ما بين جرجناز وحلب.. حاجز للنظام يخطف حياة “قتيبة محمد الدغيم”

بدا يوماً عادياً صباح الثاني عشر من آذار عام 2012، حين تناول “قتيبة محمد دغيم” ابن مدينة جرجناز في ريف إدلب الجنوبي فطوره، ومر ليطمئن على حال والده المتعب قبل توجهه إلى مدينة حلب حيث يعمل في صحيفة الجماهير.

ونظراً للحالة التي تمر بها البلاد نصح الوالد ابنه بعدم الذهاب إلى العمل في ذلك اليوم، لأن قلقاً غير مبرر قد تملك قلبه، ورغم حرص قتيبة على رضى والده إلا أن وضعهم المعيشي لا يسمح له بالاستهتار بالعمل أو الغياب عنه، لا سيما أن كلاً من عائلة قتيبة المكونة من زوجته وأربعة أطفال أكبرهم لم يتجاوز العاشرة وعائلة أهله، كانتا تعتمدان على مرتب الابن لتعيش به بعد تعب الأب.

قتيبة ذو الثلاثين عاماً درس الاقتصاد في جامعة حلب، قبل أن يرسل في منحة لدراسة هندسة المعلوماتية في اليمن، ثم ليعود إلى سورية، ويعمل في صحيفة الجماهير، تساعده زوجته التي تعمل في التعليم لبناء أسرتهما، الأسرة التي  تدمرت بعد رحلته الصباحية تلك والتي كانت أولى خطواته في مسلسل الموت تحت التعذيب.

حاجز قوات النظام كان بانتظار السيارات القادمة إلى حلب ليختار من ركابها المطلوبين وسكان المدن المغضوب عليها المنتشرة في الريف الادلبي، ليرسلهم إلى زنازين الموت، أنزل قتيبة على ذلك الحاجز، واقتيد إلى فرع الأمن العسكري في مدينة حلب.

أخبر أحد السجناء الذين أفرج عنهم فيما بعد أهل قتيبة أنهما بقيا في فرع الأمن العسكري حتى بداية العام 2014، لينقلا إلى سجن صيدنايا، هناك بقي قتيبة ونقل الآخر إلى سجن حماه المركزي.

في سجن حماه تمكن أهل السجين وهم من قرية “الرفة” في ريف جرجناز من زيارته، وقد أوصاهم بإبلاغ أهل قتيبة بأنه قد توفي في زنزانته، وظل إلى جانب جثته ليلة كاملة قبل أن يأخذه السجانون.

أطلق سراح السجين فيما بعد، وحين التقى بأهل قتيبة تراجع عن روايته في موت قتيبة، وأكد أن قتيبة لم يكن متوفى حين أخذه من السجن، لكنه كان على وشك الموت من كثرة التعذيب، ولم يره بعدها أبدا، هذا ما أوقع أهل قتيبة في حيرة من أمرهم وعدم اليقين لا من موت ابنهم ولا من حياته.

تزوجت زوجة قتيبة من أخيه الذي قضت زوجته جراء القصف الجوي على منزلهما، وتعيش اليوم مع أبنائها في تركيا.

أكدت اللوائح التي أصدرها النظام مؤخرا بأسماء الشهداء الذين قضوا تحت التعذيب، استشهاد قتيبة إذ ورد اسمه وتاريخ وفاته في 2015/11/22.

ربما لم يكن ذنب قتيبة ذي الوجه الأبيض والشعر الأشقر سوى أنه من بلدة ثائرة، ولربما كما قال والده أن وشاية صغيرة من أحد عملاء النظام أودت بحياته بهذا الشكل القاسي، لكن من المؤكد أن خيال أطفاله ظل مرسوماً على زجاج عينيه طويلاً قبل أن يغلقهما الظلم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*