العملات الرقمية بعيدا عن نظرية المؤامرة

زيتون – تيسير محمد

شهدت السنوات الأخيرة جدلاً واسعاً حول العملات الرقمية والجدوى من استخدامها والاستثمار فيها، والمطلع على واقع ثقافتنا العربية بخصوصها يجد الكثير من الجهل بماهيتها وكيفية التعامل بها، ولا تجد إلا مجموعة من الفتاوى والآراء السلبية والأفكار المبنية على نظرية “المؤامرة”، مما دعى الكثير من رجال الدين والمثقفين العرب إلى تحريمها والتحذير من التعامل بها، وبناءً عليها تجنب الكثير منا التعامل بها أو حتى الاطلاع على كيفية نشأتها وقواعد التداول بها.


فكرة هذا الطرح ليست جديدة وتعود إلى أكثر من عشرين عاما، في بداية تسعينيات القرن الماضي حاول مجموعة من الأشخاص لفترة طويلة طرح عملات رقمية ولكن لم ينجحوا في ذلك لأسباب عديدة من أهمها عدم تبلور رؤية واضحة للنظام الذي يجب أن تكون عليه وكيفية الحفاظ عليها وطريقة التعامل بها.

وفي عام 2007 تفجرت أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة والتي كانت بسبب تسابق البنوك فيها على منح قروض بمستوى ائتماني متدني، لتهدد قطاع العقارات ثم البنوك والأسواق المالية فيها، ليتأثر للاقتصاد العالمي ككل بسبب ارتباطه بالدولار، كانت هذه الأزمة سبباً في إعادة المحاولة لطرح العملات الرقمية، للحد من تحكم الدولار في الأسواق المالية واعتراضاً على طريقة إصداره على مزاج الحكومات الأمريكية دون رصيد مقابل من المعادن الثمينة.

في عام أواخر العام 2008 قام شخص مجهول سمى نفسه “ساتوشي ناكاموتو” بوضع أيميل على مجموعة بريدية مشفرة مهتمة بإصدار العملات الرقمية ونشر ورقة بيضاء لنظام نقدي الكتروني لامركزي أطلق عليه اسم “بيتكوين”، وطلب من المهتمين بهذا الأمر مراسلته وخلال السنة الأولى لم يتواصل معه إلا عدد قليل جداً، ونتيجة الأزمات الاقتصادية المتلاحقة أقبل العديد لاحقاً على الاهتمام بها وشرائها لتصبح أمراً واقعاً.

وفي حقيقتها هي عبارة عملات رقمية افتراضية مشفرة ضمن نظام مفتوح وفي متناول الجميع، تستطيع نقل رصيدك أو جزء منه إلى أخر بسهولة جداً دون تدخل أو رقابة من أي أحد ومن غير وسيط وخلال عدة ثواني، وتكون هذه الأرصدة ضمن محافظ إلكترونية محمية بخوارزميات معقدة، وكل منها له عنوان عام وأخر خاص، الأول عبارة عن تعريف عنها بما يشبه “Link” الخاص بحساب أحدنا على الفيس بوك ويستطيع أي شخص من خلاله معرفة رصيد صاحبه وإرسال رصيد إضافي له ولا يستطيع سحب شيء من رصيد هذه المحفظة، والأخر خاص بصاحب المحفظة يستطيع من يحصل عليه التحكم بحساب المحفظة بشكل مطلق، أما معلومات التداول ورصيد الحسابات وجميع المعلومات المتعلقة تحفظ وتوثق في الآلاف من أجهزة الكمبيوتر المنتشرة لمستخدميها حول العالم ولا تتبع إلى دولة أو مؤسسة معينة بل يستطيع أي فرد لديه جهاز كمبيوتر أن يحفظها مما يجعل الاحتيال فيها أو تزويرها أشبه بالمستحيل.


ومن أبرز المخاطر التي تواجه التعامل بهذه العملات عدم وجود قانون ناظم لها، ويستطيع أي شخص أن ينتج من هذه العملات في دقائق عن طريق مصممين مختصين على شبكات التواصل الاجتماعي إذا استطاع الترويج لها، وقد يكون هدفه الاحتيال وجمع الأموال من خلالها، ويصل عدد العملات حتى اليوم ما يقارب الأربعة ألاف عملة، أبرزها “البيتكوين (Bitcoin)-الإيثريوم (Ethereum)- الريبل (Ripple)-الليتكوين (Litecoin)-كاردانو (Cardano)”، وسبب شهرة الـ “بتكوين” لأنها أول عملة رقمية طرحت في الأسواق كما نجح عدد من متداوليها في الوصول إلى الثراء بوقت قياسي بسبب ارتفاع قيمتها 4000%، ففي بداية العام 2017 كان سعر البتكوين الواحد 1000$ ومن ثم ناهز سعره 20000$،  أما سعره الأن ما يقارب 3400$، كما ترتبط قيمة جميع الفئات الأخرى به صعوداً وهبوطاً بسبب الموثوقية التي أكتسبها وكثرة متداوليه وسعره المرتفع مقارنة مع غيره من العملات المشابهة.

أما بالنسبة لعملية شراء أو امتلاك العملات الرقمية فهو متاح لكل من يرغب عبر مواقع إلكترونية أو شركات مختصة في هذا المجال، أو عن طريق المالكين لها والاتفاق معهم على تفاصيل وكيفية عمليات البيع والشراء، يكفي فقط أن تمتلك محفظة على جهازك والتي تستطيع أن تنشئها من أحد المواقع المختصة بذلك مجاناً.


العملات الرقمية أدت إلى تغيير حقيقي في مفهوم الحرية المالية، وهي مفيدة جداً في التعاملات في الحالات المشابهة لنا في سورية حيث يقوم نظام الأسد بإحكام القبضة الأمنية على الحوالات المالية وملاحقة أصحابها وإلزام من يسمح له بالتحويل بسعر المصرف المركزي الذي تتحكم به دوائره المخابراتية، كما كان يفرض اتاوات على الأموال المتجهة إلى مناطق المعارضة التي كان يحاصرها، وكانت نسبة الفائدة التي يتقاضها سماسرة التحويل تصل إلى 10 بالمئة من قيمة المبلغ ،وأيضاً لا يخفى على أحد المشاكل والملاحقات من الدول التي تفرض حظراً على التعاملات المالية، فمجرد ذكر اسم سوريا في أي معاملة تدور حولها الشبهات ويتعرض أصحابها للملاحقات والمضايقات في أفضل الأحوال، أما التعامل بالعملات الرقمية لا يحتاج إلا إلى جهاز ذكي متصل بشبكة الأنترنت.

عندما يقوم أحدنا بالإقدام على عمل معين يتوجب عليه معرفة تفاصيله، وكذلك الدخول في سوق العملات الرقمية يتطلب مهارات في التعامل وكيفية تمييز الحقيقية منها من المزيفة، وهي مثل غيرها من العملات لها ما لها وعليها ما عليها، وتشبه إلى حد ما التداولات والمضاربات في سوق البورصة، ويتوقف خيرها أو شرها على ما تستخدم به، فمثلاً لو استخدمت في تمويل الحروب والعصابات الإرهابية ستكون وبالاً، ولو استخدمت في دعم منظمات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية فحكماً سيعود نفعها على المجتمع برمته، أما بالنسبة إلى ازدياد فاعليتها وقيمتها مرهون بعدد مستخدميها والدول التي تقبل التعامل بها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*