قبل شروق الشمس

زيتون – عدنان صايغ 
تقول القصة إن فتاة فرنسية إلتقت بشاب أمريكي على متن قطار كان متجهاً إلى فيينا، وكانت قد غيرت مقعدها بعد أن ضايقها جدل زوجين روسيين ظلا يتشاجران بجانبها، بعد تعارف بسيط دعاها إلى كافيتريا القطار، ولأنها قضت صيفا في إحدى مدارس لوس أنجلس ومدة في لندن فإنها كانت تتقن الإنكليزية بطلاقة، في حين لم تنفعه السنوات الأربع التي درس فيها اللغة الفرنسية وزياراته السابقة لباريس في إجادة اللغة الفرنسية.


شابان وسيمان خفيفان على القلب، كانت الحياة أمامهما، يتلمسان بشغف وفضول تجارب الحياة، يستطلعان مشاعرهما بصدق دون إكراه، روت له على طاولة الطعام كيف كانا والداها يفكران في مستقبلها، فحين كانت تقول بأنها ترغب بأن تكون أديبة كانا يقولان لها تقصدين صحيفة، وإن قالت إنها ترغب بأن يكون لديها مأوى للقطط كانا يقولان طبيبة بيطرية، هكذا كانت تشتكي من تحويل تطلعاتها وأحلامها إلى مهن تدر كسباً مادياً.
حكى لها عن طفولته حين أخبرته والدته بوفاة جدته، وكيف علمته أخته على سقاية الحديقة، نصحته بأن يوجه الماء باتجاه الشمس حتى يتجلى له قوس قزح، لكنه حين ضغط على خرطوم الماء ظهر له وجه جدته مبتسماً، كان واثقا مما رآه، لكنه حين أخبر والداه نهراه وأخبراه أنه لا يمكنه رؤية الأشخاص حين يموتون.
كانت تخاف الموت وتفكر فيه طيلة الأربع والعشرين ساعة، ولهذا فهي تفضل ركوب القطار على الطائرة، إذ كان بإمكانها أن تستقل الطائرة من بروكسل إلى باريس، ورغم معرفتها بكل المعلومات عن أن إثبات الاحصائيات لسلامة النقل الجوي وما إلى أخره من كلام فارغ، إلا أنها كانت دائما تفكر بتلك اللحظات التي تعقب سقوط الطائرة بين الغيوم والرعب من لحظات الاحتضار، كانت تفكيرها الدائم بتلك اللحظات يضنيها.
لدى وصولهما إلى فيينا كان عليه أن يودعها ويغادر القطار، لكنه عاد إليها بشكل مفاجئ بفكرة مجنونة: “لدي فكرة أود أن أطرحها عليك حتى لا تلاحقني لبقية حياتي، ما رأيك أن تغادري القطار معي ونقضي ليلتنا متجولين في المدينة، ستقلع طائرتي غدا صباحا إلى استراليا وليس معي ما يكفي من النقود لغرفة فندق، ولذا سأبقى أتجول طوال الليل في شوارع المدينة”
حين ترددت قال لها: “فكري بأنك متزوجة بعد عشر سنوات وحين ستتشاجرين مع زوجك ستفكرين بكل الشبان الذين مروا في حياتك وسأكون واحدا منهم، وربما ستندمين على اختيارك، ولذا فإن غادرت معي الليلة ستقدمين لنفسك ولزوجك معروفا، لا سيما إن كنت مريضا ومملا فستعرفين في ذلك الوقت أن اختيارك لزوجك كان صائبا”.
بعد مغادرتهما للقطار تبادلا اسميهما، كان يدعى جيس وكان اسمها سيلين، ومن خلال لعبة السؤال والجواب راحا يستكشفا جوانب شخصيتهما، تحدثا عن الرغبة والحب، ولم يوفرا فرصة للتأمل ببعضهما حين يستدير كل منهما، وفي تجوالهما اعترفت له بحبها للمغامرة والتمرد، فقد ولدت من أبوين متحررين وثائرين، تمكنا من تحدي الحكومة والمحيط الديني المتزمت، ونجح والدها في أن يكون مهندسا غنياً وهو ما حرمها من نعمة الاحتجاج لقناعتها بأن التمرد والاحتجاج هو حالة صحية.
من جانبه كان يحب أن يعيش يومه على أنه اليوم الأخير في حياته، وكأن حياته هي من صنعه، ذلك لأن والدته كانت قد أخبرته في إحدى شجاراتها العنيفة مع والده أن والده لم يكن يرغب بقدومه، وهو ما ترك في نفسه إثراً، لم يكن والداه متحابان كما لم يكونا ناجحين، اتفقا على البقاء معا من أجله فقط وحين كبر انفصلا.


