إعادة إعمار سوريا.. كيف يستفيد نظام الأسد من الدمار

منظمة تبنى ثورة – د. يوسف ضاهر

كثيرون في العالم، والكثير من السوريين، يودون لو تبدأ إعـادة الإعمار في البلاد التي أحالتها ثماني سنوات من الحرب الأهلية ركاماً.

لكن بدلاً من أن تكون إعادة الإعمار فرصة لعودة المهجرين إلى ديارهم، تقوم الحكومة السورية باستخدامها بشكل انتقائي من أجل الإثراء والمكافأة والعقاب.

مقدمة:

بعد حوالي ثماني سنوات على بدء النزاع في سوريا، يبدو الوضع الاجتماعي – الاقتصادي أكثر كارثية من أي وقت مضى، في حزيران 2018 قدر البنك الدولي أن حوالي ثلث المباني وما يقرب من نصف المـدارس والمستشفيات في سوريا تضررت أو تدمرت جراء النزاع، في حين خسر الاقتصاد 2.1 مليون وظيفة حقيقية ومحتملة بين عامي 2010 و 2015، وفي 2015 وصلت نسبة البطالة إلى 55% وارتفعت البطالة بين الشباب من 69% في 2013 إلى 78% في 2015، لقد أدى ارتفاع معدل البطالة وانعدام فرص العمل وغلاء المعيشة إلى تشجيع بعض الشباب المتبقين في سوريا على الانضمام إلى الجيش أو الميليشيات الموالية للنظام، خاصة وأن راتب الفرد في الميليشيا يبلغ في بعض الأحيان أربع أضعاف راتب الأستاذ الجامعي.

لم تكن الأهداف الأولى التي أطلقتها الانتفاضة الشعبية في آذار 2011 في سوريا من ديمقراطية وعدالة اجتماعية ومساواة أبعد منالا من الآن، لقد أفضت عدة مفاوضات دبلوماسية إلى تأييد العمليات الداعمة للنظام في دمشق، في حين توافق معظم الدول الإقليمية والدولية على واقع بقاء الرئيس السوري الحالي بشار الأسد في السلطة.

مئات آلاف السوريين فقدوا أرواحهم، وأكثر من نصف سكان سوريا نزحوا داخلياً أو لجأوا خارج البلاد، وبذلك تغيرت البنية السكانية لمدن سورية بأكملها، وهي الظاهرة التي يشار إليها باسم “الهندسة الديموغرافية” وهو أمر ذو دوافع سياسية بشكل أساسي – وليست طائفية كما يتواتر الحديث من حين لآخر– حيث يهدف إلى منع عودة قطاعات من النازحين واللاجئين المعادين للنظام، هذه الهندسة الديموغرافية الاجتماعية – السياسية تترافق مع مجموعة من الإجــراءات التشريعية التي تقيد بشكل كبير حقوق الإسكان والملكية لسكان سوريا.

في هذا السياق، يضغط النظام من أجل صفقة إعادة إعمار تثبت الوقائع على الأرض، إذا جاز التعبير، وتكافئ حلفاءه المحليين والدوليين، وفي الوقت نفسه تغطي مسارح جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت ويتحمل النظام مسؤوليتها إلى حد كبير.

ومع ذلك، ليس بإمكان حلفاء النظام الإقليميين والدوليين – تحديدًا إيران وروسيا – تمويل التكاليف الهائلة لإعادة إعمار سوريا لوحدهم.

في منتصف 2018 قدرت هذه التكاليف بما يصل إلى 400 مليار دولار، لذلك يتم الضغط على قوى غربية لتلتزم بتمويل إعادة الإعمار في سوريا، وتلقائيًا بتطبيع علاقاتها مع النظام السوري.

تهدف هذه المقالة إلى تسليط الضوء على سياسات النظام السوري الأخيرة بشأن حقوق السكان المحليين في الإسكان والأرض والملكية، والتي يحاول من خلالها الاستفادة من الدمار الحاصل في البلاد.

