أكثر من نصف مليون مطلوبون للاحتياط في سوريا.. و”الحرب انتهت”

زيتون – وعد البلخي 
قرص بلاستيكي يحمل الرعب لكل من بقي في مناطق سيطرة النظام، يضع الجميع يده على قلبه وهم يتنقلون بين سطور وأعمدة جداوله، يقلبون صفحاته واحدة تلو الأخرى خوفا من كارثة تنتظر رجالهم وأبناءهم، يحملها ذلك القرص بذكر أسمائهم من ضمن المطلوبين للخدمة الإلزامية الاحتياطية.


يُفضل إسماعيل أن يقضي حاجياته وزيارته مشياً على الأقدام مع زوجته وأطفاله مهما طالت المسافات، ليلاً أو نهاراً، في الحر أو البرد الأمر سيّان، على أن يصعد في حافلةٍ ويتم إنزاله منها واعتقاله.
بينما يعتكف شبانٌ آخرون في منازلهم بلا عمل ولا تعليم، أو يكتفي بعضهم بالبقاء ضمن حاراتهم والحارات المجاورة لها، الجميع يخشى أن يكون اسمه في ذلك القرص اللعين، ولا فرق هنا بين مؤيد “للعظم” كما يُقال باللهجة الدارجة، وبين مُرغمٍ لم يحالفه الحظ في مغادرة البلاد، ولا سيما الموظفين في المؤسسات والدوائر الحكومية.
500 ألف اسم شاب سوري، طلبهم نظام الأسد للالتحاق بالخدمة العسكرية ضمن ما يعرف ب “الاحتياط” أو الخدمة الاحتياطية في جيشه.
الآن وبعد أن استعاد الأسد ونظامه السيطرة على كافة الأراضي السورية باستثناء الشمال وجزء صغير من الشمال الشرقي، بفضل روسيا بالدرجة الأولى، وبفضل دعم العالم بأسره له، ما الهدف الذي يرمي إليه من إلحاق مثل هذا العدد من السوريين بالجيش؟
رأس النظام كان قد أصدر في 9 تشرين الأول 2018، المرسوم رقم 18 الذي أعفى المكلفين بخدمة الاحتياط من أي عقوبات تطالهم جراء تخلفهم عن الالتحاق بالخدمة أو ارتكاب جرائم الفرار الداخلي والخارجي.
وبناءً على ذلك تم شطب أسماء 800 ألف مدعو للاحتياط من سجلات إدارة الأمن الجنائي، بالإضافة إلى إيقاف عمليات ملاحقتهم أو اعتقالهم، بحسب وسائل إعلام النظام.
كذلك نقلت مصادر موالية عن وزير الدفاع في حكومة النظام علي أيوب قوله: “بمكرمة نبيلة، ومرسوم شجاع، بأمر القائد العام: إسقاط دعوة الاحتياط عن 800 ألف مدعو للخدمة الاحتياطية، والدعوة لاحقاً حسب الحاجة، وحالياً لا توجد حاجة”.
وفي الوقت ذاته، شهد المركز الثقافي في السويداء اجتماعاً ضم وجهاء المحافظة مع اللجنة العسكرية المُكلفة بتسوية ملف المتخلفين عن الالتحاق بالخدمة الإلزامية، ونقلت الأخيرة للوجهاء أن قراراً قيد الإعداد يقضي بإلغاء تكليف كل المطلوبين للخدمة الاحتياطية في كافة أنحاء سورية، وانتشر فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي لأحد الضباط أعضاء اللجنة وهو يعلن عن القرار خلال الاجتماع ذاته، وفقاً لمصادر إعلامية.
المرسوم الغامض الملامح، تبعه أمر إداري أصدرته القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة، لم يكن بعيداً بغموضه واحتمالات تأويله العديدة عن المرسوم، اللذين توسم الخير في كلاهما المدنيون والعسكريون على حد سواء في سوريا، قبل أن ينطبق المثل “يا فرحة ما تمّت”.
تفسيرات كثيرة ومتناقضة جاءت على لسان وزير الدفاع وعدد من المسؤولين والمحللين، ولا يعرف أيّ منها هو التفسير الصحيح للمرسوم والأمر الإداري، إلا أن القاطنين في مناطق النظام أجمعوا أن حالةً من الفرح والنشاط التجاري والاقتصادي، وحتى في مناطقهم بدأ الشبان المتوارون عن الأنظار منذ مدة بالنزول إلى الشوارع بعد صدور المرسوم وتفسيره تفسيراً تبين أنه خاطئ بعد أن تم اعتقال أكثر من شاب مكلف للاحتياط، ممن قيل أن أسماؤهم قد شُطبت وأوقفت عمليات ملاحقتهم.