تحدثت له عن حزنها حين أخبرتها جدتها أنها قضت حياتها مع جدها دون أن تحبه، مقتنعة بقدرها، وظلت طيلة السنوات تحلم بشاب أخر، أكد لها جيس أن ذلك كان أفضل لجدتها فلو أنها تزوجت من ذلك الشاب لكانت بحثت في ذاكرتها عن غيره حين ستتشاجر معه، إن استمرار السعادة في الزواج هو مجرد كذب محض، ولن يصمد الحب طويلا أمام روتين الحياة المعادة، ولن يبقى هناك من حديث يمكن أن يناقش، ستسيطر الفروقات الصغيرة والعادات المكروهة من الطرفين، سيطلق كلا الزوجين صفات أبدية على الشريك كيقين مطلق، وربما سيتحولان إلى ألد عدويين، بقاؤهما معا سيبقى لعنة أبدية تطاردهما.
ذابا معا في تلك الليلة وهما يتحدثان عن القدر والفن عن الحب والحياة، كانت ساعات مملوءة بالفرح والسعادة وكل منهما كان يريد أن يناقش كل قضاياه دفعة واحدة مع الآخر، كانا يتسابقان مع الساعات قبل أن تنقضي ويحل الفراق الذي كان يحكم لقائهما القصير.
في الكنيسة كانت تحكي عن دهشتها من عظمة المكان الذي يؤمه الناس ليبوحوا بأخطائهم وآلامهم، على مر السنين كانوا يجمعون فيه الألم والسعادة، كان لديها شعوراً بأنها امرأة عجوز وأن حياتها هي مجرد ذكريات لتلك العجوز، بينما لم يكن شعوره يتعدى ابن الثالثة عشر، وأن حياته هي مجرد تمثيل على أنه ناضج، بعبارة أخرى كان يؤدي دور البالغين.
تذكر في الكنيسة تلك الحادثة التي جرت حين كان مع صديقه، فقد توقفا بسيارتهما بجانب متسول، صديقه الملحد أخرج ورقة من فئة المئة دولار ومد رأسه من نافذة السيارة سائلا المتسول “هل تؤمن بالله” أجاب المتسول وهو ينظر إلى وجه صديقه وورقة المئة دولار “نعم بالطبع” عندها سحب صديقه الورقة قائلا “إجابة خاطئة” لتنطلق السيارة.
حين نحب فإننا نضع الخطط والاستراتيجيات لمعرفة الأخر، ما هي نقاط ضعفه ما يحب وما يكره، ما يغريه وما يؤلمه، يمكن أن نصل إلى حصاره، كي لا يجد مفرا منا، نخشى الرفض، ونخشى أن ننزوي في النسيان، نسعى دوما لكي نكون محط اهتمام الناس، نسياننا يعني موتنا، لذا قد نصبح جلادين بلا رحمة، أنانيين حاقدين وقتلة، لكن دائما هناك أناس بسطاء وطيبون لا يسعون إلى الشهرة والمجد، أناس لا يسعون إلى احتلال الذاكرة ولا يهمهم أن يكونوا محور العالم وقادته، رغم أنهم هم من يستأهلون قيادة العالم لأنهم الأقدر على تقديم المساعدة للأخرين.
مضحك كيف يقول الناس عن الحب أنه عطاء مجرد من الأنانية، لكنهم لو فكروا قليلا لما وجدوا أنانية أكثر من الحب بحد ذاته.
رجل متقدم في السن قال لسيلين ذات مرة أنه قد هدر حياته كلها في عمله ولم يمنح شيئا منها لأحد، لم تكن حياته لأحد أو لشيء، كان على حافة البكاء وهو يروي لها ذلك، من المؤلم أن تمضي ولا تترك خلفك شيئا، ما ندعه خلفنا هو استمرار بقائنا، هو المقاتل الذي نستودعه أمانة ألا ننسى بعد الموت.
في حديثهما عن الجنس ورغبة الرجل في معاشرة أكبر قدر من النساء يقول جيس: “تخيلي جزيرة عليها 99 امرأة ورجل واحد، بعد عام يمكن أن يكون لدينا 99 طفل، بينما لو كان على تلك الجزيرة 99 رجلا وامرأة واحدة فلن يكون هناك سوى طفل واحد”، لكن سيلين ترى أن على الجزيرة ذات الأغلبية الذكورية لن يبقى هناك سوى 34 رجلا لأنهم سيتقاتلون على تلك المرأة المسكينة، كان ذلك محاولة لإثبات أهلية الرجل أمام إمكانية المرأة.
متسول يكتب شعرا، اعطاهما قصيدة قال إن لم تضيف شيئا إلى حياتهما فليسا ملزمين بالدفع له، كما احتالا على بائع حانة بقصة مزيفة ليحصلا على زجاجة نبيذ، شرباها وهما مستلقين على عشب الحديقة حيث عاشا رغبتهما.
لو كان هناك إله فلن يسكن في داخلك أو داخلي، سيسكن في تلك المسافة التي بيننا، وإن كان هناك سحر سيكون في محاولة فهم أو مشاركة شخص ما، فلا سعادة دون شريك.
رقصا معا وجلسا في ساحات المدينة فجر ذلك اليوم، قرأ لها الشعر، وباحت له بأحلامها، أخذ صورة لها في مخيلته كي لا ينساها، وحين وصلا إلى محطة القطار ارتبكا، لم يكونا قد اتفقا على لقاء، فراحا يطرحان المواعيد بشكل فوضوي، لكن في النهاية اتفقا على أن يلتقيا بعد ستة أشهر في تلك المحطة.
ما أن جلسا كل في مقعده حتى علت وجهيهما ابتسامة وشرود، ثم غطا في نوم عميق بعد ليلة لن ينسوها.

من فيلم قبل شروق الشمس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*