ستبين كيف تؤسس هذه السياسات لإعادة إعمار ذات دوافع سياسية لا صلة لها باحتياجات السوريين بشكل عام – وخاصة أولئك الذين عانوا من الدمار والتهجير– معززة قدرة النظام على الاحتفاظ بسيطرته السياسية.

تفيد هذه السياسات أيضًا الجهات الفاعلة المغذية للنزاع السوري، ستجادل المقالة بأن أي تمويل غير مشروط لإعادة الإعمار في السياق الحالي سيعزز سلطة النظام وسيطرته على المجتمع، مع تعميق المشاكل السياسية والاجتماعية – الاقتصادية القائمة التي كانت الجذر الرئيسي لانتفاضة 2011.

 

أولا- قوانين المحاسيب والحلفاء لتسهيل السلب والإخلاء

  • المرسوم 66: الأساس القانوني لسلب الملكية في دمشق

أصدر النظام سلسلة من المراسيم والقوانين التي تسمح له بالاستفادة من إعادة الإعمار، من هذا المنظور، يمثل المرسوم التشريعي 66 والذي دخل حيز التنفيذ في أيلول 2012، خطوة حاسمة لأنه سمح للحكومة بـ “إعادة تصميم مناطق الإسكان غير المرخص بها أو غير القانونية” واستبدالها بمشاريع عقارية “حديثة” بخدمات عالية الجودة.

تم استلهام المرسوم جزئيًا من المخطط الشامل للإسكان في دمشق الموضوع عام 2007 دون أن يتم تنفيذها بسبب انتفاضة 2011 وقد سمح المرسوم لمحافظة دمشق في البداية بطرد سكان منطقتين كبيرتين في دمشق، بما في ذلك بساتين الرازي في منطقة المزة، لإقامة مشروع عقاري فاره يسمى ماروتا سيتي.

وبينما تعاني المناطق التي يسكنها أنصار النظام من ظروف معيشية لا تقل سوءًا، يشير المرسوم 66 بشكل أكثر تحديدًا إلى منطقتين تمتلكان إمكانات هائلة على شكل فرص عقارية مربحة: الأراضي الزراعية غير المستغلة والمساكن العشوائية القريبة من وسط دمشق، كان سكان هذه المناطق في الغالب من الطبقات العاملة والوسطى والدنيا الداعمة للمعارضة رسميًا، تزعم السلطات السورية أن مشروع ماروتا سيتي سيحسن ظروفهم المعيشية، مستبدلا البيوت والبنايات العشوائية بعقارات مريحة وحديث، لكن بعيدًا عن التصريحات الرسمية، تتوجه خطة بناء 12 ألف وحدة سكنية لنحو 60 ألف شخص بالأساس للأسر ذات الدخل المرتفع في حي بساتين الرازي، حيث يتراوح سعر المتر المربع الواحد بين 300 ألف و 500 ألف ليرة سورية وفقًا لنصوح النابلسي رئيس شركة شام القابضة، ويعتقد النابلسي أن عقارات ماروتا سيتي قد تصبح الأغلى في سوريا على المدى المتوسط والطويل، ووفقًا للسلطات السورية سيتم إنشاء 110  آلاف فرصة عمل و 27 ألف وظيفة دائمة بفعل المشروع، بما في ذلك مدارس ومطاعم ودور عبادة وحتى موقف سيارات متعدد الطوابق ومركز للتسوق.

ينص المرسوم 66 على تقديم تعويض للسكان الأصليين: سيكون لهم الحق في مساكن جديدة ستبنى في مكان غير محدد حتى الآن، وسيحصلون على بدل إيجار سنوي إلى حين اكتمال بناء مساكنهم الجديدة، يدفعها لهم صندوق خـاص تنشئه محافظة دمشق، أما الأشخاص غير المؤهلين لبدل الإيجار فسيحصلون على ما يعادل إيجار سنتين، يتم دفعها في موعد لا يتجاوز شهرًا واحدًا بعد تلقي إشعار الإخلاء. ومع ذلك لا يحدد المرسوم 66 الشروط التي يعتبر السكان بموجبها مؤهلين للمساكن الجديدة، وفي الواقع يشتكي الكثير من سكان المنطقة منذ سنوات من عدم وجود إسكان بديل، فضلا عن أنهم ببساطة لم يجدوا أي سكن في مناطق أخرى، بل إن هذه الشكاوى بثت حتى على التلفزيون الحكومي أو الموالي للنظام، وبالنسبة للمقيمين السابقين الذين أجبروا على مغادرة المنطقة والعيش خارج البلاد فلن يحصلوا على أي تعويض على الإطلاق.

