بعد عشرين عاما من نبوءة ميشيل سورا.. كتاب “سورية الدولة المتوحشة” يبصر النور

زيتون – رائد رزوق
بعد انتهائي من امتحان الشهادة الثانوية، وتحت ضغط وضع العائلة المادي المعهود، قصدت بيروت كالكثير من أبناء سوريا بحثا عن فرصة عمل دون أي تأهيل مهني ودون أي هدف أو معرفة لمصيري بعد وصولي إلى نهاية رحلة محفوفة بالغموض.


وما زلت اليوم بعد مرور سنوات طويلة على تلك الرحلة أعيش حالة الذهول كلما استرجعت مشهد مدينة بيروت الغربية وأنا أدخلها لأول مرة، منظر الدمار والخراب الكلي على طرفي الطريق ولمسافة طويلة، كانت كمشهدِ من فلم رعب استثنائي، رائحة الموت والسواد كان في ذروة ما يمكن أن أتخيله.
استعدت تلك الذكرى وأنا أدخل بعد عشرين عاما مدينة حلب عابرا منها إلى تركيا، كانت المقارنة المتطابقة حاضرة بشكل كامل، ما بين بيروت 1990 وما بين حلب 2014، لم يكن هناك من أضافة بين المشهدين سوى حضوري للخراب الأخير في حلب، والكيفية التي تم بها.
ولأن حجم الألم كان أكبر من أفواهنا، كما كان حجم التزوير أعتى من قدرتنا على المناكفة، فقد سرني كثيرا كتاب وجدته البرهان والحجة، يمكن للسوريين أن يرفعوه كدليل على وحشية هذا النظام وهو كتاب “سوريا الدولة المتوحشة” لميشيل سورا.
كنت وأنا أقرأ كتابه أِشعر بتنامي الامتنان لهذا الفرنسي من أصل تونسي الذي شاركنا مصيرنا بدمه، كما أحسن إلينا حين فكك بنية النظام الأسدي الذي جاءت نتيجة بحثه أنه لم يكن ذا هدف وطني أو قومي أو غيره من الأهداف التي كان يدعيها، سوى هدف واحد هو تثبيت حكمه واستمراره. 
وكما يفكك بنية النظام فإن ميشيل سورا يفكك بنية المجتمع والطوائف وعلاقة كل منهما الآخر، وبطريقة منطقية يضعنا أمام ذواتنا كأفراد ومجتمعات، وبحرفية الأكاديمي يكشف أقنعة الأنظمة الكاذبة، كما يكشف سبل المجتمعات والمدن في الدفاع عن وجودها، ومن خلال قواعد علم الاجتماع والحوادث التاريخية التي عاشتها سوريا في ماضيها القريب نكتشف كيف وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم.
في شباط 1982، بينما كانت قوات الحرس الجمهوري للنظام السوري تقصف حماة، رابع أكبر مدينة سورية بتعداد سكان يتجاوز ربع المليون نسمة، في نطاق عملية عسكرية كبيرة جدا، انتهت بسقوط ما يقدر بعشرة آلاف قتيل… كانت الصحافة الغربية تقدم ما يشبه التبريرات لذلك العمل بصفته شرا لا بد منه لإزاحة شبح الخمينية عن بلاد الهلال الخصيب…
بهذه المقدمة يبدأ الكتاب من ذروة الجريمة السورية في تاريخ سوريا الحديث، ليغوص في الحياة السياسية والاجتماعية التي سادت بعيد سيطرة البعث على الحكم، ليعمل مبضع المؤرخ والباحث في مجزرة حماه، مغرقا في تاريخ الطوائف السورية وتوجهاتها، وانعكاس ذلك التاريخ على مواقف اليوم، وما بين علم الاجتماع والحوادث التاريخية يضع مقولات الأسد الأب على محك الحقيقية ليجردها بشكل يصل حد السخرية أحيانا لكنه يبقي على منهجه العلمي طريقا له.
كما يستعرض الصراعات العسكرية والسياسية التي مر بها النظام السوري، معرجا على أبرز تلك الحوادث كمجزرة سجن تدمر ومحاولات الانقلابات الفاشلة التي جرت، وصولا إلى الطائفة العلوية وانتقام الريف من المدينة وترييف المدن، ليسهب في وصف حركة الإخوان المسلمين إلى الاقتصاد والتعليم وبنى المدن السورية.
ويفرد في بحثه الأخير تحليلا لمدينة طرابلس كنموذج لتحليل الصراعات الطائفية وارتباطها بالنظام السوري، ذلك كله قبل أن يستعرض المكونات السورية جميعها من كرد وأرمن وشركس وبدو ويهود.

