حلم بأن يكون إماماً وكان.. الشهيد عبد المنعم محمود عوض

مازالت ابنة الشهيد الكبرى تواظب على كتابة مذكراتها اليومية بالتفصيل، وتدون كل ما يجري معها أو مع عائلتها، وكأنها تخبره بما يجري معهم، كما تكتب له رسائل يومية، وترسم لوحات عنه وعن كيفية استقبالهم له، وتحلم أن يأتي يوماً ويقرأ ما كتبته، ويرى ما رسمته له، وكأنه ما يزال حياً.

بينما فقدت والدته من شدة بكائها رغبتها في الحياة، تحول والده من رجل جبار قوي البنية، إلى رجل عجوز منهك، لم يتخيل أولاده يوماً أن يكون بهذا الضعف والعجز.

أما أخوه الأصغر وصديق طفولته وشبابه، فلا يحب أن يرى صوره، ولا أن يتحدث عنه، كي لا يسترجع ذكرياته الجميلة معه، وتنقلب إلى حزن ووجع.

الشهيد عبد المنعم محمود عوض، من مواليد سراقب عام 1974 خريج معهد الفتح الإسلامي بدمشق، يحمل إجازة في اللغة العربية والشريعة الإسلامية.

حنون بطبعه، متسامح، دائم الابتسامة حتى في وجه من يخطئ بحقه، تميز بحديثه الشيق والجذاب، دون كذب أو نفاق، وكان إذا جلس مع الصغير تحدث إليه بمستوى عقله، وإذا جلس إلى الشاب أصبح من سنه، وإذا جلس إلى العجوز ارتقى بالحديث إلى عمره، بالإضافة إلى أنه مستمع جيد، يحترم الرأي الآخر، ويتقبل الانتقاد، يميز بين وقت المزاح و بين وقت الجد، يحترم المواعيد، كما يحترم خصوصيات الآخرين، ما جعل كل من عرفه يحبه، ويرتاح للتعامل معه.

مثقف، منفتح على الحياة، يحب القراءة والاطلاع، ولديه مكتبة متميزة يعتني بمحتوياتها ويرتبها بشكل دائم، أما أكثر ما يضحكه فهو لقبه الذي أطلقه عليه أصدقاؤه وعائلته “الشيخ العصري”.

حلم منذ طفولته أن يكون إمام مسجد، وكثيراً ما كان يقف في غرفته ويلقي الخطب وكأنه خطيب فعلاً، وعمل جاهداً لتحقيق حلمه الذي كان سبباً باعتقاله ومن ثم استشهاده.

هكذا وصفه أخوه وصديقه، الذي يصغره ببضعة أعوام، وهو يجول بنظراته الحائرة ما بين مكتبة عبد المنعم، ونافذة غرفته المفتوحة على ليل يحمل في صمته صخباً وحزناً ووجعاً لا حدود لها ويسترجع ذكرياته عنه، فيقول: “لا أقوى على النظر إلى صورته مع أنها محفورة في قلبي، وبعد اعتقاله أحضرت مكتبته إلى منزلي كي أعتني بكتبه”. 

“لقد أعاد ترتيب الكتب بنفس الطريقة التي كان عبد المنعم يحب أن يرتب كتبه فيها، بينما احتفظت والدته بأوراقه وصور شهاداته”، قالت زوجة أخي عبد المنعم، مضيفةً: “كان عبد المنعم خلوقاً ومهذباً ولطيفاً في تعامله مع عائلته ومعنا، لقد عشنا أجمل أيامنا معه، كان يصحبنا مع عائلته إلى المطاعم والملاهي والحدائق ويفرح حين يرى أطفالنا يلعبون ويضحكون، وعلى الرغم من أنه إمام مسجد إلا أنه لم يكن متشدداً أبداً”.

أما ابن عم الشهيد الذي كانت قد احمرت عيناه من البكاء طوال الحديث عن عبد المنعم فقال: “ما زلت أذكر قامته المتوسطة، وعينيه البنيتين، ووجهه الحنطي الذي تزينه لحية يعتني بها كما يعتني بشعره الأسود، عرف عنه حبه للنكتة ومراعاته لكل الناس، لا يُملّ من حديثه مهما طال”.

تفاصيل الاعتقال والاستشهاد

كان عبد المنعم ضد النظام قولاً وفعلاً، وهو أول من دعا للمظاهرات في إحدى خطب الجمعة في جامع الحي، فقد كان خطيباً مميزاً ومتمكناً وله محبوه ممن يحضرون خطبه، كما كان أول من طالب بالمظاهرات لإسقاط النظام نصرة لأهالي درعا، اعتقل في 24 آذار عام 2012، وبقي في سجن إدلب 7 أشهر، ثم حوِّل إلى دمشق، حيث استشهد في المعتقل عام 2015″، تنهد الأخ مضيفاً: “علمت باستشهاد أخي من شاب في مدينة دوما، لازم عبد المنعم في السجن ثلاث سنوات، وأبلغني أنه شاهد عبد المنعم لحظة استشهاده تحت التعذيب، وأكد لي بتفاصيل دقيقة لا يعلمها سوى أشخاص مقربين منا، وكانت زوجته التي دأبت على متابعة الصفحات المختصة بالمعتقلين قد قرأت اسم عبد المنعم ونبأ استشهاده، لأتواصل أنا مع الشاب الذي نشر الخبر وأتأكد من استشهاد أخي، وذلك بعد مرور قرابة 5 سنوات على اعتقاله”.

