أبو أحمد.. حين تكتشف الحقيقة المفجعة في آخر لحظة

زيتون – عدنان صايغ
ربما لم يعد يذكره أحد منذ زمن، لكنني تذكرته بلا أسباب واضحة لدي، والحقيقة أنه كان يمر بخاطري من وقت لآخر، والأن حين أفكر في سبب ذلك لا أجد من مسوغات تذكري الدائم له سوى تعاطفي العميق بشعور المرارة والخيبة التي مر بها حين كان ينزف آخر قطرات دمه محدقاً في صديقه وقاتله قبل أن يموت.

كان أسمه أبو أحمد، رجل تجاوز الخامسة والخمسون، واحد من أولئك الأشخاص الذين يتقدمون بالعمر لكنهم يحتفظون بنشاط الفتيان ولياقة أبدانهم، فحركته السريعة وخفته أوقفت وزن جسده بحدود عمره، لكن الأمر لم يتوقف في تصابي أبو أحمد عند حد الشكل فقط، بل تمادى ذلك الرجل في مغامرة نكرانه لسنه إلى حد الرعونة الغير محسوبة في تعاطيه مع حالة طارئة كانت واضحة في وعودها بأن الأيام القادمة ستكون حمام دم وموسم حراثة لمجتمع راكد لن يسلم منه أحد، هذا ما كانت تشيعه تلك الروح التي دبت في شوارع مدينة سراقب والتي بدأ الناس معها بترتيب حياتهم ومواقفهم تكيفا مع الخطر والتغيير الغامض الذي ستحمله الثورة لهم.
ورث أبو أحمد مخترة إحدى القرى في الريف الإدلبي المحافظ من أبيه كحال كل السوريين في وراثة مهن ومناصب أبيهم، ورغم أنه ليس من أبناء سراقب إلا أنها كانت مركز نشاطه وعلاقاته، نظراً لما توفره من فرص أكبر في الفاعلية والاحتكاك مع الأحداث والتعامل معها سياسياً وأمنياً وخصوصاً في بداية حراك لا يمكن لأحد التكهن بما سيحمله، هذا إن تجاهلنا طبيعة أبو أحمد النشطة وميله للحركة والمبادرة، كما علمته خبرته الموروثة أن يحافظ على علاقات وقورة ومتزنة مع أهالي قريته وإبقائهم خارج مغامرات مواقفه المعاكسة لميل سياسي لدى الناس في تلك المنطقة إن لم يكن في سوريا كلها.
ولأن المخترة تفرض في ذلك الريف وضعا حساسا لمن يعمل بها، تلزمه بالتوفيق ما بين مصالح متضاربة وتقريب وجهات نظر متباينة، فعليه أن يتعامل مع عناصر الأمن والمخابرات كما عليه أن يتعامل مع أهالي قريته المناهضين في قرارة نفوسهم لكل ما يمت إلى الأمن بصلة، هذا ما جعل من أبو أحمد حلقة وصل في سلسلة صعبة المعادلة، لكنها في زمن مضى كان الخوف فيها هو العنوان، تفهم الجميع ما كان يحاول القيام به.
لكي نفهم شخصية هذا الرجل يجب أن نعرف أنه لا يتبنى مواقفه بشكل ارتجالي كحال تعامله في بعض الأحيان برعونة مع الناس، فهو يفكر ملياً بكل حدث مؤثر فكيف به وهو أمام ثورة على نظام حكم معروف بالتجبر والتكبر والإجرام، وهو بالذات يعرف مدى ما يمكن أن يذهب إليه جهاز المخابرات في هذه الحالات، وإن كان والده قد عاش قبله في زمن إحداث الإخوان المسلمين وخرج منها سالما فهو سيماثل مواقف أبيه وسيخرج سالما من ثورة بلا رأس.