في تموز 2018 وبعد الاستيلاء التام لقوات النظام على ريف دمشق، أعلنت محافظة دمشق عن خطة إعادة إعمار أخرى باسم باسيليا سيتي، يفترض أن تبلغ مساحة هذا المشروع في جنوب دمشق 9 ملايين متر مربع، وأن يشمل حوالي 4 آلاف وحدة عقارية، وكما حدث في حالة ماروتا سيتي، تم إخلاء السكان المحليين في بعض المناطق المخصصة لتطوير باسيليا سيتي، وهم يعانون من نفس مشاكل الذين أُخلوا من ماروتا سيتي على مستوى الإسكان البديل.

 

  • القانون رقم 10: التوسيع الوطني للمرسوم 66

في نيسان 2018 أصدر نظام الأسد القانون رقم 10 وهو في الأساس النسخة المعممة والمعدلة للمرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012، حيث ينص على أن على مالكي العقارات أن يقدموا صكوك ملكيتهم إلـى السلطات المختصة  –وحدات الإدارة المحلية – خلال عام واحد، كان الموعد النهائي الأولي 30 يومًا، ولم يتم التمديد لسنة كاملة إلا في بداية تشرين الثاني 2018 بعد ضغوط عمومية وسياسية كبيرة، وفي حال لم يتمكن مالكو العقارات من الحضور شخصيًا، يمكن أن ينوب عنهم أقاربهم أو أن يمثلهم محامون، كل من ينجحون في إثبات ملكيتهم سيحصلون على حصص في المنطقة وسيتاح لهم بحسب هيومن رايتس ووتش إما “1- تسجيل المقسم بأسمائهم والحصول على حصة من الأرباح من إعادة الإعمار 2- بيع حصصهم ضمن مزاد علني أو 3- إنشاء شركة مساهمين للاستثمار وإعمار المقسم، على المساهمين في مقسم في المنطقة التنظيمية الاتفاق على خيار واحد”، يتوجب على سكان هذه المناطق المغادرة، ووفقًا للقانون رقم 10 سيحصلون على تعويض من السلطات المحلية تعادل سنتي الإيجار في حال لم يكونوا مؤهلين للحصول على سكن بديل، وسيتم نقل المستأجرين الذين لهم الحق في سكن بديل إلى ذلك المسكن في غضون أربع سنوات، وستتم تغطية إيجارهم أيضًا في هذه الأثناء، إلا أن القانون يغفل مرة أخرى التفاصيل الخاصة بالشروط المؤهلة للحصول على سكن بديل، والمعايير التي ستتخذ بشأنها مثل هذه القرارات، وكما في حالة ماروتا سيتي، لم تكن مسألة العثور على سكن بديل وتعويض سهلة على الإطلاق.

لعل طريقة تعامل القانون مع الذين يفشلون في إثبات ملكيتهم هي الأكثر أهمية، فبموجب هذا القانون، لن يتم تعويض هؤلاء وسترجع ملكيتهم إلى الناحية أو البلدة أو المدينة التي يقع فيها العقار.

إن الغرض الرئيسي من هذا القانون هو السماح بمصادرة العقارات التي غادرها المدنيون النازحون في سوريا أو المهجرون خارج البلاد – خاصة في المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة، بهذه الطريقة يشرع القانون رقم 10 تسجيل الأراضي الجديدة ويستثني مجموعة كبيرة من أصحاب العقارات من السجلات العقارية المحلية، وعبر تغيير الهيكل الإداري يمكن للدولة الاستيلاء بسهولة أكبر على عقارات المدنيين الذين اضطروا إلى الفرار.