من هو ميشيل سورا الذي قرأ النظام وكتبه بشكل تنبؤي؟ 
يقدم صديقه “جيل كيبل” وهو أستاذ ورئيس برنامج الدراسات الشرق أوسطية والمتوسطية في معهد الدراسات السياسية بفرنسا، وأوليفييه مونغان” بمقدمة الكتاب في النسخة الأولى تعريفا كاملاً يوفي سورا حقه جاء فيه:
“في الخامس من شهر آذار 1986 أعلنت منظمة الجهاد الإسلامي إعدام الباحث المتخصص ميشيل سورا، والواقع أنه كان قد توفي قبل ذاك التاريخ بعدة أشهر، بعد أن عانى طويلا سوء المعاملة ونقص العناية الطبية حيث كان مسجونا رهينة في قاع زنزانة في مكان ما في لبنان.
لكن حرب الأكاذيب – وهي إحدى دعامات الإرهاب في الشرق الأوسط – أرادت أن تستغل وفاة ميشيل سورا إعلاميا، وأن يكون لرحيله وقعا على الأحداث، فجاء الإعلان عن وفاته في وقت مفيد للتأثير في منحى الانتخابات التشريعية الجارية في ذلك الوقت، وألبس موته لباس “إعدام جاسوس” لنحل هذا العمل تبريرا أخلاقيا.
لماذا هذا السعي الحثيث لتشويه ذكرى ميشيل سورا بعد أن اختير هو فقط من بين الرهائن الفرنسيين لقتله بكل سفالة؟
الجواب عن هذا موجود النصوص التي كتبها سورا، وفيها تحليل دقيق ومن دون تكلف للمشهد السياسي في الشرق في ثمانينات القرن العشرين.
لن يعجب القتلة هذا الكتاب، كما لن يعجب رؤساءهم الحريصين على منع أي بحث اجتماعي وعلمي، في حين يوكلون مهمة رسم صورة المجتمع إلى عملائهم من أصحاب الدعاية ممن يمجدون الحزب الواحد ويؤلهون القائد الفذ.
ولد ميشيل سورا سنة 1947 في مدينة بنزرت في تونس، وقضى فيها طفولته حتى جاءت أحداث سنة 1961 حين قصفت الطائرات الفرنسية البلدة، مما شكل لديه صدمة نفسية.
أكمل ميشيل دراسته في مدينة ليون، لكنه لم ينجح أبدا في الارتباط بفرنسا الأم، سافر في عام 1971 إلى بيروت ليستعرب، يوم كانت العاصمة الثقافية للعالم العربي بقدر ما كانت مدينة عالمية يمكن للمرء أن يتنفس فيها حرية لا تعرفها حاضرات الشرق الأخرى، جال في صيف تلك السنة في المخيمات الفلسطينية في المنطقة بصحبة شبان أوربيين كانوا يرون في القضية الفلسطينية تجسيدا للأفكار الثورية.
تابع دراسته من سنة 1972 حتى 1974 في دمشق، حيث ترجم في إطار رسالة الماجستير قصص غسان كنفاني، ثم أصبح سنة 1974 أستاذ التاريخ المعاصر في كلية الآداب في بيروت، وكان يدَّرس في الوقت نفسه اللغة الفرنسية في المخيمات التزام نضالي منه.
سنة 1975 بدأت حياته المهنية العلمية بالمعنى الحقيقي للكلمة عندما حصل على منحة باحث مقيم في المعهد الفرنسي للدراسات العربية في دمشق، حيث كتب أطروحة دكتوراه حول ساطع الحصري، أحد مؤسسي القومية العربي وبقي في دمشق حتى سنة 1978.
كان ميشيل سورا شخصا رصينا ومنعزلا، عن خجل أكثر منه عن تردد، وكان يتمتع بقوة إقناع عقلية كبيرة، والواقع أنه كان من القلة النادرة من علماء الاجتماع المستعربين، في أواسط السبعينيات الذين عاشوا على أرض الواقع التي يجرون عليها أبحاثهم.
بعد أن انتهت إقامته في دمشق عاد إلى بيروت وانضم من سنة 1978 حتى 1980 إلى فريق عمل مركز الدراسات والأبحاث عن الشرق الأوسط المعاصر، ثم أصبح سنة 1983 السكرتير العلمي للمركز، كانت هذه العودة إلى بيروت ذروة ما تمناه بقوة وصدق، إذ صار بوسعه العمل على ذلك التعايش العربي الفرنسي الذي يحمله في داخله.
وقد توصل سورا من خلال دراسته وتفكره في الدولة والمجتمع في سورية إلى استعادة مفهوم جوهري قال به المؤرخ ابن خلدون في القرن الرابع عشر الميلادي، ألا وهو “العصبية” التي تصنع من التلاحم الفئوي في الحي أو القبيلة أو الدين، العامل المفسر الأولي لتطور المجتمعات العربية وبناء السلطة.
كان عليه استكمال النموذج النظري للعصبية، والعمل عليه مجددا من أجل شرح النظام الاجتماعي السوري وتوضيحه، فدرس ميشيل سورا الدولة السورية التي تميزت بالقمع الوحشي والاستخدام المدروس للإرهاب، وأظهر بعدها البربري بمعناه الهمجي المتوحش، ثم التفت الى الطبقات والمجموعات الاجتماعية التي كانت ترى في تلك الدولة الضمانة لاستمرار اعمالها وتدفع الأرباح عليها، على الرغم من البربرية التي تمارسها هذه الدولة نفسها، ضمن هذا المنظور كان ميشيل ينوي القيام بدراسة الطبقات الوسطى في سورية مما كان سيتيح له استكمال تحليله بكامل ابعاده، إلا أن اغتياله حال دون ذلك”.
تزوج ميشيل سورا من السورية ماري معمارباشي قبل اختطافه، مؤسساً لحياة أحب أن يعيشها في الشرق الذي اغتاله.
أحد زملاء معتقله “جان بول كوفمان” يصف في فيلم لعمر أميرالاي بعنوان “في يوم عنف عادي، صديقي ميشيل سورا..” الذي أنتج 1996، كيف كان يسخر منه جلادوه وهو يحتضر مريضا، لتستعيد فرنسا جثمان سورا عام 2006، بمساعدة من قاتليه.
هو كتاب من الكتب القليلة التي وضعت المجتمع والنظام السوري تحت مجهر التحليل والتشريح والمراقبة، ونحن سواء اتفقنا أم اختلفنا معه، فإن كل جهد مبذول في هذا السياق هو جهد إيجابي، يساعد في تبديد ضبابية النظام السوري وغموض آلياته، كما يعيد النظر في المفاهيم والبديهيات التي مر على السوريين زمنا طويلاً مؤمنين بصوابيتها، ولربما كانت السبب في اضمحلال ثورتهم.