واجه الكثيرين، ورفع صوته في أماكن عامة مجازفا بحياته وهو يدافع عن رأس النظام ومؤسسه، معيبا على الناس تطلعهم بسخرية حقودة إلى حياة أفضل، متبنياً رواية النظام بقناعة وصدق، مدللاً على ما يعيشه السوريين من خير وأمان، ولاعتبارات لها صلة بسنه وحياء الثوار وارتباكهم في البدايات تمكن أبو أحمد من الإفلات بموقفه في ذلك الحين، لكنه لم يكن يدر أن الرصاصة التي ستقتله ستأتي ممن يدافع عنهم لا ممن يهاجمهم، وهو ما يحضره أمامي الأن وأنا استذكره.

على ذلك الطريق الواصل بين قريته وسراقب كان هنالك نقطة عسكرية اتخذت من معمل لصناعة الزيت النباتي مقراً لها وقد حولته إلى حاجز ومعتقل ونقطة انطلاق لهجماتها على البلدات المجاورة ما أعطاها سمعة سيئة، يتبع مركز “معمل الزيت” كما أطلق عليه الأهالي لفرع الأمن العسكري في مدينة إدلب، يقودها رجل يدعى “أبو بسام” متمرس بالعمل الأمني والمخابراتي، موهوب وجريء، يمكن القول بأنه شجاع وصلب، وقف ومعه بضعة عناصر سنوات طويلة أمام محاولات لا عدد لها في الهجوم على نقطته واغتياله، أفشلها جميعا بل وأمعن في قتل متكرر ودائم وبشكل عشوائي لمدنيين كانوا يقعون تحت رحمته، كما كان يغامر في اختراقات خطرة جدا للبلدات والمدن القريبة منه لاعتقال وقتل المطلوبين، كان بطل النظام بحق في تلك المنطقة، ظل كذلك حتى يأس الناس من إمكانية زوال تلك النقطة أو قتله لا سيما أن اشاعات مقتله كانت أكثر من إشاعات مقتل رأس النظام الكاذبة، لكنه قتل بشكل غير متوقع في نيسان 2016 على يد ثوار برزة في معاركها، جاء مقتله بعد زمن طويل من تمكن فصائل المعارضة من اقتحام مقر معمل الزيت في بداية عام 2012.

وعلى الطريق الذي يمر بالقرب من معمل الزيت كان أبو أحمد يعبره بكل ثقة ذهابا وإيابا من قريته إلى سراقب بثقة المؤمن بعدالة النظام وقواته، ولم يكن ليخطر على باله أن حراس تلك النقطة سيقومون بقتله دون أي سبب سوى مروره من ذلك الطريق.

سقط أبو أحمد بنيران صديقة وظلت جراحه تنزف دون أن يجرؤ أحد على إنقاذه حتى فارق الحياة، ولعله أغمض عينيه وهو يسأل لماذا؟ وكيف يمكن لمن كان يرى بهم حماته أن يقتلوه هكذا بلا سبب، وربما آلمه السؤال أكثر مما ألمته الرصاصة، وربما آسف على مواقفه المؤيدة ولربما ندم على ما فعله من نكد لمحيطه لكنه مات دون أن يسمع أحد أخر كلماته وندمه.

في قريته الصغيرة التي تجاوز أهلها الطيبون موقفه المؤيد تعاطفوا مع مقتله وتضامنوا مع أسرته التي لم تصدق كحال أبيها مقتله على يد قوات النظام، وتعاملوا بجفاء مع الأهالي الذين رغبوا في تشييعه كشهيد بمظاهرة معارضة، ورفضوا التنديد بالقتلة مؤثرين أن يدفن كموال للنظام كما عاش، وقد يكون ذلك الدفن أصعب على أبو أحمد من مقتله وندمه.

موت الإنسان بضمير مرتاح قد يكون رفاهية لم تتحقق للكثير من السوريين، ومفارقتهم للحياة بشكل ينسجم مع أفكارهم دون مفاجآت اللحظة الأخيرة هي أكبر راحة لمن يرحلون، وأن تكتشف الحقيقة المفجعة في أخر لحظة من حياتك دون قدرة على أن تغير صفك وصفتك كما حدث لأبو أحمد لهي الفاجعة بحق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*