مثل القانون رقم 10 توسعة للمرسوم التشريعي  66نحو جميع أنحاء البلاد، بمعنى أنه يمكن لجميع الوحدات الإدارية المحلية في جميع أنحاء سوريا، مثل مجالس المدن والمحافظات، إعادة تشكيل مناطق التطوير العقاري الواقعة ضمن حدودها الإدارية ومن ثم سلب السكان ممتلكاتهم وإعـادة بنائها. وفي مقابلة مع صحيفة الوطن الموالية للنظام في 9 نيسان 2018 أعلن وزير الإدارة المحلية والبيئة حسين مخلوف أن المناطق الثلاث الأولى التي ستدرج في مناطق التطوير العقاري الجديدة هي ضاحية بابا عمرو في حمص، وأجزاء من مدينة حلب، ومدينة حرستا في الغوطة الشرقية، وقد كانت كل هذه المناطق معاقل هامة وذات رمزية عالية بالنسبة للمعارضة.

في أيلول 2018 أصدر مجلس محافظة دمشق تقريرًا أعلن فيه عن خطط هدم وإعـادة بناء بموجب القانون رقم 10 تستهدف هذه الخطط حي التضامن في دمشق، والذي يعتبر سكانه خليطًا من أنصار ومعارضي نظام الأسد، وقد أعلن رئيس مجلس المحافظة فيصل سرور أن هناك 3,500 مسكن صالح للسكن ويمكن للمقيمين الذين يثبتون ملكية تلك العقارات العودة إليها، كل شخص آخر بيته غير قابل للسكن أو مدمر لن يتمكن من العودة، وستستغرق إعادة الإعمار المخطط لها ما بين أربع وخمس سنوات. وقد عبر سكان حي التضامن عن رفض شديد لتقرير المجلس، مؤكدين أنهم سيطعنون في القرار قانونيًا ويذهبون إلى القضاء، أما المناطق الأخرى من دمشق – مثل جوبر وبرزة والقابون – فمن المقرر أيضًا النظر في إعادة بنائها بموجب القانون رقم 10 بداية عام 2019.

 

ج- قوانين لجذب المطورين العقاريين وغيرهم من المستثمرين

بالإضافة للمرسوم التشريعي رقم 66 والقانون رقم 10 يستخدم نظام الأسد أيضًا مجموعة أخرى من القوانين الرامية إلى التلاعب بحقوق الإسكان والملكية ونقلها وسلب السكان. في حماة على سبيل المثال، تم الإعلان عن مشروع تطوير عقاري في تشرين الأول 2018 في حي وادي الجوز، وهو منطقة مدمرة بالكامل منذ استولت عليها قوات النظام عام 2013 استند المشروع إلى قانون التخطيط العمراني رقم 5 لعام 1982 ويشمل المشروع بناء 2,400 شقة سكنية بقيمة 40  مليار ليرة سورية (حوالي 77.4 مليون دولار)، ضمن ما يعرف باسم الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

تعني الشراكة بين القطاع والخاص تولي كيان خاص إدارة المشروع مع تقديم شكل من أشكال الخدمات الحكومية، يقوم الشريك الخاص بالمخاطرة ولكنه أيضًا يحقق أرباحًا، يوفر القانون رقم 5 لعام 2016 حول التشاركية بين القطاعين العام والخاص إطارًا قانونيًا أساسيًا لأعمال إعادة الإعمار، حيث يسمح بترتيبات تعاقدية بين جهات حكومية ومؤسسات القطاع الخاص، أساسًا من خلال الشركات القابضة.

يمكن تنفيذ مشاريع تطوير سكنية من قبل شركات قابضة مملوكة للمحافظات أو البلديات، ولكن من المرجح أن يتم التعاقد على بناء وإدارة المشاريع مع شركات قطاع خاص مملوكة لمستثمرين نافذين مرتبطين بالنظام، شركات مثل دمشق الشام القابضة والتي تدير مشاريع إعادة الإعمار الكبرى مثل ماروتا سيتي وباسيليا سيتي، قائمة بموجب هذا القانون.

