أقنعة الموت.. اللثام الذي أدفأنا في وقت ما.. أحرقنا اليوم

زيتون – تيسير محمد
بعد رحلة التهجير من ريف دمشق إلى الشمال السوري قصدت صديقي “مهند” المتواجد في ريف إدلب فهو من أهالي المنطقة، وتربطني به علاقة أخوة من زمن سبق الثورة، وقد ساعدني بتوفير منزل أقمت فيه كان بالقرب لأحد أقربائه، وقد حرص على مرافقتي كلما أردت الذهاب إلى مكان ما في المنطقة بسيارته.

بعد عدة زيارات لنا لمدينة إدلب كنا نقضي بها بعض الحوائج، لاحظنا أن عناصر أحد الحواجز كانوا يبتسمون لنا كلما مررنا بهم مع بعض التهامس فيما بينهم، ومن المعلوم أن المدينة محاطة بحواجز عليها عناصر ملثمون يتبعون لهيئة تحرير الشام.

صديقي مهند لا يحب عناصر هيئة تحرير الشام ويشعر نحوهم بنفور مع انتقاده الدائم لفكرهم المتطرف وسلوكهم العنيف، حتى أنه يرفض مبادلتهم السلام أو الرد عليهم، ويعلل كل ما أصاب المحرر من مشاكل ومصائب لوجودهم، ولا عجب من ذلك لا سيما أن عرفنا أنهم قد قتلوا والده أثناء اعتدائهم على إحدى الفصائل في وقت سابق.

في أخر مرور لنا بالحاجز المذكور سألني مهند، هل كنت مع الهيئة سابقاً أو تعمل معهم حالياً؟ 

استغربت سؤاله مع ما يعرفه عني من تناقض فكري مع القاعدة وسلوكها، وحين أجبته بسؤال مقابل عن مغزى سؤاله، طالبني بتفسير ابتسام عناصر الحاجز لي؟ وفي دفاعي عن نفسي قلت لم لا يكون هذا التبسم لك مثلاً؟

وبعد فشلنا في معرفة سر الابتسام أو وجهته عزمت أن أسأل العناصر عن أسباب هذا التصرف، وفي اليوم التالي ذهبت إليهم واقتربت من أحدهم، فسلم علي بحرارة شديدة ومن ثم ضمني بين ذراعيه، في هذه اللحظات عرفته من صوته، كان أحد أصدقائي في ريف دمشق، ولكن عندما انضم لجبهة النصرة، فترت وتباعدت لقاءاتنا حتى باتت مصادفة.