كما اتضح أن الأمر الإداري خاص بدورات الجيش العسكرية ولا تمت لتسريح الاحتياط المدني بصلة كما اعتقد البعض بداية الأمر، وأنه يقضي بإيقاف الاستدعاء لصف الضباط والأفراد الاحتياطيين الملتحقين قبل 2012/7/1، أي أنه خاص بعناصر الشرطة وقوى الأمن الداخلي فقط، باستثناء من لديه خدمة مفقودة لمدة تتجاوز الشهر أو لديه فرار.

آلية الدعوة والتبليغ
بموجب المرسوم رقم 18 كان من المفترض أن يتم شطب 800 ألف اسم مكلف للاحتياط، وإيقاف عمليات ملاحقتهم، ولكن ما حدث كان شكلياً، أما فعلياً فقد قامت وزارة الدفاع بعدها بإعادة تكليف الأسماء السابقة من جديد، وذلك عبر إدارة السجلات ومنها إلى شعب التجنيد في كافة أنحاء سوريا.
ويتم تعميم أسماء المطلوبين على شعب التجنيد ووفقاً لشعبهم ولمواليد كل دفعة تباعاً، وآخر دفعة تم تعميمها كانت في 22 كانون الثاني الجاري، وهي خاصة بالمواليد من عام 1974 وحتى عام 1979، وفقاً لمصادر مطلعة، والتي أوضحت أنها المرة الأولى التي يتم دعوة الأسماء المكلفة في هذه الدفعة، وأن هناك قوائم جديدة قيد الإعداد تتضمن أسماء من مواليد 1970 وحتى 1995.
شعب التجنيد بدورها تقوم بتبليغ المكلفين عبر العناوين المسجلة لديها، للالتحاق خلال أسبوعين فقط، وتعميم أسماء المتخلفين بعد هذه المدة على النشرات الشرطية، كذلك الأمر بالنسبة للموظفين لدى الدولة، والتي تصل إليها التبليغات الخاصة بموظفيها لتبليغهم وإجراء ما يلزم.
أحمد موظف “غير مثبت” بصفة عامل في إحدى الدوائر الحكومية بريف دمشق، تلقى قبل أيام دعوة للخدمة الاحتياطية ووصلت نسخة من الدعوة إلى مكان عمله.
يقول أحمد لزيتون: “لدي 4 طفلات أكبرهن تبلغ 9 أعوام وأصغرهن عام ونصف، زوجتي مريضة وأنا نازح أعيش في منزل بالإيجار، ليس لدي سبيل للتخلف، لا سيما أنني في جميع الأحوال سأفقد عملي وراتبي الذي بالكاد يكفيني لدفع إيجار المنزل والمواصلات للذهاب إلى عملي، وأعمل يومياً حتى منتصف الليل في بقالية كي أستطيع تأمين متطلبات عائلتي، ولا أعلم كيف سألتحق بالخدمة وأترك زوجتي المريضة وأولادي، ومع ذلك ليس لدي خيار آخر”.
يعلم أحمد أيضاً أنه في حال تأخر عن الالتحاق لمدة تتجاوز الـ 15 يوماً، فإنه سيُعدّ متخلفاً عن الخدمة، وسيتم اعتقاله عند أول حاجز يمر به، وتحويله إلى سجون الشرطة العسكرية ومنها للخدمة، فضلاً عن خسارته لعمله، وفقدان المدة الزمنية التي قضاها في العمل، وما يترتب عليها من إجراءات من الممكن أن تساعده في أحد الأيام، ولذلك باشر أحمد بتسليم عمله والتحضير للالتحاق مرغماً، على حدّ تعبيره.
أما الشاب طارق زين الدين، فعلى الرغم من تحييد أبناء محافظة السويداء، وحصر خدمة أبنائها الإلزامية ضمن المحافظة، وفقاً لاتفاق سابق بين وجهاء المحافظة والنظام، فقد قامت شرطة مشفى السويداء أثناء تواجده فيها في 3 كانون الأول الماضي، نتيجة تعرضه لحادث، بحجزه في سجن المشفى تمهيداً لتسليمه للشرطة العسكرية بتهمة التخلف عن الخدمة الاحتياطية، قبل أن يقوم فصيل قوات الفهد بإطلاق سراحه، بحسب مصادر إعلامية.
في حين تحدثت صفحات موالية عن وصول عدة تبليغات إلى أهالي بعض الشبان، على الرغم من مضي سنوات على خدمتهم المتواصلة حتى اليوم، فضلاً عن استلام بعض ذوي القتلى والمتوفين تكليفات جديدة تحمل أسماء قتلاهم.