وبالمثل، في خريف 2018 أعلن مجلس مدينة حلب عن تطوير مقاسم الحيدرية العشوائية شمال شرق المدينة القديمة، كان حي الحيدرية من أكبر الأحياء العشوائية في البلاد، وقد خضع لسيطرة المعارضة خلال معظم فترات النزاع إلى أن دمر بالكامل نتيجة قصف قوات النظام والطيران الروسي، وسيتم تنفيذ مشروع إعادة الإعمار هذا وفقًا لقانون التطوير والاستثمار العقاري رقم 15 لعام 2008 والذي يوفر إطارًا لمشاريع عقارية كبيرة وينظم إنشاء مناطق تطوير واستثمار فيها، وقد تمت مصادرة الأرض التي تستهدفها عملية إعادة الإعمار هذه دون تقديم أي معلومات أو تعويضات لسكانها السابقين، والذين غادر معظمهم المدينة أو البلاد ولم يعودوا حتى كتابة هذه السطور.

ثانيا- تدمير لإعادة الإعمار؟ الأهداف السياسية لإعادة الإعمار

يسمح هذا الإطـار المفصل للقوانين بمصادرة مناطق واسعة، ويمكن استخدامه كأداة فعالة لمشاريع التطوير السريعة والكبيرة التي ستعود بالفائدة على محاسيب النظام وتجتذب التمويل الأجنبي المحتمل، لكن هذه القوانين تعمل أيضًا على طرد ومعاقبة السكان المعروفين بمعارضتهم للنظام، فالغالبية العظمى من الفئات المعنية تنحدر من خلفيات مسلمة سنية في مناطق ريفية فقيرة وبلدات متوسطة الحجم، فضلا عن ضواحي دمشق وحلب، لا يعني هذا أن النظام يعادي السنة عالميًا او الهوية السنية بحد ذاتها، بل جماهير معينة معادية له، ستحل محل هذه الجماهير طبقات اجتماعية غنية ونخب جديدة أفرزتها الحرب، وهم أقل ميلا بوجه عام للوقوف بوجه النظام.

 

  • إثبات الملكية الصعب

من الأمور التي تصعب عودة المدنيين إلى مناطق معينة، التدابير التي وضعتها مختلف المؤسسات الأمنية للنظام، فقد شهدت الحرب إتلافًا في سجلات الأراضي السورية – أحيانًا عمدًا من قبل قوات موالية للنظام في المناطق المستعادة – مما يعقد على السكان مهمة إثبات ملكيتهم، على سبيل المثال، بحسب تقرير لهيومن رايتس ووتش، لم يسمح لسكان داريا السابقين بالعودة إليها رغم حيازتهم لسندات ملكية، كما بقيت بعض الأحياء في القابون محظورة على السكان، في حين تجري عمليات هدم في بعض المناطق منذ استعاد النظام الحي في 2017  ووفقًا لتقديرات وزارة الإدارة المحلية ما قبل الحرب، فإن حوالي 50% فقط من الأراضي في سوريا كان مسجلة رسميًا، هناك 40% أخرى لها حدود مرسمة لكنها غير مسجلة بعد. تمثل سجلات الأراضي معلومات مدونة على أوراق قلما كان يتم الاحتفاظ بها بالشكل الأنسب، لقد فقد قسم كبير من النازحين وثائق وسندات ملكيتهم، حتى في حال كانت موجودة لديهم أصلا، وبحسب لورا كونيال، الخبيرة في شؤون القانون والإسـكان في المجلس النرويجي للاجئين، حوالي نصف اللاجئين السوريين الذين شملهم استطلاع المجلس النرويجي للاجئين ووكالة الأمم المتحدة للاجئين عام 2017 قالوا إن منازلهم تدمرت أو تضررت بشكل لا يمكن إصلاحه نتيجة الحرب، في حين ذكر 9% فقط أن لديهم صكوك ملكية بحالة جيدة، شرائح واسعة من هؤلاء اللاجئين أتوا من مناطق سكنية عشوائية، تمثل حوالي 40% من جميع الوحدات السكنية في سوريا.

