إدلب.. حين تكون محور اهتمام لعالم مجرم

زيتون – تيسير محمد
يحلم الكثير منا بأن يكون محور اهتمام الآخرين وأن يحظى بالاهتمام والمتابعة من أكبر قدر ممكن من الجماهير، فالشهرة يسعى إليها الكثيرون ولو على حساب أشياء أخرى أكثر إلحاحاً، ولكن ما حدث مع الثورة السورية التي بقيت محط أنظار العالم في الأعوام القليلة الماضية وحتى اللحظة، كان عكس ما يتمناه أصحابها، فكلما زاد الاهتمام نتوقع وقوع كارثة جديدة، سمعنا كثيرا من الخطوط الحمراء والتحذيرات والخطب الرنانة التي بشرتنا بزوال حكم الأسد، ولكن سرعان ما تلاشت كلها وازدادت جراحات الشعب السوري الذي ترك وحيداً في معرض اهتمام العالم، والأدهى من ذلك أن من كان يدعي الوقوف بجانب الشعب السوري وثورته صار يشرعن الجرائم المرتكبة بحقه، ويصمت في وقت يأمل فيه الشعب السوري التحرك، فمنهم من وقف بكل قوته إلى جانب القاتل، وآخر يبرر له وغيره يتعامى ويتغافل عن كل شيء، وأفضلهم من يندد ويستنكر.

اليوم أضحت المعارضة السورية بعد أن حشرت في بقعة صغيرة من الشمال السوري محط قلق واهتمام العالم، فالنظام وحلفائه يتوعدون المنطقة وثوارها، وتركيا تخاف أن يصل الحريق إليها، وأوروبا تخاف من موجة نزوح جديدة على حدودها، أما العرب ففي سبات عميق لم نعد نسمع لهم صوتاً، الطبيعي أن يهتم كل طرف بمصالحه، ولكن حتى القليل من الإنسانية التي كانوا يتسترون بها على الأقل بالنسبة للمدنيين والنساء والأطفال لم يعد يهتمون بها.

“لا حياة لمن تنادي” فالقيم والمبادئ التي يتشدق بها العالم المتحضر لا تحتوي في قائمتها على السوريين، عندما تسمع تصريح المسؤولين في الغرب يحذرون نظام الأسد من استخدام السلاح البيولوجي والكيميائي، تستطيع أن نفهم أنهم سمحوا له بقتل السوريين، ولكن بطرق أخرى ربما يكون الكيماوي أسهل منها كالقنابل العنقودية، الفوسفور الحارق، البراميل المتفجرة وغير ذلك من الأسلحة المحرمة دولياً لكن ليس سورياً، كونها حقل تجارب وميدان صراع، ليس بين الأسد والثوار فحسب، بل لكل دول العالم التي ترى في سوريا مغنما سهل الحيازة، حيث سيطرت أميركا عبر الأكراد على حقول النفط، وحصلت روسيا على امتيازات كبيرة فضلاً عن تدريب جنودها واختبار أسلحتها، وكذلك الأمر بالنسبة لإيران، وربما امتيازات أكبر لكوريا الشمالية وغيرها، بينما عمل الأتراك على تعزيز أمنهم القومي ورفع سوية اقتصادهم، أما الحكام العرب فقد جعلوا من السوريين عبرة لشعوبهم فيما لو فكروا بالمطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية.

الأضواء اليوم مسلطة على إدلب، والجميع يتفق على جملة واحدة “الهجوم العسكري سيكون كارثة على نحو 4 ملايين مدني هناك”، ولكن الجميع أيضاً يتفقون على ضرورة الخلاص من جبهة النصرة، هذا في العلن، أما الاتفاقات الضمنية والمفاوضات والإتجار بين الأطراف المستفيدة والدولية فهي أكبر من ذلك بكثير، وتجد نفسك اليوم تصحو على تصريح وتنام على تصريحات مناقضة للطرف ذاته.

تسليط الضوء على إدلب اليوم، وما سبقه من أضواء سُلّطت على المدن والبلدات السورية سابقاً، لم يكن للدفاع عن تلك المناطق وأهلها، أو إبراز موقف أمام التاريخ، وإنما كان مجرد إنذار للسوريين للاستعداد للقادم، ومنافسةً بين الأطراف الفاعلة في إثبات وجودها، والدفاع عن مصالحها.

عندما تصدر تصريحات عن أكبر مسؤول أممي عن الملف السوري بحجم تصريحات ديمستورا، وإنذار ثلاثي من أبرز دول العالم، يدرك السوريون النتيجة، ولكن يبقى أن تعرف ما ستسمح به تلك الأضواء الخضراء التي مسحت سابقا الخطوط الحمراء، إلى أي حدٍّ سيتم استباحتها بحسب الصفقات الدولية التي تم عقدها، والتي كانت روسيا الآمر والناهي في جميعها، كما أن تحركاتها لإعادة اللاجئين، والإبقاء على بشار الأسد في السلطة بعد ثمانية أعوام من الإجرام، والإعلان بكل جرأة عن قتله لعشرات آلاف المعتقلين في سجونه بغية إنهاء الملف دون محاسبة، والتوجيهات الدولية والخبرات التي يتلقاها للخلاص بشكل سلس جداً من كافة الملفات العالقة في طريقه، والتماهي العالمي معها، يثبت لأهالي وسكان إدلب هدف الأضواء المسلطة عليها مؤخراً، ومعنى أن تكون مدينة سورية لم تكن معروفة كإدلب محط أنظار العالم ومحور اهتمامه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*