ذات الرداء الأسود

زيتون – سحر الأحمد
هذا الصباح شتوي بامتياز، بل هذه البلاد هي الباردة بامتياز، درجة الحرارة في هذا الوقت من السنة، لا تتعدى الدرجتين.
المطر منذ عمق الليل مازال ينهمر بغزارة، الناس هنا في هذا الفصل من السنة، قبل أن يقرروا الخروج، يتحصنون بالملابس، إنهم يرتدون كل مالديهم من ثياب حتى يتحايلوا على الصقيع، فيصبحون كالأصنام المتحركة.
بغير تأنٍ، أسرعتُ لأدرك الحافلة التي أراها تقترب من المحطةِ بسرعةٍ تفوق خطواتي بأمتار، إلا أنني لم أستطع إدراكها، بدأت تبتعد وهي تضحك وتقول لي: ستظلين وحيدة مع المطر تنتظرين الحافلة التالية، عقوبة على تأخرك علي.
الحقيقة أنني لم أكن آسفةً على عدم إدراكي لهذه الحافلة وبهذا الوقت بالذات،
جُزءٌ مني لا يريدُ أن أتقابل مع المرأة صاحبة الكيس الأسود كما أسميتها أنا، والتي تقاسمني صباحي في هذا الوقت بالذات.
عندما أصعد الحافلة من محطتي صباحا كل يومٍ أجدها، وبغير رِضىً مني أبحث عنها، تعودت أن أول من يقع نظري عليه من الركاب تلك المرأة. 
صرت على موعد ثابت معها، دون جهد أجدها، تبدو كشبح هرب من الزمان، وسنواتها التي لم تتجاوز الأربعين قد خانتها مع الحياة.
تأخذ مكانها في منتصف الحافلة واقفة رغم وجود مقاعد خالية من سكانها،
منتصبة، شامخة، هادئة، عيناها تجوب الوجوه كعيني نسرٍ حذرٍ يكاد ينقض على فريسته.
ترتدي دائما ذلك الثوب الرقيق الملون المهترىء، الذي يكشف ما يكشف من جسدها الأبيض، غير مبالية بفصول السنةِ وتقلباتها.
أبادلها النظرة العميقة، كأنها تحية صباحنا، وبدافع الفضول تبدأ داخلي ثورة من الأسئلة حول هذه المرأة.
هل هي بكامل وعيها؟، هل يهجرها عقلها أحيانا، وأحيانا أخرى يعود فيلبس رأسها؟، إلي أين تذهب هذه المسنة الأربعينية، متلحفة فستانها الأزلي وكيسها الوسخ كل صباح؟..
أسئلةٌ متبدلة تدور داخلي، تعبث بمزاجي وتحوله إلى مزاج ضبابي متجهم، حتى أبلغ وجهتي.
وَصلَتْ الحافلة، دخلتها بابتسامة واضحةٍ على محياي، فأنا لن أتقابل اليوم مع من تبعثر مزاجي، “امرأة الكيس الأسود”، لم تحاول عيناي كما جرت العادة، أن تبحث عنها، هي لا تتأخر، وذهبت بكل تأكيد في الحافلة التي فاتتني منذ قليل.
قبل أن أجلس على المقعد في منتصف الحافلة، لمحتٰ ابتسامةَ فرحٍ على وجهٍ أعرفهُ تماماً، كأنها تقول صباح الخير، كأنها عثرت على ضالتها بعد طول انتظار.
إنها هي ذاتُ الكيس الأسود!، هل تضامن القدر معها باللقاء الصباحي وخذلني؟، قلت في نفسي.
بادلتها الابتسام بعد أن قررت أن تكون عملي لهذا اليوم، علني أجد أجوبة لأسئلتي عنها، فأرضي فضولي.
ازدحمت الحافلة بالركاب، كنت أتابعها بنظري لألحق بها عندما تنزل، ولكن 
هي لحظات ولم أعد أراها، فدسست نفسي بين الزحام أبحث عنها ولم أجدها.
انزعجت من فكرة أني أضعت يومي، لم ألتحق بعملي، ولم أفلح بتعقب المرأة وفك لغزها.
في المحطة التالية توقفت، مشيت على غيرِ هُدىً مني، قاصدةً أول مقهى يصادفني، المقاهي في هذه البلاد كثيرة، تنتشر في كل مكان، حتى أنك تخالُ أن المدينة تسكن في المقاهي، عندما اقتربت من المقهى المواجه للساحةِ التي توقفت فيها، تناهى إلى سمعي غناءٌ جميل، وصوتٌ أجمل، أقربُ ما يكون إلى التراتيل.
نسيت أمر قهوتي والسجائر، بدأت أتتبع مصدر الصوت، بانت لي جموع حمام، تلتقط ما استطاعت أفواهها الصغيرة من الحبوب وتطير، ثم تهبط من جديد، لتأخذ ما تبقى لها من نصيب.
استغربتُ المشهد، فكيف للحمامِ أن يكون متواجداً في ظلِ هذا الوابلِ من المطر، الأحرى به رغم جوعه أن يكون الآن في أماكنه التي اتخذها منازل له، ليتلقى تدفق المطر الذي يأبى أن يتوقف.
إلا إذا كان قد تعود على يدٍ تنثر له طعامه كل يوم في هذا الوقت بالذات.
صرت قريبة من جموع الحمام، والصوت الذي تحول من الغناء إلى المناجاة يقول :
كم كنت ياحبيبي أنانيا، عاهدتني لما أتينا هذي البلاد أن تكون لي وطنا 
كنت تردد أنك ستبقى تغني معي بكل الساحات 
ألم تقل لي في كل شتاءٍ أني دافئة كجمرة في موقدك 
في كل ليلة أترك لك مكانك في سريري وأنتظرك 
أستيقظ في جوف الليل، أتحسس جسدك، فلا أجد غير البرد 
أناديك أنا ….
كل صباح أرتدي فستاني الذي تحبه، أسرع إليك، أصل في الوقت المحدد، فلا تكون .
عندما تغضب مني تخرج 
وأجدك تطعم الحمام 
اُقبِلُ عليك، ترمي الحبوب، فيهيج الحمام فرحا
تُطَوقُ يداك خصري، تحملني، فيطير فستاني الملون مع صوت غنائنا
كل صباح، أحمل لك في كيسنا رجائي 
ما زلت أنتظر، إما أن تأتي أو آتي أنا إليك 
وسط الساحة المقابله للمقهى، كانت تجلس كراهبة، صرت قبالتها، يغطينا موج الحمام، ويلفنا مطر كثيف.
دون أن أدري وجدتني أردد بصوت عالٍ:
“إذا هجرت فمن لي 
ومن يُجَمِلُ كُلّي
ومن لِروحي ورَاحي
يا أكثري وأقلي”.
رد صوتها كصدى عميق لصوتي:
أَحبَكَ البعضُ مني 
فقد ذهبت بكلي
ياكُلَ كُلّي
فمن تَكنْ لي
إن لم تَكنْ لي 
فمن لي
لا أدري كم من الوقت مر علينا، عيوننا تحكي الحكايا العتيقة، قبل أن أفترش الأرض معها والمطر، ونكمل الغناء سويا.
يقولون: إن هذه المرأة أستاذة جامعية، تحمل درجة الدكتوراه في أدب اللغات، ويقولون: إنها أهم مغنية أوبرا في بلادها التي تركتها تصحو كل يوم على وابل من الموت.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*