 ومع ذلك، حتى أولئك الذين يملكون الوثائق اللازمة، كثيرًا ما يجدون صعوبة في الوصول إلى ممتلكاتهم، فغالبًا ما تتطلب عملية الدخول إلى المناطق التي يسيطر عليها النظام تصاريح دخـول من مختلف فـروع الأمـن من أجل عبور الحواجز، تشمل هذه العملية حالات ابتزاز ورشوة وتهديد بالاعتقال، كما تتم مطالبة السكان بدفع فواتير الكهرباء والهاتف والماء طوال سنوات غيابهم خلال الحرب، والتي غالبًا ما تصل إلى  %50من تكلفة هذه الأصول.

 

  • قانون مكافحة الإرهاب لعام 2012: التمييز والتجريم ومصادرة الأصول

ومن الواضح أيضًا أن عودة نشطاء المعارضة ومؤيدي الانتفاضة غير واردة بسبب الخوف من الاعتقال والتعذيب، كما لا يتصور حصولهم على تعويض مالي من قبل الدولة عن ممتلكاتهم المفقودة نظرًا لأنشطتهم السياسية السابقة، في هذا الإطار، يسمح المرسوم التشريعي رقم 36 لعام 2012 لوزارة المالية السورية بالاستيلاء على الأصول والممتلكات التي تعود لأفراد يشتبه في أنهم إرهابيون، يتم تعريف هؤلاء بموجب القانون رقم 19 لعام 2012 المعروف باسم قانون مكافحة الإرهاب، ووفقًا لهيومن رايتس ووتش فإن هذا القانون ينص على “تفسير فضفاض لما يعنيه الإرهاب، مجرمًا بشكل غير عادل شريحة كبيرة من السكان دون أي حق بإجراءات التقاضي السليمة أو المحاكمة العادلة”.

ج- إعـادة الإعمار في حمص وحلب: فرص تجارية للمحاسيب وليس إعادة إعمار للنازحين واللاجئين

حمص: من معقل المعارضة السابق إلى مساكن فارهة

وتركز خطة إعادة الإعمار في حمص على ثلاثة من أكثر المناطق دمارًا في المدينة – بابا عمرو والسلطانية وجوبر– حيث سيعاد بناء 465 مبنى، بقدرة استيعابية تصل إلى 75 ألف شخص وبتكلفة قدرها 4 مليار دولار، وفقًا لمحافظ حمص طلال بـــرازي.

استلهمت الخطة الجديدة من مشروع سابق يعرف باسم حلم حمص جاء به محافظ حمص السابق عديم الشعبية إياد غزال، قام بشار الأسد بإقالة غزال في بداية مظاهرات 2011 وقد كان ذلك مطلبًا رئيسيًا في مظاهرات المدينة وقتذاك، تم إطلاق مشروع حلم حمص عام 2007 كفرصة لاحتضان التحديث والتحسين العمراني عبر تدمير أجـزاء من وسط المدينة وإعادة بنائها، وقد جوبه المشروع في ذلك الحين برفض شرائح مهمة من السكان المحليين، حيث لم يضمن المشروع للمقيمين حق الإقامة في أحيائهم المأهولة تقليديًا من طبقات وسطى، وبدلا من ذلك، اقترحت البلدية مساكن بديلة في أحياء أخرى أو “تعويضات مالية”، الأمر الذي أثار مخاوف من أن يؤدي المخطط الشامل هذا إلى شكل من أشكال الترقية العمرانية الطاردة للفقراء والتي ستحول دون عودة السكان إلى ديارهم، وقد انتقد بعض السكان المحليين مخطط حلم حمص من باب أنه يستخدم التخطيط العمراني لدفع السنة والمسيحيين لمغادرة المناطق المركزية في المدينة، مع ترك المناطق العلوية بمنأى عن أي تخطيط.

في تشرين الأول 2018 أعلن مجلس مدينة حمص على صفحته الرسمية على فيسبوك أنه، كجزء من عملية إعادة الإعمار، بصدد وضع اللمسات الأخيرة على خطط تقسيم تشمل ثلاثًا من مناطق المدينة (هي جورة الشياح والقرابيص والقصور)، والتي كانت جميعها خاضعة لسيطرة المعارضة سابقًا وما تزال اليوم شبه فارغة ولم يعد إليها أي من سكانها السابقين، وأضاف المجلس أن على أصحاب العقارات الراغبين بالحصول على تصاريح بناء أو هدم التقدم بطلب الحصول على تراخيص من مجلس المدينة.

