النصرة بعد هيمنتها على الشمال… إعلام كاذب ومقارنات ساذجة

خاص زيتون

تعالت الكثير من الأصوات مؤخراً في الشمال السوري والمهتمين به، للتحذير مما قد تؤول إليه الأمور بعد صبغ المنطقة بالسواد في إشارة لسيطرة “هيئة تحرير الشام” المصنفة على قوائم الإرهاب دولياً، بعد هيمنتهم مع حكومة “الإنقاذ” التابعة لهم على مفاصل المنطقة عسكرياً وإداريا، وبالفعل بدء كل من نظام الأسد وروسيا يلمحون إلى ضرورة اتخاذ الإجراءات الازمة لحل هذه المشكلة على حد تعبيرهم، مما يعني إزهاق ألاف الأرواح في حال تعرضت المنطقة المكتظة بثلاثة ملايين نسمة تقريباً للهجوم منهم، يأتي ذلك متزامناً مع أرسال الحكومة التركية تعزيزات جديدة من وحدات الكوماندوس إلى الحدود مع إدلب في ولاية “هاتاي” بالإضافة إلى اجتماع رفيع المستوى في نفس المنطقة لقيادات الجيش التركي لبحث التطورات ومستقبل مدينة إدلب بعد سيطرة النصرة عليها. 

هذه التهديدات والتصريحات أمر متوقع بعد ما قامت به النصرة، ولكن السذاجة كانت في تبريرات “هيئة تحرير الشام” لما قامت به والأسباب التي دعتها لذلك، فقامت بإعطاء الأمان للمقاتلين على خطوط الجبهات أثناء القتال وبعده مدعية الحرص عليهم وأن المشكلة ليست معهم إنما مع قياداتهم وتبعيتهم لـ “الخارج” وتنفيذهم لأجندات خارجية، لكنها قامت باعتقال العديد من العناصر التابعين للفصائل كما داهمت منازلهم، ولتقوم يوم أمس بنفي 30 شخصاً من وجهاء وكوادر بلدة “دارة عزة” لأنهم يحرضون على جبهة النصرة ويعترضون على صبغ المنطقة بالسواد على حسب ادعاء الهيئة وتكون بذلك قد خالفت ما قالت أنها ملتزمة به، وفي الحقيقة أن معظم المنفيين من الثوار الأوائل الذين خسروا العديد من ذوييهم شهداء دفاعاً عن الثورة ومبادئها، أما بالنسبة لتركها لبعض المرابطين على الجبهات فذلك يعود لعدم قدرتها على تغطية مواقعهم وليس لحبها لهم وحرصها عليهم.

العديد من المحسوبين على الهيئة وحتى الجولاني في لقائه ذكروا أن حجة لصق صفة الإرهاب بالمنطقة وإعطاء مبرر للهجوم عليها هو ضرب من الخيال مستشهداً بما حصل مع باقي المناطق التي لم تكن تسيطر عليها جبهة النصرة المشمولة في اتفاق “خفض التصعيد وانتهت بسيطرة الأسد عليها، والحق أن مقارنة الوضع في إدلب مع باقي المناطق استخفافاً بعقول الناس وتزويراً للحقائق، وبنظرة بسيطة لواقع تلك المناطق تستطيع أن تعرف الفرق، فمثلاً مدن وبلدات ريف دمشق كانت معظمها محاصرة من كل حدب وصوب ولا يوجد لها طرق إمداد ومن السخافة بمكان أن تقارن مع إدلب مع المناطق الشاسعة والسلاح الوفير وأعداد المقاتلين، والحال في درعا أن جل فصائله كانت تابعة لما يعرف بـ غرفة الموك التي تدار بشكل رئيسي من الولايات المتحدة بالاشتراك مع دول أخرى منها السعودية والامارات، تلك الدول التي لعبت ادواراً مشبوهة على امتداد سنوات الثورة السورية وهي الآن تقوم بفتح سفاراتها في دمشق بعد أن تخلت عن الثوار وأعطت الضوء الأخضر لنظام الأسد للقضاء على الثورة في جنوب سوريا، أما في الشمال فتركيا هي المسؤولة عن إدارة الملف واستطاعت حتى اللحظة الحفاظ على المنطقة ونشرت نقاط لجيشها على خطوط التماس مع نظام الأسد، وما زالت حتى اللحظة تدعم معظم الفصائل وتمنع ما استطاعت أي هجوم محتمل على المنطقة، ولاشك أنها تفعل ذلك من أجل مصالحها ولا ضير في ذلك طالما أنها تحافظ على أرواح وممتلكات الثوار وما زالت تفتح حدودها للجرحى والمصابين وتحتضن أكبر عدد من اللاجئين السوريين على أراضيها.

وفي سياق متصل أيد الجولاني العملية التركية المرتقبة على مناطق شرق الفرات الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية بعد أن حرم المشاركة فيها “أبو اليقظان المصري” أبرز القياديين في الهيئة والذي قاد الهجوم الأخير الذي قامت به على باقي الفصائل، يأتي هذا في محاولة من الجولاني للتقرب من الأتراك الذين صنفوا الهيئة مع المنظمات الإرهابية كحال من يؤيد الهجوم عليهم.

أما حال حكومة الإنقاذ التي تدعي الهيئة استقلاليتها تستطيع أن تعرف مدى ذلك من خلال زجها في أي اتفاق بين الهيئة والمناطق التي سيطرت عليها حيث يكون أحد البنود الثلاثة الأولى هو إخضاعها لنفوذ حكومة الإنقاذ، وبديهياً عندما تضم أي حكومة في العالم منطقة جديدة لنفوذها أو عندما تقوم حتى بإقرار مشروع صغير تجتمع وتضع على الأقل الخطوط العريضة وخطتها لهذا الأمر، أما في حالتنا هذه تكون من أول الشروط ويتم الأمر خلال لحظات، وكأن وفود الحكومة “المدنية” “المستقلة” كما يدعون تسير خلف أرتال دبابات الهيئة مباشرة “لنشر السلام والأمان” في مناطقها الجديدة.

لا شك أن مصير المنطقة يحتمل العديد من السيناريوهات، وليس لدى أي قوة في الداخل أدنى فكرة عما قد تؤول الأمور إليها، في ظل التحكم التام بمصير المنطقة من الدول صاحبة النفوذ فيها، وتحول فصائل المعارضة والهيئة إلى مجرد بيادق في أيديها تحركها كيف تشاء.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*