رياضيين حولهم ظلم النظام إلى انتحاريين

زيتون – تيسير المحمد
من ضمن قائمة طويلة من الأهداف التي وضعها نصب عينيه بعد أن أنهى خدمته الإلزامية في الجيش السوري عام 2005، كان تعلم فنٍّ من فنون القتال إحدى تلك الأهداف التي حققها، والتقى خلال تعلمها بعددٍ من الأصدقاء، فقدهم بشكل أو بآخر بعد أكثر من خمس سنوات على صداقتهم ولقائهم أسبوعياً.


في صالة “الكيك بوكسينغ” بنادي العباسيين وسط دمشق، حيث وجد “محمد” الشاب العشريني ما كان يبحث عنه في هذه الرياضة، لا سيما أنها تجمع بين عدة مهارات وألعاب في آنٍ واحد، فداوم على التمرين وطوال خمس سنوات لم يتغيب عن التدريب سوى مرة واحدة، وشارك في العديد من المباريات المحلية والودية، أما البطولات الرسمية فقد حال ضيق الوقت والتزامه بالعمل، وعدم قدرته على التفرغ والسفر والالتحاق بالمعسكرات التدريبية دون مشاركته فيها، فاقتصر تواجده في تلك البطولات على مرافقة زملائه وأصدقائه وتشجيعه لهم. 
يقول “محمد”: “في نادي العباسيين اكتسبت الكثير من الأصدقاء الذين أصبحوا بمثابة إخوة لي، ولا سيما صديقي “شادي بيطار”، وهو ابن مدينة الحفة بمحافظة اللاذقية، ومن سكان منطقة نهر عيشة بريف دمشق، أنهى خدمته الإلزامية وانضم إلى نادي العباسيين، حيث التقينا وبدأت صداقتنا وحاز خلال تلك الفترة على عدة ألقاب في البطولات المحلية”.
يصف “محمد” شادي بأنه “كان نحيل الجسد، قصير القامة، يتمتع بنخوة وشهامة قل مثيلهما، بسيط ومحبوب من قبل الجميع، لا يعرف الحقد أو الكره أو التشدد، باستثناء كرهه وحقده على عائلة الأسد والشبيحة، وهو المصطلح الذي كنت أجهله قبل أن تصبح علاقتي بشادي متينة ووثيقة إلى حدٍّ جعله يبوح لي بتلك الأمور قبل الثورة، والتي ثبتت صحتها وعرفتها كما عرفها وخبرها الجميع لاحقاً”.
نظراً لكون شادي من أبناء الساحل السوري، امتلك خلفيةً واسعة عن الشبيحة، حتى أنه اختلف معهم على إحدى غرف الواتس أب على خلفية نقاشٍ لم يتمالك شادي نفسه خلاله وعبّر عما بداخله، وهددوه بقتله وقتل عائلته، وحضر في اليوم التالي إلى النادي والخوف بادِ بوضوح على وجهه، وبقي على تلك الحال عدة أشهر، حيث اندلعت الثورة وأصبح ملعب العباسيين مركز تجمع وانطلاق الشبيحة لقمع المظاهرات والاحتجاجات المناوئة للنظام، بحسب محمد الذي أضاف:
“بعد ذلك ترددت إلى النادي مرتين ثم توقفت بشكل نهائي عن ممارسة رياضتي، إذ لا يمكن لإنسان حر أن يشاهد ممارسات هؤلاء المجرمين ويقف عاجزاً عن منعهم، كما أن رؤيتهم كانت تشعرني بثقل في صدري، فضلاً عن شعوري بالضعف والعجز، فالتزمت عملي وبدأت بالعمل الثوري المدني، والذي لم يكن يلبي طموحات شادي، ويتناسب مع ما زرعته عقود عمره من حقد على النظام وشبيحته وممارساتهم، لا سيما بعد أن تفاقمت إلى حد لا يوصف، ولم تعد تقتصر على أهالي الساحل كما في السابق، وبعد أن بات المشهد يومياً وعن كثب وفي مكانٍ اختاره مخصص للرياضة لا لقتل المدنيين والأبرياء”. 
بعد مرور أشهر على انقطاع محمد عن التدريب في النادي، تلقى مكالمة هاتفية في إحدى الليالي من شادي، واتفقا على موعد في نهار اليوم التالي، طلب فيه شادي طلباً صدم محمد، ألا وهو تأمين بندقية كلاشينكوف كي يقتل بها الشبيحة المتواجدين في ملعب العباسيين، فقد ضاق ذرعاً بما يشاهده يومياً منهم، فرفض محمد طلبه وحاول إقناعه بعدم نجاعة تفكيره، وبالانضمام إلى صفوف الحراك السلمي والابتعاد عن السلاح، ولكن محمد لم ينجح في محاولاته، وانقطعت أخبار شادي عنه لمدة من الزمن، وكذلك أخبار بقية أصدقائهما.


