زيادة عن اللزوم

زيتون – سحر الأحمد 

تعمدت أن أتواجد بكل مناسبة أعرف أنه موجود فيها، فقد حرك فضولي الرجل الأسود -كما أسميه في داخلي- ودفعني لمراقبته رغماً عني.
“وليد” رجل مسالم يحبه كل من عرفه، تعرفت عليه عندما كنت أقيم في إحدى الدول الشقيقة، كل مرة أراه فيها يكون هادئا زيادة عن اللزوم، في حالة صمت زيادة عن اللزوم، غارق بالتفكير زيادة عن اللزوم، لباسه أسود دائما وزيادة عن اللزوم، ولأنني تعودت أن لا أترك باب الأسئلة مفتوحاً داخلي، استطعت أن أكون قريبة منه، لم يكلفني ذلك عناءً التواصل لأنه كان شخصاً ودوداً ويرحب بصداقة الجميع.
سألته في إحدى المرات بعد أن توطدت علاقتنا وصار متاحاً لي أن أجد إجابات لكل الأسئلة التي حيرتني في شخصية هذا الصديق:
– لماذا أنت رجل من ليل دائماً؟ أتحب اللون الأسود لدرجة أن ثيابك كلها سوداء؟
منذ عرفتك من سنين وأنت تلتحف السواد حتى في الصيف الحارق؟
– عندي قليل من الملابس الملونة، ألبس بعضها يوماً واحداً في العام.
قالها بنبرة تملؤها الحزن، ثم ترك جسده جالساً على الكرسي قبالتي في المكان، وأخذ ذكرياته وراح في البعيد.
عندما رآها أول مرة وقع في حبها، وبحكم عملهما في نفس المكان كان يراها كل يوم، وكل يوم حبه لها يكبر، في داخله هي لوحة مزركشة بالألوان الزاهية، كيفما تتحرك تتساقط حياة، وأينما تواجدت تستطيع أن تنثر على كل الحضور أوراقاً مطّعمة بنكهة الفرح.
ظل وليد مكتفياً بحبه لها بصمت، محصّناً نفسه بهدوئه الزائد عن اللزوم، لأنها تعيش حالة حب عاصف مع أحدهم، ولا ترَ رجلاً في الوجود غيره.

غيرت عملها وانتقلت للعيش في دولة أخرى، وانقطعت أخبارها عنه لسنين، لكنه بقي صاحبنا متمسكاً بحبها.

بطريق الصدفة، عرف من أحد الأصدقاء أنها تمر بظروف صعبة، وأنها فقدت عملها وحبيبها في آنٍ واحد.
حصل على هاتفها، لم يتحدث هو، بل تحدثت فرحته بعد أن عثر عليها، تحدث عمره الذي بُعثت به الحياة بعد أن جمّده سنيناً.
أهداها حبه الذي كان يكبر بقلبه بصمت، قاسمها حياته وأهله وأصدقاءه.
كانت فرحة وليد أكبر من أن يستوعبها عندما أخبره الطبيب بالمشفى أنه رزق ببنت، مرت شهوراً عليه وهو يوزع الفرح لكل من يعرفه ولا يعرفه، يذكر الأصدقاء كيف ظل يهدي الحلوى والأزهار طوال عام كامل احتفاءً بالمولودة الجديدة.
لم تدم فرحته سوى سنوات قليلة، إلى أن كان يوماً صارحته فيه زوجته برغبتها بالانفصال عنه، صفعه ردها عندما سألها عن سبب الانفصال:
– ليس لدي أسباب سوى أن حظك العاثر ودون أن تدري لبيت رغبتي في أن تجعلني أمّاً، وها أنا ذا قد أصبحت.
تركته في حالة ذهول حتى يومه هذا، واتخذت لها ولابنتها مكان إقامةٍ جديد، بعد أن استصدرت قراراً من المحكمة بالطلاق وحضانة الطفلة، وقراراً آخر بحرمانه من رؤية الصغيرة، لأنها أقنعت القاضي بعد أن زوّرت أحداثاً وتفاصيل يندى لها الجبين.
ومن ذلك الحين يرتدي اللون الأسود في كل الفصول وكل أيام السنة باستثناء يوم ذكرى ولادة ابنته، في هذا اليوم يلبس وليد اللون الأبيض، ويبقى في منزله وحيداً ساهياً مذهولاً، لا يرد على هاتفه ولا يفتح باب منزله، حتى لو طُرق مئات المرات.
فجأةً عاد وليد إلى جسده الجالس على الكرسي قبالتي، وبدون مقدمات قادني إلى منزله، الذي لطالما تجنبه الأصدقاء، عبثاً حاولت معرفة سبب تجنبهم له، واكتفائهم بالدهشة والاستغراب عندما تأتي سيرة بيته، وكأنهم وحّدوا إجاباتهم برد واحد: عندما تذهبين إلى بيته ستعرفين.
وصلنا إلى البيت والفضول يملأني، وضع المفتاح في الباب، وأشار لي بيده أن أدخل، هممت بالدخول لكنني تراجعت بعفويةٍ بعد أن هالني منظر صورٍ كثيرةٍ ملقاةً على الأرض في مدخل البيت.

انحنيت لألملم الصور المتناثرة على عتبة المدخل حتى أتمكن من الدخول، وإذ بـ وليد قد خرج عن صمته وهدوئه الزائدين عن اللزوم وصاح بي: “اتركيها.. لا تلمسيها بل دوسي عليها وأنت تدخلين”.

استغربت طلبه، لا سيما أنني كي أتمكن من الدخول فعلاً كان لا بد لي إلا أن أدوس على صورٍ بأشكال مختلفة لامرأة واحدة.
قالوا: منذ أن فقد زوجته وابنته، لم يغير اللون الأسود في لباسه إلا يوماً واحداً في العام، وأن أحذية القادمين إلى هذا البيت لا زالت منذ ذلك الحين تدوس صور طليقته من مدخل البيت إلى مدخل الصالون.

لوحة “عازف الجيتار العجوز” للفنان الإسباني بابلو بيكاسو

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*