببت بتراجع تربية الأغنام يوماً بعد يوم، فعلى سبيل المثال اضطررت لبيع أكثر من ثلثي قطيعي المؤلف من 150 رأس غنم، كي أستطيع التأقلم والاستمرار”.
وطالب “العليوي” الجهات المسؤولة والحكومة والمنظمات الداعمة، أن تولي اهتماماً خاصاً لهذه الثروة الحيوانية، وتقدم لها أهم المستلزمات حتى تحافظ عليها وتمنع تدهورها.

 

يوميات بيت الشعر
على صوت الديك يستيقظ أصحاب البيت في الصباح الباكر، فينطلق شبان البيت لرعي المواشي، بينما تبدأ النساء بإعداد “خبز الصاج” ذو المذاق اللذيذ، ولا سيما عندما تصنعه البدوية الخبيرة بصنعه، لتضعه على مائدة إفطار عائلتها، إلى جانب لبن الغنم الصافي، وبيض الدجاج البلدي، والشاي الحلو، ثم مع اشتداد شمس الضحى يعود الشبان بالأغنام، لتنطلق النساء للحليب، فتجمع الأغنام بحبال طويلة وبطريقة اصطفاف ملفتة تعدها النساء، وتبدأ عملية الحلب اليدوي، والتي قد تستمر لساعات، قبل أن يأتي “الحلّاب”، وهو التاجر الذي يذهب إلى البدو لشراء الحليب منهم.

تقضي “أم عبد الله” السيدة البدوية أيامها حالياً في تجهيز الخبز وإعداد الطعام لعائلتها، وترتيب منزلها، بعد أن فقدت أجمل ما يميز حياة البدو، وبعد ما عانته جراء الظروف الأخيرة، ودون أن تجد هي وعشائر البدو في ريف إدلب الشرقي أي عونٍ من أي جهة، بحسب تعبيرها. 

وكما بين أعمدة الخيام البدوية وحبالها ترابط وثيق لا يُنشأ بيت الشعر إلا بشدّ وثاقه، كذلك الرابط بين البدوي وملامح حياته التي اعتادها، ومن داخل تلك الخيام يتمسك أشخاص بطبيعتهم وعاداتهم وعملهم وقهوتهم المرة وخبزهم وأصالتهم، محاولين أن لا يسمحوا لقسوة الحرب بثنيهم عن الاستمرار بالحياة على طريقتهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*