ونشرت صفحة “أخبار دعوات الإحتياط والتسريح من شعب التجنيد لحظة بلحظة” في 22 كانون الأول من العام الماضي، صورة لتعميم صادر عن وزير الداخلية محمد رحمون، ومؤرخ في السادس من الشهر ذاته، يطلب فيه إلى الوحدات الشرطية الجدية التامة في البحث والتحري عن الفارين والمتخلفين عن الخدمتين الإلزامية والاحتياطية، وسوقهم بعد القبض عليهم إلى الجهات الطالبة أصولاً، وبالسرعة الممكنة، وتقديم عسكريي قوى الأمن الداخلي الفارين من الخدمة عن طريق قسم الانضباط في قيادة شرطة المحافظة إلى فرع الأمن السياسي، بحسب نص التعميم. 
وعادت الصفحة الموالية ذاتها في 5 كانون الثاني الجاري، لتتحدث عن “كتاب جديد تم توجيهه من وزارة الدفاع لوزارة الداخلية في بداية العام، تم الطلب به بالتشدد بملاحقة المتخلفين عن الخدمتين الإلزامية والإحتياطية وتم أيضاً به التمني بالإسراع بإجراءات تحويل المتخلفين الذين يتم إلقاء القبض عليهم لمراكز السوق حيث كان من يتم إلقاء القبض عليه يبقى أحيانا اسبوع إلى أسبوعين في سجن الشرطة العسكرية ثم أسبوع إلى شهر في سجن البالونة أو القابون ثم يحول لمراكز السوق والفرز (الدريج – النبك – هنانو)”.
وأضافت: “حيث يبدو بأن هناك قرار بتسريع هذه المعاملات الروتينية وتقصير مدتها.
وكما شاهدنا منذ يومين فقد زادت وزارة الداخلية من الحواجز الغير ثابتة أو كما تسمى (حواجز طيارة) في عدة أماكن ويتم الإعتماد على التنقل المستمر من قبل عناصر الحاجز حيث يقوم عناصر الحاجز بالإنتقال لمكان جديد كل ساعتين إلى ثلاث ساعات وذلك حرصاً من أفراد الحاجز بتحقيق أكبر عنصر مفاجأة لدى الشاب السوري ويبدو بأن ذلك يأتي كعيدية من وزارة الداخلية في بداية العام للشبان السوريين تحت سن التكليف”.

ما بين التهكم والتحليل
يعد موضوع الدعوة للخدمة الاحتياطية المؤرق الأكبر للشباب وعائلاتهم في سوريا، ولا سيما بعد صدور مرسوم العفو عن المتخلفين، والذي فتح الباب على مصراعيه لإعادة التكليف بشكل واسع، وزاد من عمليات الاعتقال بدلاً من أن يؤدي لإيقافها كما فسره وزير دفاع النظام في جلسة دُعي إليها بمجلس الشعب لهذا الغرض.
في الوقت الذي يعتبر فيه القاطنون في مناطق النظام أن الدعوة للاحتياط العائق الأكبر أمام ممارستهم حياتهم بشكل طبيعي، فقد منعت الكثيرين منهم من العمل والدراسة والزواج وغيرها من المشاريع الحياتية، فضلاً عن انكفاء بعضهم في سجون منازلهم، يرى الكثير من المحللين أن النظام لا أمان له، وأن هدفه من الاحتياط بعد سيطرته على معظم أرجاء سوريا هو التخلص من شبابها لا أكثر.
بينما يجمع الغالبية على أن رأس النظام أصدر مرسوم العفو تحت ضغط من روسيا أولاً، ومن دول مجاورة وأخرى أوروبية، وذلك بهدف دعم ملف عودة اللاجئين الذي تعمل عليه روسيا وتقوم بالتنسيق فيه مع عدة دول، بالإضافة إلى أن النظام بات بحاجة لتسريح الدفعات القديمة من الخدمة الاحتياطية منعاً لاستحقاقهم على رواتب تقاعدية عالية، فضلاً عن أن النظام يعيش حالة من التخبط والعجز عن اتخاذ القرارات بمفرده، والعجز عن تنفيذ قراراته.
رئيس الدائرة الوسيطة في مديرية التجنيد العامة العقيد عماد إلياس أكد في لقاء له قبل أيام على قناة سما التابعة للنظام بأن السن الأقصى لعمر الاحتياط ما زال على حاله، ولم يطرأ عليه أي تغيير، وهو سن الـ 42 عاماً، مبيّناً الحالات المستبعدة من الخدمة الاحتياطية، والتي من بينها أعضاء المحكمة الدستورية العليا، وأعضاء القيادات الرئيسية، وأمناء فروع الأحزاب المرخصة، ورؤساء المنظمات الشعبية والنقابات المهنية المركزية، وأعضاء المنتخبات الوطنية، والعاملين في الجهات العامة من أصحاب الكفاءات والخبرات العلمية ممن يتوقف عمل الجهة العاملة عليهم، بالإضافة للمدنيين في القوات المسلحة ووزارة الدفاع، ورجال الإطفاء والجمارك، ورجال الدين المحظور عليهم ممارسة عمل دنيوي.