في إحدى الجُمَعْ، وبينما كان محمد يشاهد تقريراً مصوراً على قناة الجزيرة عن المظاهرات وكيف تتعامل قوات النظام السوري مع المتظاهرين المدنيين، وإذ به يرى شاباً تغطي الدماء وجهه نتيجة الضرب المبرح من الشبيحة، لم تخفي تلك الدماء صديقه الصدوق، لقد كان هو شادي، وحاول محمد الاتصال به على الفور ولكن رقمه كان خارج التغطية، فحاول الاتصال بأصدقائه في النادي، دون جدوى أيضاً، حيث استعان محمد بخط هاتفي بديل “خط مضروب”، نظراً لما يقتضيه عمله الثوري من حذر، واستمر في محاولاته التي باءت جميعها بالفشل إلى أن أعاد تفعيل رقمه الهاتفي القديم، حيث تلقى بعدها رسالةً لم يكن يعرف من يكون مُرسلها. 
يقول محمد: “تلقيت رسالةً يسألني المرسل فيها عن أخباري، وكان الرقم مجهولاً بالنسبة لي فسألت: من معي؟، وإذ به صديق آخر من أصدقائي في النادي، كانت صورته مختلفةً جداً عما خبرتها من قبل، شعره طويل وذو لحية طويلة جداً، ولكن صورته لم تكن وحدها الغريبة عني، فبعد أن تبادلنا أطراف الحديث أدركت أن أفكاره أيضاً تحولت تماماً كصورته حين بدأ حديثه بـ:
شو عم تشتغل ومع مين؟، بس لا تقلي أنك جيش حر.
لا مو جيش حر، عم أشتغل بالإعلام.. بس شبهم الجيش الحر؟
علمانيين ورايتهم عُميه
أنت مع مين؟
أنا مع الأخوة “جبهة النصرة”
دخل محمد حينها مع صديقه الذي لم يعد يعرفه في جدال طويل، أدرك على إثره مدى التحولات التي طرأت على أفكار صديقه، وأيقن أن النقاش بينهما عقيم ولا جدوى منه، ولكن قبل أن ينهي الحديث فكّر بأن يسأله عن صديقهما شادي، لتكون الصدمة الثانية له خلال الحديث نفسه.
لك بتعرف شي عن شادي بيطار؟
اي الله يتقبله.. نفذ عملية استشهادية بالشبيحة.

أنهى محمد الحديث، وكان آخر تواصل له مع صديقه، فكلاهما لم يعودا متشابهين بطريقة تفكيرهما، ولكن ما عرفه محمد خلال تواصل واحد مع صديقه دفعه للبحث عن البقية، فعلم أن صديقهما الرابع “عامر”، قد انضم إلى ثوار داريا، ولكنه لم يستطع التواصل معه، وربما فضّل ذلك.

لم يتخلَّ شادي عن فكرة أن يضحي بنفسه لينتقم من هذا النظام المجرم، على الرغم من أنه لم يكن متشدداً أو من أصحاب الفكر السلفي الجهادي، ولكن ربما لم يسعفه تفكيره أن يجد طريقة أخرى ليدافع بها عن نفسه وعن أفكاره، بحسب محمد الذي ختم بالقول:

“لم يكن أيا من أصدقائي يوما متطرفا، ولكن حين تواجه نظاما يمعن في الظلم والإجرام ولديه من الخبرة ما يكفي لسحق حياة شعب بأكمله سيتحول المدنيين إلى قنابل قابلة للانفجار وسيبحث الشباب عن انتقامهم ولو كانت حياتهم هي الثمن”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*