حين أصبحت مستبدا وقصصت شعر الصغير

خاص زيتون 
تذكرت الكواكبي وأنا أمد إصبع سبابتي أمام الصغير محذرا له من التمنع عن حلاقة شعره: “سأقص شعرك الأن طوعا أو قسرا” ليستسلم لقدره والدموع تملأ عينيه مجيباً بانكسار وذل “OK”.

كنت أفكر وأنا أشوه وجه البريء بما تخلفه مكنة الحلاقة من فجوات بشعره الناعم، بأثر كلماتي في نفسه، وأي طفل سيكبر إن حطمه الخوف والتعسف الذي أمارسه عليه؟ وهل يمكن أن تزول آثار الخوف بسهولة زرعها في النفس؟
قبل مائة عام كتب عبد الرحمن الكواكبي طبائع الاستبداد، بعد أن كرس حياته لفضح آثاره على الأمة، معللاً تدهور وانحطاط العرب والشرق عموماً بما ابتليت به من داء الاستبداد، ومؤكدا على أن جذور الاستبداد السياسي هو نتيجة لاستبداد الدين، رغم براءة الدين من الاستبداد في أساسياته كما يقول.
وبرغم السنين الطويلة التي مرت على الكتاب إلا أن القارئ له اليوم يجد قوة ارتباطه وحيويته بالحالة العربية بشكل يوحي وكأنه كتب البارحة، ذلك لما للاستبداد من طباع لا تتغير، وأعراض لا تتبدل.
في فيلم أمريكي بعنوان “التجربة” The Experiment مستوحى من اختبار قام به باحثون في عام 1971 عن محاكاة لواقع السجون كان الهدف منه معرفة سلوكيات السجناء، شارك 24 متطوعا في الاختبار الذي كشف بشكل سريع مدى استعداد الإنسان للتعسف حين يمكنه ذلك، كما كشف قدرته على ممارسة السادية دون أسباب، ما طرح تساؤلات محقة حول أصالة الخير في النفس البشرية وهوية فطرتها.
قسَّم مشرفو التجربة المتطوعين بطريقة عشوائية إلى سجناء وسجانين، ولم يقدموا للسجانين سوى كلمة “عقوبة مناسبة” كقانون يضبط سلوكهم اتجاه السجناء، خرجت التجربة عن نطاق السيطرة منذ اليوم الثاني، ولم يعد ممكنا الاستمرار فيها بعد اليوم السادس، بعدما كان مقررا لها أن تستمر 14 يوما، وذلك بسبب انزلاقها إلى مستويات من العنف والسادية لم تكن متوقعة.
ورغم تفاوت سلوك السجانين فيما بينهم إلا أنهم جمعيا تقمصوا أدوارهم بل واستمتعوا بعملهم إلى درجة إنزعاج بعضهم حين تم انهاء التجربة بشكل مبكر، وتراوح العنف ما بين التعذيب والضرب والتحرش الجنسي والعزل الانفرادي والإذلال الشديد.

ويعتقد البعض أن دائرة الاستبداد لا تنتهي، وأن المستبد بهم سينتظرون دورهم لممارسة استبدادهم على أخرين أقل حظا منهم، ويكتمل نظام المجتمع بذلك ما بين مستبدين صغار يخضعون لمستبدين أكبر منهم والذين بدورهم يخضعون لمستبدين أكبر، لينتج في نهاية المطاف مجتمعا مريضا ومزيفا يشكله أفرادا لا يجدون في العبودية والإذلال أمرا شائنا، ومن المرجح والحالة هذه أن يكبر الصغير كطاغية على اخوته الصغار مستقبلا.

هو متلازمة التخلف، وسمة الجهل، في كل واحد منا هناك بذرة استبداد تنتظر النمو، تتغذى من الخوف وتستمد استمرارها من جبن المواجهة، لتنعكس بصور مختلفة، أباء ظلمة، أزواج متعسفين، أخوة متجبرين، في شرق صار مرتعا لتوالد الاستبداد.

يزخم تاريخنا العربي والاسلامي بوفرة هائلة من قصص الاستبداد تسرد في سياق المجد الذي وصل إليه البعض بقدرته على الظلم دون حسيب، ليصبح مثلا ونموذجا لغيره.