توقف الأخ عن الحديث حاملاً فنجان قهوته، وكأنه يغطي مرارة ذكرياته بمرارة القهوة، ثم تابع قائلاً: “استشهد أخي تاركاً خلفه زوجة وأطفالاً ثلاثة، ابنته الكبرى زهراء تبلغ من العمر الآن أحد عشر عاماً، وشيماء ثمانية أعوام، ومحمود الذي كان عمره عاماً واحداً أصبح عمره اليوم سبعة”.

وأضاف: “لم يكن من السهل على زوجته أن تسمع بهذا النبأ، فقد دمرت حياتها وتغيرت كل تفاصيلها، فهي من دمشق وكانت تعيش معنا في سراقب، ولكنها بعد استشهاده صحبت أولادها وعادت إلى دمشق للإقامة في بيت ذويها، وما زالت حتى هذه اللحظة تقول أنا زوجة عبد المنعم ولست أرملته، وقد أثر هذا الأمر على الأطفال كثيراً، وبذلك خسرنا زوجة أخي وأولاده، فنحن لا نستطيع زيارتهم خشية من الاعتقال على يد النظام، وينحصر تواصلنا معهم على الهاتف”.

لم تتوان عائلة عبد المنعم خلال السنوات الماضية عن المحاولة لإطلاق سراحه من سجون النظام، إذ استعانوا بمحامين وضباط ومسؤولين، وعرضوا عليهم مبالغ كبيرة لتحويله للقضاء، وراجعوا المشفى العسكري في المزة المعروف باسم “611”، كما توجهت زوجته إلى وزير العدل وراجعت عدة فروع أمنية، دون أي نتيجة، فقد كانت كل الخطب والدروس التي ألقاها منذ بدء الثورة، موجودة على هاتفه المحمول الذي كان بحوزته عند اعتقاله، وكان كلامه واضحاً وصريحاً بضرورة التصدي للنظام، مع أنه كان دائماً يؤكد على ضرورة المقاومة السلمية، وعدم اللجوء للعنف أو التخريب.

توقف الجميع عن الكلام وكأنهم يستعيدون أنفاسهم من رحلة شاقة محملة بالوجع ثم قال الأخ بحسرة: “لم يكن عبد المنعم يشجع على حمل السلاح أو انتهاج طريق القتل، لم يكن يحب العنف ولكنه لاقى الكثير منه في المعتقل، فقد أخبرني ذلك الشاب أنهم في المعتقل لا يستخدمون الاسم للنداء على المعتقلين بل رقماً يحفظه المعتقل منذ لحظة دخوله، وفي إحدى المرات طرق باب الزنزانة ولم يكونوا يعلمون كم الساعة، ولكنها تجاوزت منتصف الليل، ومعنى هذه الدقات أن عليهم أن يتجهوا نحو الحائط، ونادى السجانون على رقم عبد المنعم، وطلبوا منه أن يقف ويتراجع خطوتين باتجاه الباب ثم اصطحبوه معهم”.

عاد السجانون مصطحبين عبد المنعم ووجبة الإفطار للمعتقلين، ما جعلهم يدركون أن الصباح قد حلّ، وكرروا العملية في اليوم التالي، ولكنهم عادوا به وكأنه ليس هو، كانت أسنانه مكسرة، وكذلك أصابعه، ولديه أظافر مقلَّعة، والدماء تغطي جسده، وآثار القيود على معصميه، ما يؤكد أنهم علقوه بالسقف ساعات طويلة “شبحوه”، كما كانت إحدى عينيه غير ظاهرة من شدة الورم، وكان عاجزاً عن الحركة أو الكلام، وتناوب زملاؤه في المعتقل على العناية به وغسل وجهه، في محاولة للتخفيف من ألمه، لكن السجانين بعد نحو ساعتين تقريباً نادوا عليه، لم يكن يقوى على المشي فسحبوه وأعادوه في حالة أسوأ، وفي الليلة الثالثة أعادوه إلى الزنزانة فاقداً للوعي، ملفوفاً بغطاء، ليستشهد بين زملائه بعد وقت قصير من شدة التعذيب الذي تعرض له، بكاه زملاؤه وودعوه، فقد كان بالنسبة لهم مصدراً للأمل والصبر، حسب ما نقله أخو عبد المنعم عن زميل عبد المنعم في المعتقل.

توقف أخو الشهيد عبد المنعم عن الكلام الذي كان طوال حديثه يحاول أن يكون متماسكاً وقوياً، وثبت نظراته في الأرض، وكأنه غادر إلى ذكرياته مع شقيقه، محاولاً الهرب من شبح تفاصيل استشهاده.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*