البعبع

زيتون – سحر الأحمد
عندما دخل البيت، قبيل آذان المغرب بقليل، فتحتُ له الباب، وبدون سلام أو كلام، صاح بأعلى صوته أين بيجامتي؟ 
أخي وليد شاب وسيم، أنهى دراسته الجامعية قسم الاقتصاد، وقد قرر فور انتهائه من الخدمة الإلزامية بالجيش أن يدخل سوق العمل من أوسع أبوابه، ذهبت مسرعة، وقد تملكني الإرباك، لإحضار ما طلب مني، ولم تمضِ إلا ثواني، حتى وجدتني أطير في الهواء، بعد أن أمسكني وليد ورفعني بقامته الممشوقة؛ وترك جسدي النحيل يرتطم بالأرض. وأنا أتلقى الصفعات على وجهي وجسدي؛ أصبح عقلي مثل ساعة حيط فَقدت الذاكرة، وتضارب مؤشر دقائقها مع مؤشر ساعاتها؛ فباتوا جميعا يعلنون الحضور بنفس الوقت، كان هاجسي الوحيد معرفة الذنب الذي اقترفته، لأنال هذه الوجبة الدسمة من الضرب قبل الفطور بدقائق؟! في هذه المعركة الغير متكافئة، يُفترض أني المُخطئة دائماً؛ لأن قائمة الممنوعات في أسرتنا تطول، احتمال أني أجرمت، وتعثرت بإحداها دون أن أدري، رغم أني صغيرة ولم أتعدَ العاشرة من عمري، كان عليَّ أن أنفذ طلبات أخوتي الذكور دون اعتراض وبكامل الرضى؛ لأنه يحق للصبي ما لا يحق للبنت، وهذا الأهم بعُرفنا، فلا يُسمح للبنت رفع صوتها فوق صوت أخاها الكبير، لا تراجعه بأي قول، أو تصرف يقوم به؛ ولا يحق لها الدفاع عن نفسها، وإن حصل!؟ ستتضاعف عقوبتها. 

فيما كان الضرب مستمراً على جسدي مع كم كبير من الشتائم، حاولت أن أتجاهل الألم وأركز على السبب الذي يؤدي إلى وجعي هذا اليوم. فأنا مازلت أكمل صيامي، في هذا الحر الشديد، ولبيّت كل طلبات أمي، بجلب ما نقص من مواد لزمت لطعام هذا اليوم، أخي دخل البيت الأن، ولم يتسنَ لأحد أن يشكوني له حتى يبادرني بهذا العنف.

كانت أمي بالمطبخ، بأقصى حالات الانهماك؛ لأنها تضع اللمسات الأخيرة، قبيل الإفطار مع كثير من الحب لنا؛ على ابداعات مأكولاتنا الشرقية، هي امرأة مفرطة بكل شيء، ظالمة الجمال، قوية البنية، صاحبة قرار، عطاؤها لنا بلا حدود، جميعنا نحبها خارج حدود المنطق، وتحديدًا أنا، فهي مركز حياتنا، عندما تخرج من البيت، نغلق الباب، ويبقى البيت في الخارج. إلا أن إفراطها بالتمسك على ما تربت عليه؛ وإيمانها بمقولة “الرجال قوامون على النساء”، جعلها تتنازل عن حقها، بإصدار القرارات في البيت، وأهدت هذه المهمة لوليد، الذي بدوره جعل حياتي وحياة أخواتي جحيماً حقيقياً.
في إحدى الأيام، سمعت أختي تهمس بأذن أختي الأخرى، وهي تشير إلى العقد الذهبي، الذي تزين به رقبتها، أن حبيبها أهداها إياه؛ بعيد ميلادها، ووعدها بطلب يدها من أهلي فور استلامه وظيفته الجديدة، وهي بدورها وعدته ألا تنزعه من رقبتها، حتى الممات، قالت لها أختي الوسطى برعب ودهشة: “ويلك إن عرف أخوك بأمر العقد، حتى لو كنتي ذاهبة إلى لحدك! سيكون موتك موتين وربما أكثر!”.

توفي والدي منذ سنين، وترك في البيت أم بسيطة، لا تقرأ ولا تكتب؛ وليد الولد الأكبر بيننا، تليه أخواتي الاثنتين، وأخي صلاح، وأخيرا أنا، وبعد أن غيّب الموت ربُ أسرتنا، كان لا بد من بديل يملأ فراغ غياب والدنا؛ ويساعد أمي في تربيتنا، فكان وليد، الذي أصبح الآمر والناهي، بشؤون حياتنا، والذي راق له هذا المنصب، فأصبح “بعبع البيت”. 

قُدِّرَ لأسرتنا، أن تنتمي لشعب يعيش شرق البحر الأبيض المتوسط؛ وإحدى عاداته المهترئة، أن يكون لكل أنثى ولي أمر، وإن كانت لا تنطبق عليه مواصفات ولي الأمر، ولكل عائلة ذكر يرأسها، ليحافظ على ضبط تصرفاتها، وخصوصا البنات، حتى لو كانت إحداهن تكبره بالعمر؛ وعندها من الوعي والعلم، ما يخولها لرئاسة دولة. 

في هذه البلاد، معظم الأمهات، تقلّد أكبر أولادها، هذا الوسام فيكبر الوحش داخله؛ ويخرج على هيئة مسؤول بعد مرور أشهر فقط من توليه هذه السلطة، فتتحول حياة الأسرة لساحة معارك، تود الأم فيما بعد لو أنها تستعيد مملكتها من جديد؛ لأن المشاكل والتعسف، تكثر بلا رحمة، بينما هي تتحول لامرأة، بكَّاءة تعيسة؛ بسبب ما آلت إليه مصائر بناتها من الظلم الذي يلحق بهن، بسبب هذا الكائن، ولا تنفك تلعن قدرها، من “البعبع” الذي صنعته، لكن هيهات، “فقد سبق السيف العذل”!.

كانت المآذن تصدح، بحلول وقت المغرب؛ في حين صوت أمي يكاد يكون أعلى منها، وهي تصرخ، وتكيل لوليد، دعوات موجعة؛ بينما تحاول أن تخلصني من بين يديه، وهو يصيح كثور هائج؛ لقد تأخرت ابنتك بإحضار البيجامة، تمنيت بقرارة نفسي لحظتها، بأن كل دعواتها تخترق جسد وروح من هو بحكم الرَحم “أخي”؛ وحوّله مجتمعنا الشرقي، بمباركة من أمي ودون وعي إلى (البعبع)؛ الذي أكرهه إلى يومنا هذا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*