يحدثنا الموروث في قصة الملك “النعمان بن منذر” عن اختيار الملك ليومين له في العام، احدهما للنعم يغدق فيه على أول من يصادفه، والثاني يوم بؤس يسفك فيه دم أول منحوس يلاقيه، يومي البؤس والنعيم لدى النعمان يختصران قدرة الحاكم الفرد التي تتساوى مع قدرة الخالق هنا، ولعل الكثير منهم في يومنا مازال يحاول ارتداء لبوس الألوهية بشكل أو بآخر.

مزاجية القتل لدى النعمان تعطي للحكم الهيبة والخوف وتمنع المعارضين من المجازفة في نزع الملك منه أو حتى محاولة اصلاحه، فكان بكل بساطة يقتل أي انسان يلتقيه في يوم بؤسه لا لشيء سوى لأنه يوم شؤمه، هذا هو الموروث السائد والمحتذى، ولنا في المثل القائل “عاجز من لا يستبد” نهاية الحكمة العربية.

يعيش العرب -بشكل خاص- في دولهم اليوم تحت سلطات قديمة مهترئة دأبت على قمع شعوبها واخضاعها بالقوة، كل ذلك كي يضمن الحاكم باستبداده استمرار حكمه، فإن ثاروا عليه قتلهم، وإن رضخوا له ظل يحكمهم حتى ولو على كرسي مدولب، أو مسلما إياهم إلى مستبد آخر من نسله أو من طغمته.
ويعتمد الاستبداد في وجوده على مبدأ القوة العارية وإمكانية البطش بالآخر، وهي وسيلته الوحيدة في الاقناع، فبالترهيب والترعيب والقمع يتسنى للطاغية أن يهنأ في سلطانه، ولذلك كان من الطبيعي أن يأتي جل حكامنا عن طريق الانقلابات العسكرية، وهو ما خلق الشعور لديهم بحقهم في السلطة، بالمقابل يسعى السياسيون الطامحون للسيطرة على مفاصل الجيش والقوة، وهي متلازمة أبدية في شرقنا العربي ما بين الغاية في استمرار السلطة المطلقة والوسيلة وهي القوة واحتكار العنف.

ولأن التجهيل والتفقير هما أدوات المستبد، يصبح من المستحيل الخلاص من هذا الاستبداد إلا بخرق هاتين الدائرتين، وهو ما يُلزم كما يقول الكواكبي الشعوب بمسؤولية طويلة وصعبة في الخلاص من مستبديها، ويرى أن الاستبداد لا يعالج بالثورات العنيفة واستعمال القوة، لما يمكن أن يجلبه ذلك العنف من مستبدين آخرين، بل ينصح باتباع التدرج في خلق البديل الحقيقي مع ما يتطلبه ذلك من نشر الوعي الكافي وإذكاء شعو الظلم لدى الناس.

الثورة السورية التي وقعت في المحظور الذي حذر منه الكواكبي بتنامي الفكر الاستبدادي واستبدال مستبد بمستبدين آخرين ولا سيما بعد ظهور التيارات الإسلامية التي لا تعترف بالآخر ولا تقبل رأيا مخالفا بل وتكفره وتتحلل دمه، هو ما أوقع السوريين في ورطة الخروج من حفرة الاستبداد ودائرته العنيفة الذي لا يتيح بإنتاج البديل.

وكما استبد النظام السوري فقد استبد بنا قادة الفصائل المعارضة بعد أن أنستها السلطة أسباب الثورة، استبداد ينتج استبداد آخر، ولن تلوح نهاية قريبة لهذه الدائرة إن لم ننتهه إلى ما نمارسه في حق بعضنا من ميل للظلم واستكانة للظالم، وإن لم نشيع معنى العدالة والانصاف ونقنع بأن لغيرنا الحق في القرار كما لنا.

“نحن قوم متجبرون” ربما كانت أصدق العبارات التي عرف بها العرب أنفسهم، فلقد استبد بنا حكامنا وولاة أمرنا وموظفو الدولة ورجال الدين وضباط الجيش والأمن وأصحاب رؤوس الأموال، كل مارس استبداده بما تيسر، لنستفيق اليوم على واقع لم نعد ندري فيه موقعنا في منظومة الاستبداد.

من المؤكد أن الخيار الأفضل كان أن أترك الطفل دون حلاقة، كان سيبقى جميلا، وسيكبر أجمل، ومن المؤكد أنني كنت سأكون أباً أفضل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*