“قولوا لإخوتي يديروا بالهن على أولادي”.. الشهيد خالد عز الدين نجم

“هاد مو أبو عمار، هاد نحيف كتير، أبو عمار كان سمين، يا الله شو عاملين فيه”، كانت تلك الكلمات التي ظل يرددها صديق الشهيد “خالد نجم” على مدى الأيام الثلاثة التي بقيت فيها جثة الشهيد ملقاةً في أرض الزنزانة وسط المعتقلين، بانتظار أن يكتمل عدد جثث الشهداء، وتصبح عشر جثث لإخراجها من المعتقل.

الشهيد “خالد عز الدين نجم”، الملقب “أبو عمار”، من مواليد 5 كانون الثاني 1976، متزوج وله خمسة أطفال، ولد واحد وأربع بنات، كانت وصيته الوحيدة قبل استشهاده العناية بأولاده، الذين من أجلهم كان يعمل طوال الوقت في أرضه الزراعية، وينقل منتجات تلك الأرض ومحاصيلها بسيارته إلى الأسواق، لتأمين حياةٍ كريمة لهم.

الاعتقال والاستشهاد

في 17 أيلول عام 2012، كان “أبو عمار” في طريقه إلى دمشق لبيع ما جناه من أرضه الزراعية في السوق، وعند وصوله إلى حاجز “حسيا” بمحافظة حمص، اعتقل وحجزت سيارته بما فيها، طلب إلى الحاجز السماح له بإجراء مكالمة هاتفية، وبالفعل اتصل بعائلة زوجته الذين يقيمون في حمص.

توجه بعض أفراد عائلة الزوجة إلى حسيا مباشرةً، لكنهم لم يجدوا صهرهم “خالد”، كانت سيارته ما تزال موجودةً عند الحاجز، فأبلغهم عناصر الحاجز بأن السيارة حُجزت بغرض التعبئة للجيش، في حين نقل خالد إلى فرع الأمن العسكري في حمص، عندها قام أهل الزوجة على الفور بتوكيل محامٍ للدفاع عنه، والاستعانة بمسؤولين في الجيش، تمكنوا عن طريقهم من التأكد بوجوده في الفرع، والاطلاع على ملفه بعد ثلاثة أيامٍ من اعتقاله، ولكن المفاجأة كانت بأن “خالد” متهم بتمويل الإرهاب، وليس هذا فحسب وإنما بتوقيع خالد على التهمة واعترافه بالإكراه عليها. 

حاولت عائلة خالد وعائلة زوجته بكل الوسائل منع نقله من حمص إلى دمشق أو غيرها، ودفعوا مبالغ مالية كبيرة، ولكن دون فائدة، فبعد أربعين يوماً من اعتقاله في حمص نقل إلى دمشق، وعلمت عائلته عبر أحد المعتقلين بأنه في دمشق، وأنه بقي في سجن دمشق أربعين يوماً أيضاً، ليستشهد في أوائل كانون الأول من العام نفسه، أي بعد ثمانين يوماً من اعتقاله دون أن تعلم عائلته بذلك.

لم يطُل الأمر كثيراً، إذ بعد مرور ثلاثة أشهر ونصف على اعتقاله، وفي الرابع من كانون الثاني عام 2013 بالتحديد، خرج معتقل من أبناء مدينة خان شيخون، وأبلغهم باستشهاد خالد من شدة التعذيب الذي تعرض له.

تقول زوجة الشهيد “خالد عز الدين نجم”: ودموعها تسبق كلماتها، “بعد استشهاد خالد وصل إلى السجن ذاته صديقه وابن مدينته خان شيخون، وعندما علم زملاؤه بأنه من المدينة نفسها أخبروه باستشهاد معتقل من أبنائها، وقالوا له اسمه ووصيته، فهرع صديقه ليتأكد من الخبر، وكانت صدمته حين رآه بذلك الشكل الذي كان عليه”، وأضافت الزوجة وصوتها يزداد اختناقاً:

“انهار صديق زوجي أمام المعتقلين، وبدأ يردد: هاد مو أبو عمار، هاد مو أبو عمار، هاد نحيف كتير، أبو عمار كان سمين، يا الله شو عاملين فيه يا الله”، ثم توقفت عن الكلام لفترة قبل أن تتابع:

“كان خالد مصاباً بمرض السكري، وخلّف التعذيب والضرب الشديد الذي تعرض له جروحاً في جسده، ما لبثت أن التهبت وتحولت إلى دمامل وظهر فيها الدود، نتيجة لوضع المعتقلات وعدم معالجته أو نقله إلى المستشفى، فأصيب بحمى شديدة جداً، دخل على إثرها بغيبوبة لمدة ثلاثة أيام، كان يستيقظ فيها لبضع دقائق يردد خلالها وصيته أمام زملائه: “قولوا لإخواتي يديروا بالهن على أولادي”، ثم يفقد وعيه مجدداً”.

استشهد خالد بعد ثلاثة أيام من إصابته بالغيبوبة، وبقيت جثته في الزنزانة ثلاثة أيامٍ أخرى، إذ كانوا يجمعون جثث الشهداء حتى يصل عددها عشرة ثم يخرجونهم، وظل صديقه طوال الأيام الثلاثة ينظر إليه غير مصدقٍ ما يراه، هل يعقل أنه تبدل بهذا الشكل وفقد حياته خلال ثمانين يوماً؟، وفقاً لما نقلته زوجة الشهيد “خالد نجم” عن صديقه المعتقل السابق.

“كان مثالاً للأب الحنون المتفهم لأولاده، وكان خبر استشهاده صعباً جداً علينا، وتعرضت ابنتي الصغيرة على إثر الصدمة لأزمةٍ نفسيةٍ، مازالت تخضع للعلاج منها حتى الآن، في حين ما يزال إخوتها الأربعة يشعرون بالنقص، ودائماً هناك غصة عندهم، ولاسيما عندما يجتمعون مع العائلة، لقد ساندتنا عائلتي وعائلة زوجي، وعملوا بوصيته، ولكن بالرغم من ذلك أولادي يفتقدون له ويحتاجون لوجوده، ولا أملك سوى أن أقول لهم:

إن الله أحبه واختاره شهيداً إلى جواره، وإننا سنجتمع معه في الجنة، وأنا أذكره دوماً أمامهم في البيت وفي دعواتي، فقد كان خير زوجٍ لي، وخير أبٍ لأبنائه”، بهذه الكلمات ختمت زوجة الشهيد “خالد عز الدين نجم” حديثها، لتنفرد بنفسها مع ذكرى زوجها وصوره التي تملأ المنزل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*