من مقاعد الجامعة إلى جثة في الظلام.. الشهيد أحمد ياسر هلال

لم تستطع أم أحمد الجلوس معنا أو مراجعة ذكرياتها عن ابنها، محاولةً الهروب من فتح جرح لم ولن يندمل، بينما كان أبو أحمد يقاوم بكبرياء دموعاً لا تقوى على الانهمار، وفي الوقت ذاته ترفض البقاء داخل عينيه، فكانت الغصة في صوته تتغلب على محاولاته، مترافقةً مع قطرات من العرق تغطي جبينه مع كل كلمة أو ذكرى يسترجعها عن ابنه الشهيد.

“أحمد ياسر هلال” مواليد سراقب عام 1990، كان طالباً في السنة الثالثة بكلية الكيمياء بجامعة حلب، وطالباً في كلية الطب بجامعة بيروت، عندما تم اعتقاله.

ورغم أن أحمد كان الولد الثالث للعائلة، إلا أن والده يجهل حتى هذه اللحظة سر تعلقه به منذ ولادته أكثر من إخوته جميعاً، فقد كان الطفل المدلل ومن ثم الشاب المدلل الذي لا يُرفض له طلب.

تم اعتقال أحمد في تشرين الثاني عام 2011، حيث كان متوجهاً بدراجته النارية عن طريق الخطأ على أتوستراد حلب – دمشق، حين صادفه حاجز للنظام بجوار معمل الزيت الذي كان قد حوله النظام إلى ثكنة عسكرية، يديرها شبيح مجرم يدعى محمد ياسين البكور ويكنى بـ “الشابوري”، المسؤول عن الكثير من الجرائم التي تمت في حاجز معمل الزيت جنوب مدينة سراقب بريف إدلب الشرقي لأكثر من عامين إبان انطلاق الثورة الثورة السورية.

قام عناصر الحاجز بإطلاق الرصاص على أحمد، فأصيب أحمد في قدمه وتم إدخاله إلى معمل الزيت، ليتم بعدها إرساله إلى أحد فروع الأمن في مدينة إدلب، وليحول فيما بعد إلى فرع 215 بدمشق، حيث استشهد هناك.

وبينما كانت مدينته سراقب تحت مرمى   نيران جيش النظام، وكانت عائلته نازحة إلى خارج المدينة، باستثناء والده الذي بقي في منزله رافضاً الخروج، دون أن يعلم أن بقاءه سيحمل له نبأً لا يودّ سماعه.

قبل دخول الجيش لمدينة سراقب بأيام قليلة وبعد مرور ستة أشهر على اعتقاله، لم يألُ خلالها أبو أحمد جهداً في سبيل إطلاق سراح ابنه، باءت جميع جهوده بالفشل، تلقى اتصالاً هاتفياً في آذار عام 2012 من فرع أمن إدلب، أبلغوه فيه باستشهاد أحمد، وطلبوا إليه التوجه إلى دمشق لاستلام جثة ابنه وأغراضه الشخصية.

بصوتٍ خافت تخنقه العبرة يصف والد أحمد تلك اللحظة: “كانت أقسى لحظة في حياتي، كنت في المنزل وحدي، كانت سراقب خاليةً تقريباً من النساء والأطفال، ومن ضمن النازحين عائلتي، وذلك بسبب علمنا بنية النظام لاقتحام سراقب، لم يكن في الحي سوى الرجال، وبعد انتهاء المكالمة مع الفرع”، صمت الأب وأطرق رأسه بالأرض مخفياً دموعه التي عجز عن سجنها.

ثم تابع وقد شحب وجهه مردفاً بصوت متقطع: “شعرت بانعدام الهواء، وبأن المنزل وقع على صدري، خرجت منه دون وجهة، وعلى غير هدىً صادفت إخوتي وأولادهم وبعضاً من رجال الحي في الشارع، فقلت لهم: لقد استشهد أحمد في السجن ويجب أن نذهب لاستلام جثته، لم يتفوه أحد منهم بأية كلمة”، وكذلك أبو أحمد الذي عاد للصمت مجدداً لالتقاط أنفاسه واستجماع قواه لمتابعة الحديث.

تدخلت زوجة أبي أحمد الثانية: “كنت مع بناتي في قرية ليست ببعيدة عن سراقب، كنت أشعر بالغصة والخوف دون أن أعرف سببهما، وكل ظنّي أن دخول الجيش إلى سراقب، وخوفي من اعتقال زوجي كابنه أحمد، هي أسباب شعوري ذاك، إلا أن وقتاً قصيراً مضى على حالتي تلك، ليصل إلينا نبأ استشهاد أحمد ابن زوجي، ويحمل لي التفسير الحقيقي لغصتي وخوفي”، مضيفةً: “كان خبراً لا يحتمل، فأحمد شاب حنون مجدّ ومثابر، كان يحلم بمستقبل مميز، وبسبب تميزه كان ينتقل في دراسته بين جامعة حلب وجامعة لبنان، حيث كان يدرس الطب إلى جانب دراسته الكيمياء، كما كان مغرماً بكرة القدم، ويلعب ضمن إحدى الفرق الرياضية في سراقب، كان يحب الحياة ويحلم بتحقيق الكثير فيها”.

صمتت قليلاً قبل أن تتابع وقد بدا الاضطراب والتوتر واضحاً على وجهها وحركات جسدها: “تألمت كثيراً وبتُّ أحاول تخيّل حالة أم أحمد في هذه اللحظات، إذ لم تكن معنا في القرية ذاتها، وبدأت دعواتها لابنها أحمد طيلة الأشهر الماضية بأن يخلصه الله من بين أيدي هؤلاء الوحوش والمجرمين بأي طريقةٍ، حتى ولو كان خلاصه بالموت، تتردد على مسامعي وفي ذهني، فقد كنا نسمع الكثير عن وحشية سجاني النظام في تعذيبهم للمعتقلين، وكانت أم أحمد تدعو له بالراحة من عذابهم”. 

توجه بعض الأقارب إلى دمشق، واستلموا جثة أحمد وحاجياته، وحينما عادوا به إلى مسقط رأسه شيعته المدينة بمظاهرة حاشدة، شارك بها كل أبناء سراقب، ليس للوحشية الفجة التي قتله بها النظام، ولا لكونه طالباً ناجحاً في جامعته، بل لموقعه في قلب كل من عرفه، لا سيما بعد مشاركته بالثورة ومظاهراتها وازدياد عدد أصدقائه.

أحب الثورة وآمن بها، ورأى أن إسقاط النظام هو الشرط الأول لبناء سورية الوطن، كان ككل السوريين الذين يدركون وحشية النظام المجرم والذي ثُبت حجم إجرامه بتعذيبه حتى الموت، فقد روى أحد الناجين من سجون النظام أن أحمد كان يتعرض لتعذيب شديد وبكل الطرق، فقد تعمد السجانون ضربه على قدمه المصابة، ولم يتم تقديم أي علاج له طيلة فترة اعتقاله، الذي استمر ستة أشهر.

يستطرد الوالد قائلاً: “كانت أيام انتظار وصول جثته صعبة على والدته، التي كانت صابرة وراضية بقضاء الله، رغم استمرار حزنها ومعاناتها حتى الآن، فهي ما تزال تذكر تعذيبه في كل مناسبة، كما تذكر كيف كان يحيا أمامها، وما زلت أتأمل صورته المعلقة على حائط غرفتي أحياناً، وأحياناً أخرى لا أقوى على النظر إليها”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*