من هم قتلة ميشيل سورا ولماذا قتلوه
في 22 أيار 1985 قامت حركة “الجهاد الإسلامي” التي تحولت فيما بعد لحزب الله باختطاف ميشيل سورا وصديقه جان بول كوفمان من على طريق المطار أثناء عودتهما من فرنسا إلى بيروت، وذلك بعد متابعة من قبل المخابرات السورية التي كانت تترصده لنشره مقالات ودراسات في صحف عالمية باسم مستعار أحيانا وباسمه الحقيقي أحيانا أخرى، حول مجزرة حماه وسياسة القمع الوحشية للنظام السوري وكشفه لقومات النظام في استخدام العنف البدائي والعاري لتوطيد سلطته.
ولقد استشعر سورا في وقت مبكر خطورة النظام السوري على سوريا وتنبأ بمستوى الوحشية التي لم يتردد في استخدامها في حماه، كما عاد واستخدمها في كل المدن السورية في 2011، ولا سيما أنه قد عاش في دمشق ولامس حجم الأرهاب الذي تمارسه على الناس، وهو ما دفعه للإقامة في بيروت، لكن النظام السوري لن يهمل باحثا فضح زيف شرعيته التي بناها عبر سنين وكان من الطبيعي أن يلاحقه لينال منه في أول فرصة سنحت له عبر ذراعه في لبنان حزب الله. 
وما يؤكد علاقة النظام السوري بمتل ميشيل سورا هو ممارسته لدور الوسيط في كل عمليات التفاوض ما بين الحكومة الفرنسية وحزب الله فيما يتعلق بالأسرى الفرنسيين.
في يؤكد جان بول كوفمان وهو من رفيق سورا في المعتقل والشاهد الأخير في حديثه بفيلم “يوم عنف عادي” على مسؤولية الجهاد الإسلامي عن اختطافهم قائلا: “مساء اختطافنا غابت المرسيدس البيضاء للخاطفين في مرآب تحت الأرض، فانغلق وراءنا باب مصيدة، استمرت ثلاثة أعوام طوال عشنا خلالها عالما من الاقصاء والجنون، فالجماعة التي اختطفتنا وهي الجهاد الإسلامي كانت تطالبنا بالتواطؤ الكامل معها وتفرض علينا الانصياع المطلق لها”.
في 28 تموز 1985 نقل كل كوفمان وسورا الى منزل بلا نوافذ غير بعيد من مطار خلدة، تعرضا فيه للتعذيب، ليأخذوا بعدها سورا إلى مكان أخر، وينقطع صوته عن زملائه.
يقول كوفمان: “بالنسبة لي ثمة أمر واحد مؤكد، إن ما حدث لميشيل كان إعداما وقتلا متعمدا ارتكب عن سوء نية من قبل خاطفينا وعن احتقار ولؤم عندهم 
ويوضح كوفمان: “في 28 كانون الأول 1985 في عيد القديسيين نقلوه فظننا أنهم سيطلقون سراحه، وفي اليوم التالي قلت لرفاقي ثمة أمر غريب، لدي انطباع أن ميشيل ما يزال هنا، بقي ميشيل عشرة أيام بجوارنا وفي 12 كانون الثاني 1986 خلال الليل حدثت جلبة غريبة، وفي اليوم التالي اختفى صوت ميشيل المتحشرج وسعاله وفي تلك اللحظة أدركنا أن ميشيل لم يعد بيننا”.

