مقارنة بين إعلام مستَبِدَّين.. النصرة والنظام

زيتون – تيسير محمد

بالتكبيرات والأحضان والبكاء، استقبل بعض أهالي بلدة “الهوتة” بريف إدلب المسيطر الجديد على البلدة، ولكن هذه المرة لم يكن جيش النظام، والأهم أنه لم يكن إعلامه هو من بثّ تلك المقاطع التي أظهرت لحظات الدخول تلك.

إعلام جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام) هو من بثّ لحظات دخول عناصرها إلى تلك البلدة الصغيرة مقتدياً بإعلام النظام، والذي لم يدخل جيشه منطقة إلا وأتحفنا بمقاطع مماثلة تصوّر فرحة أهلها بدخول مخلّصهم على حدّ وصف إعلامه، وكان آخر تلك المقاطع في درعا، والذي دخلها مثلما دخل غيرها بالحديد والنار.

بالنسبة لإعلام النظام لم تعد تلك الصور والادعاءات غريبةً على أحد، أما بالنسبة لإعلام تحرير الشام، والتي سيطرت هي وحكومتها (حكومة الإنقاذ) مؤخراً على معظم مفاصل الحياة في الشمال السوري انطلاقاً من إدلب إلى ريف حلب الغربي وريف حماة الشمالي، فقد كان الأمر جديداً ومثيراً لكثير من التساؤلات حول إعلامها.

هل وجد إعلام تحرير الشام قدوته في إعلام النظام كما وجد قاداتها وعناصرها قدوتهم بقوات النظام، وحكومتهم بحكومته، والجولاني بالأسد المثل الأعلى له؟

هل رأى ذلك الإعلام في توسع سيطرة تحرير الشام نصراً مؤزراً يشبه انتصار النظام حتى بات يصوّر دخول أرتالها إلى مدن وبلدات الشمال وفرحة أهلها بذلك، كما يصوّرها؟

والأهم هو أنك عندما تسمع وترى هذه المشاهد من حقك أن تتساءل عن سبب هذه الفرحة والسرور حتى البكاء عند دخول الهيئة إلى “الهوتة”؟، فهل كان عناصر الفصائل يغتصبون النساء ويقتلون الأطفال مثلاً؟، أم أنهم كانوا يقصفون المدنيين بالبراميل وجاءت الهيئة وخلصتهم؟ 

هل سيتغير الوضع بعد دخولهم؟ أم أن حكومتهم “الإنقاذ” ستقوم بتوزيع الرواتب وتعبيد الطرقات ومحاربة البطالة…و….و؟

الإجابة الوحيدة لهذه التساؤلات هي أن كل ما بات يُروّج له ما هو إلا في سياق الـ “Propaganda” التي تنتهجها الهيئة وصبيانها للترويج بأنها تمتلك الحاضنة الشعبية في الشمال.

تعاطي إعلام النصرة مع الوقائع
وسائل الإعلام المحسوبة على “المعارضة” ترصد وتتابع بشكل دائم الأخبار في الشمال السوري، المكان الوحيد الذي بقي تحت سيطرة فصائلها، ولكن المريب في تغطية هذه الأحداث هو كيفية تعامل إعلام “النصرة” ومن يدور في فلكها مع الوقائع، والتي تتطابق إلى حد بعيد مع نهج نظام الأسد وإعلامه في تعاطيه مع الثوار وتدوير الزوايا وقلب الحقائق. 

ومؤخرا غطت تلك الوسائل الصراع بين “هيئة تحرير الشام” وباقي الفصائل، وفي كل مرة يحصل فيها صدام بينهما يستطيع المتابع أن يلاحظ كمية الضخ لإعلامي لمؤيدي النصرة، وتدليس الحقائق بشكل يشبه إلى حد ما طريقة الجيش الإلكتروني لنظام الأسد مع فارق “الأعداد والإمكانيات”، فالأخير هو عبارة عن مجموعة مجندين على مواقع التواصل الاجتماعي قُدر عدد حسابتهم بـ 100 ألف، وقد يدير الشخص الواحد منهم أكثر من حساب في نفس الوقت، أوعزت لهم الأجهزة الأمنية وضع أسماء وهمية واستخدام صور وشعارات ناشطي الثورة، ومهمتهم بالدرجة الأولى اللعب على الحالة النفسية من خلال نشر أخبار حقيقية أو مزيفة بشكل يؤثر على معنويات الثوار، وضرب سمعتهم وخاصة الشخصيات القيادية، ومن خلال موجات من الضخ الإعلامي بشكل متكرر، يضعون القيادات المؤثرة في دائرة الشك والاستهداف الدائم، مما يؤدي إلى عدم احترامهم وإثارة الريبة فيهم واستحالة الاتفاق على شخصية قيادية كما جرى طيلة السنوات الماضية.