قلت هذا أنت يا “عامر” فوضع يده على فمي قال: “أخفض صوتك لا أريد أن يعرفوا اسمي”، ثم نادى على شخص آخر فإذا هو صديق مشترك سابق اسمه “مهدي”، تبادلنا السلام والأخبار والعتاب وقبل أن أغادرهم طلب عامر مني زيارته، مبدياً رغبته في النقاش والحديث بشكل مستفيض، وبتبادل أرقام هواتفنا عدنا للحديث والتواصل بشكل شبه يومي.
حين زرته عاد الجدل في مواضيع كثيرة كان أهمها اللثام، فبدأت هجومي بالحوار التالي الذي دار بيننا:
– من المعيب أنكم ما زلتم تلبسون اللثام وأنتم في منطقة محررة تمثلون أو تدعون أنكم السلطة العليا فيها.
– تذكر عندما كنا نخرج في المظاهرات في حي الميدان، ألم نكن نغطي وجوهنا؟، فلماذا تنكر اليوم علينا أن نضع اللثام، أليست هذه مثل تلك؟
– شتان بين الأمرين، هناك كنا نتحرك في داخل دمشق التي يسيطر عليها نظام الأسد، وحراكنا كان في مناطق نفوذ العدو، غير أن الناسَ كانت تحملنا على الأكتاف، وتدعمنا بكل ما تستطيع، وعندما انتقلنا للمعمل المسلح، كنا نضع القناع ونتسلل بين السكان لتنفيذ مهمة ما، وهم راضون بقناعنا لمعرفتهم بعملنا، كما أن سياسة الانتقام الجماعي التي يتبعها النظام ضد كل من يعارضه، فقد يقتل أو يعتقل كل العائلة، ما فرض أن نغطي وجوهنا من أجل سلامة أهلنا”.
– والآن يوجد الكثير من العملاء وأعداء الجهاد ومن يكره من يحمل السلاح ويكيد لهم، ويضع العبوات في طرقاتهم ويطلق النيران على صدورهم في المحرر.
– نعم قد يوجد عملاء لكنهم ليسوا سلطة ولا هم قوة وهي حالات شاذة وقليلة، أما إن كنت تقصد باقي الفصائل فأنتم من أعتدى عليهم واستبحتم دمائهم وسلاحهم بحجة التعامل مع الغرب وغير ذلك، ثم سرتم على نفس خطاهم، وضيقتم على الناس في أرزاقهم ومعيشتهم، فمن الطبيعي أن يأنفوا أفعالكم، ولكل فعل رد فعل.
– اللثام يعطي الهيبة والوقار للمقاتل وهذا ما يجب أن يتصف به.
– بل يزرع الخوف والرعب من أمثالكم، فمن لم يقتل برصاصكم خلال اعتداءاتكم على الناس، قتل ممن يلبسون لباسكم، ولو فرضنا جدلاً أنكم براء ممن يقوم بذلك، فأنتم تتحملون مسؤولية قانونية وأخلاقية، لأنكم أصحاب السلطة وأصحاب السنة في هذه العادة التي تصرون عليها.
– إرضاء الناس غاية لا تدرك، كما أننا لسنا الوحيدين الذي نضع اللثام.
– صحيح لا يمكن أن ترضي جميع الناس، ولكن هذا لا يمنع أن تقوم بواجبك، وتعمل على الحد من مخاوفهم والعمل على حمايتهم من إجرام الملثمين، ولأنكم أنتم ومن يماثلكم في المنهج والفكر من بدأ هذا الأمر، كان حله واجب عليكم.

شهدت المناطق المحررة وعلى رأسها إدلب خلال سنوات الثورة الكثير من الأحداث المؤسفة، وجرائم الفوضى التي طالما نسبت لمجهولون ومقنعون، يقف ورائها أشخاص ملثمون، كان أخرها خسارة إثنين من أبرز النشاطين من مدينة “كفرنبل”، وقبلهم العشرات الذين ضاعت دمائهم خلف أقنعة الموت دون معرفة الجاني ومحاسبته، ورغم ذلك لم تتخلى هيئة تحرير الشام عن سياسة تقنيع عناصرها، في عناد وتجبر لمطالب الأهالي، الذين ضاقوا ذرعا بهم.

من لم يمت بنيران الأسد أو في سجونه مات غدراً على يد منفلتون يرهبون الناس بلثام وسلاح، ولم تجد نداءات وصرخات الأهالي وحملات الناشطين المتواضعة المتكررة في منع اللثام آذنا صاغية حتى الآن.

التمسك باللثام كجزء من سياسة هيئة تحرير الشام وهي المسيطرة الأكبر على كل المحرر في الشمال، يكشف هدف هذا التنظيم وبعده عن أهداف الثورة، كما يكشف استهتاره بمشاعر الأهالي وامعانه في سلوكيات القمع والترهيب بعدما مج الناس زيف ادعاءاتهم وكذب نصرتهم.

ربما كان اللثام في وقت ما ضرورة لمن عمل في مناطق سيطرة النظام، وكان شرفا لمن يرتديه، لكنه تحول اليوم إلى أداة جريمة ودليلا على فساد سريرة الملثم ونيته في إفشاء الجريمة بالآمنين لا سيما مع زوال مبرراته “فالنار التي تدفئك في وقت ما قد تحرقك في أخر”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*