 

تعليق واحد

  1. كتاب : جاسوس من أجل لا أحد . The book : /Spy for nobody/
    من يريد أن يقرأ
    كتاب عن سوريا وعن الثورة السورية وهو رائع ومؤثر ومهم ، وفيه معلومات تاريخية هامة عن تاريخ سوريا ونضال الشعب السوري ضد حكم الطغاة الذي استمر يعاني من ناره اكثر من خمسون عاماً ، وتفاصيل وأسرار تكشف لأول مرة عن المجازر الرهيبة التي قام بها النظام السوري في مدينة حماه عام 1982 ، انصحكم بقراءة
    .كتاب : جاسوس من أجل لا أحد ، والذي تم اختياره ليصبح مرجع للدراسات والأبحاث في مكتبة الكونغرس الأمريكي وتسعة من مكتبات اهم واشهر جامعات العالم
    كتاب :
    جاسوس من أجل لا أحد
    اتخذته واختارته تسعة من اهم وأشهر جامعات العالم ومعهم أيضاً مكتبة الكونغرس الأمريكي من بين جميع الكتب العربية والسورية كمرجع للأبحاث والدراسات المتعلقة بأجهزة المخابرات العالمية ، وبالشرق الأوسط ، وبسوريا ، وغيرها من المواضيع والعناوين .
    .I recommend reading this very important book, which includes an explanation of the espionage process for the benefit of the Syrian people and against the intelligence services of the Syrian regime that lasted for eighteen years. It is a very interesting book and has great popularity around the world.
    The book :
    “Spy for nobody”
    It has been chosen by nine of the world’s leading universities and USA universities, as well as the Library of Congress of all Arabic and Syrian books as a reference for research and studies on international intelligence services, the Middle East and Syria,
    and other topics and addresses. .
    And in it very important information about the massacres of the city of Hama in /1982 / carried out by the regime of the criminal Assad in Syria, which was classified information and with details for the first time revealing to people
    وهذا الكتاب للمؤلف السوري : باسل محمد روحي الصنيب ، Basel Saneeb &Al Sannib
    هو أيضاً وثيقة أمنية وعسكرية وتاريخية إنسانية تشرح للعالم قضية الشعب السوري ، والظلم الرهيب الذي عاشه الشعب في سوريا لمدة تزيد عن خمسون عاماً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*