بالمقابل يقوم إعلام النصرة والمحسوبين عليها من خلال العديد من الحسابات المعروفة أو غير المعروفة والتي تضع علم الثورة أو أحد رموزها بالدفاع باستماتة عن النصرة ونهجها وأميرها الجولاني، والطعن والتشكيك في نوايا الثوار وأفعالهم ونزاهتهم.

الاعتقال مصير المناهضين
إرهابي، عميل، تكفيري، مندس، إلى آخر الألقاب المعروفة لدى الجميع، والتي أطلقها نظام الأسد وسئم المتابعون لإعلامه من تكرار ترديدها على كل من يخالفه.

أما تحرير الشام، فمنذ ظهورها كـ جبهة النصرة وحتى اليوم، لم تبتعد عن الاقتداء بالنظام، ووجدت لها تهما تطلقها وتوجّهها لكل من يخالف مشروعها أو يقف ضده، ومنها على سبيل المثال “عميل، مرتد، كافر، مرتزق، عدو الله”.

الجهتان تعتبران نفسيهما المدافع عن الإسلام كل عن طريق أدواته “المشايخ، الشرعيين”، كما تشتركان في إحكام القبضة الأمنية وتكميم الأفواه.

ولو حاولنا إحصاء عدد الناشطين الذين اعتقلوا أو مازالوا في السجون من قبل الهيئة، ستجد أن مئات الناشطين اعتقلتهم الهيئة أو أطراف محسوبة عليها، ناهيك عن الذين ما زالوا قيد الاحتجاز حتى اللحظة، أو الذين استشهدوا تحت التعذيب في سجونها، أو من طالتهم أيديها دون الحاجة للاعتقال.

المعتقلون في سجون النظام يظهرون على الإعلام بأفضل حال، حتى تكاد تشعر أن حالهم أفضل من وجودهم بين أهليهم. 

على الجانب المقابل، تتبجّح النصرة وأزلامها بالتزامها بأخلاق الإسلام والتعامل مع الأسرى الذين تصفهم بـ “الإخوة” على الصفحات التابعة لها، وتنشر صور بعض المعتقلين لديها وهم يجلسون في بيوت مرتبة مُدفّأة وقد وضعت أطباق الفواكه أمامهم، مع أن المقاطع والصور الملتقطة للحظات اعتقالهم تظهر عناصرها وهم يسوقوهم كالأغنام، كما أظهرت مقاطع أخرى تهديداتهم وتغنيهم بأمجادهم بقتال بقية الفصائل قتال أعداء لا “إخوة” كما تدعي الصور والبيانات.

أوراق مكشوفة ولثام 
ربما تتساءل عن الفضائح والتجاوزات التي تنتشر عن بعض قيادات وعناصر فصائل الجيش الحر بشكل أكبر وأوسع من التابعين لـ “جبهة النصرة”، والسبب ببساطة أن قيادات النصرة جُلها غير معروفة، وأسماؤهم مجهولة، وحتى عندما يظهرون للإعلام يضعون اللثام غالباً. 

على عكس قيادات الجيش الحر أو الثوار فأوراقهم مكشوفة، وتستطيع أن تعرف كل شيء عن أي قياديٍّ خلال لحظات عن طريق محركات البحث، أو بسؤال أحد معارفه أو أقاربه وجيرانه، وبالتالي عندما يرتكب أي خطأ مهما كبُر أو صغُر ينتشر خلال بضع ثوانٍ (cv) عن كامل حياته مع التركيز التام على عدد المرات عن تجاوزاته. 

في حادثة اعتقال الناشط “بلال سريول” قبل نحو شهرين، طالب الناشطون على الفور فصيل “السلطان مراد” بالإفراج عنه بسبب معرفة الجميع بالجهة التي قامت بالاعتقال، وبعد الإفراج عنه تناقل الناشطون والصفحات صور آثار التعذيب على جسده.

بينما وفي الفترة ذاتها قُتل اثنان من أبرز ناشطي مدينة كفرنبل “رائد الفارس وحمود جنيد” على يد ملثمين وفي منطقة خاضعة للنصرة، وبعد أن كانت قد اعتقلتهم سابقاً ووجهت لهم العديد من التهم، وتلقوا منها التهديدات بشكل متكرر، ولكنها بعد مقتلهم بكل سهولة نفت مسؤوليتها أو علمها بمن قام بذلك لعدم وجود أي دليل، ورغم تأكيدات الكثيرين بأنها من تقف خلف الحادثة إلا أن الغالبية فضّل الاكتفاء بنسب القتل لمجهولين أو ملثمين.

يجمع المستبدين أينما وُجدوا الكثير من القواسم المشتركة، يتبادلون الخبرات في الوصول إلى غاياتهم السلطوية وإن اختلفت، ولو كان الثمن حياة وحرية المواطنين القاطنين تحت سيطرتهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*