وبالرغم من تصريح رئيس الدائرة الوسيطة في مديرية التجنيد العامة، إلا أن الصفحات والمواقع الموالية والمعارضة شهدت بعده تشكيكاً بمصداقية التصريح حول العمر، إذ نقل موقع أخبار العاصمة دمشق عن مصادر إعلامية متقاطعة بأن قوائم الأسماء الجديدة المطلوبة لخدمة الاحتياط تحمل مواليد عام 1976 و1977 و1978 و1979، وأن أعماراً جديدة تخطت الأربعين أضيفت للقوائم السابقة، وبذلك رفعت وزارة الدفاع سقف أعمار المطلوبين لخدمة الاحتياط في صفوفها، ضمن قوائم جديدة تحمل ما قدره ناشطون بنحو 900 ألف اسم، بما فيهم الأسماء المشطوبة بالعفو السابق منذ 3 أشهر حتى الآن، بحسب الموقع. 
بينما اعتبر المحلل العسكري العقيد حاتم الراوي أن النظام تعمّد صيغة الخداع في مرسوم العفو الصادر عنه، وذلك ليوهم المطلوبين والمتخلفين عن الاحتياط بالعفو عنهم، ومنحهم الطمأنينة ليعودوا إلى مناطقه، أو يتحركوا فيها بسهولة دون الخشية من الحواجز، فوقعوا في الفخ، وفقاً لما نقلته عنه “حرية برس”، في حين رأى آخرون في دعوات الاحتياط الجديدة محاولةً من النظام لسدّ النقص الكبير جداً في تعداد جيشه، أو سد مكان الميليشيات التي بدأ بحلّها، والتخلص من جرائم عناصرها المنتشرة في كافة أرجاء سوريا.


بعض المؤيدين فسر المرسوم على أن النظام أجرى عمليةً حسابية بالورقة والقلم، ووجد أن من الأنسب والأوفر مادياً له أن يعفو عن هذا العدد الكبير من المتخلفين عن الاحتياط، بدلاً من أن يسجنهم ويصبح مكلفاً بإطعامهم أيضاً، ومن ثم يعود لتكليفهم من جديد.
أما صفحة اللاذقية الآن فقد قالت في أحد منشوراتها: “عندما تطلب قيادة الجيش السوري مجدداً عشرات الآلاف من الاحتياط للالتحاق برفاقهم على الجبهات.. فهذه الحرب مستمرة ومستمرة”، في إشارة إلى ما يحاول النظام إشاعته بأن الحرب انتهت والحياة عادت لطبيعتها في سوريا، في حين نشرت صفحة شآم الآن: “دفعات احتياط جديدة كبيرة.. حتى الاحتياط مطلوب “.
بينما تساءلت صفحة اخبار حلب وجمعية الزهراء وما حولها في منشور لها تساؤلاً قالت فيه: “ما رأيكم بدفعة الاحتياط التي تشمل الأخضر واليابس الصغير والكبير الحي والميت والمستشهد حتى.. ولم يعرف السبب حتى الآن؟”.
وانتشرت صورة ساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي قبيل ليلة رأس السنة الجديدة، يظهر فيها بابا نويل في سيارة عسكرية في الليل، كُتب فوقها: “حدث منذ قليل”.
وتدعو العديد من الصفحات والمواقع باستمرار المدنيين الغير مطلوبين للخدمة الإلزامية أو الاحتياطية، والمؤجلين ومن في عدادهم الاحتفاظ بالأوراق الخاصة بوضعهم التجنيدي بشكل دائم، وذلك منعاً لاعتقالهم ريثما يتم إيصال الأوراق وثبوت سلامة وضعهم، كما دعت مؤخراً المسرّحين حديثاً لمراجعة شعب تجنيدهم لختم دفتر الجيش، واستلام كرت النفير الخاص بهم، وذلك تجنباً لأي مسائلة قانونية وجزائية، على حدّ تعبيرها.
الجدير بالذكر أن أول دعوة احتياط مدني بعد الثورة كانت بتاريخ 15 تموز عام 2012، وتلتها دعوة ثانية سريعاً في بداية شهر آب من العام نفسه، دون أن يتم تسريح أي دفعة احتياط مدنية منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، لتصل خدمة البعض منهم إلى قرابة الستة أعوام.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*