 

إعادة الإعمار في حلب: الأنقاض شرق المدينة خارج الاهتمام

في حلب، تم تدمير أكثر من 50% من المباني والبنى التحتية جزئيًا أو كليًا، وفقًا لتقييم أولي للبلدية أجري في كانون الثاني 2017، تعرضت قطاعات كبيرة من سكان الأحياء الشرقية إلى التهجير نحو مناطق أخرى، أو ببساطة غادروا أو فروا من العمليات القتالية، تقلص عدد سكان حلب إلى حوالي الثلث، من أصل 3 ملايين نسمة قبل الحرب، حيث نزح ما يقرب من مليوني شخص خارج المدينة وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة أواخر2017، دمر حوالي 44% من مساكن المدينة وتضرر 86% من البنية التحتية التجارية، بحسب تقديرات الأمم المتحدة أيضًا من عام 2017، القسم الأكبر من الأضرار كان في المناطق الشرقية والتي تقع فيها معظم المساكن العشوائية في المدينة، ومع ذلك، من بين المناطق الخمس عشرة “ذات الاولوية” التي اقترحتها الحكومة السورية لإعادة الإعمار، ثمانية منها ليست في حلب الشرقية، المناطق ذات الأولوية هي أحياء غرب ووسط المدينة، والتي لم تتعرض لنفس درجة الدمار التي تعرضت لها أحياء الشرق الأثنان وخمسون التي سيطرت عليها قـوات النظام وحلفائه في كانون الأول 2016.

 وذكرت وكالة الأنباء السورية سانا في تموز 2017 أن الحكومة خصصت مبلغ 25 مليار ليرة (حوالي84,5  مليون دولار) لعقود إعادة الإعمار في حلب، وبعد زيارة رئيس الـوزراء السوري عماد خميس و 16 وزيرًا في أوائل كانون الثاني 2018 أعلنت الحكومة السورية أن حصة حلب من ميزانية 2018 ستكون 40 مليار ليرة (حوالي 77,4 مليون دولار) مكرسة لإعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات ومشاريع إعادة الإعمار، لا يمثل الرقمان سوى حفنة ضئيلة من مليارات الـدولارات المطلوبة والتي تقدر بأكثر من 5 مليار دولار، وربما أكثر بكثير، وقد تبلغ عشرات المليارات، على أية حال، الكثير من هذه الاستثمارات لن تعود بالنفع على المناطق الأكثر تضررًا في حلب الشرقية، بل ستذهب إلى مناطق غرب ووسط حلب التي يقطنها سكان تاريخيًا لا يعارضون النظام.

 

ثالثا- مكافأة الحلفاء: فوائد إعادة الإعمار لمحاسيب النظام المقربين

كذلك تمثل عملية إعادة الإعمار أداة مهمة بيد النظام لمكافأة الذين دأبوا على دعمه خلال السنوات القليلة الماضية، برز العديد من رجال الأعمال المرتبطين بالنظام بشكل متزايد في الأخبار المتعلقة بمشاريع إعادة الإعمار، معظم هؤلاء وجوه جديدة، لا تنتمي لشبكات نخبة الأعمال التي شكلها آل الأسد على مدى عقود والتي راكمت ثرواتها قبل الانتفاضة، يتضح ذلك أكثر مع تقدم عملية إعادة الإعمار، أهم هؤلاء الشخصيات الصاعدة هو سامر فوز، والذي أصبح أحد أكثر رجال الأعمال نفوذًا في البلاد خلال السنوات الثماني الماضية، هو نجل عضو سني في فرع حزب البعث في اللاذقية، حيث كان والده مقربًا من حافظ الأسد والد بشار، وقد صرح العديد من رجال الأعمال المقيمين في سوريا ودبي لصحيفة فايننشال تايمز اللندنية أن لدى فوز عالقات وثيقة مع نظام الأسد، فقبل انتفاضة 2011 كـان فـوز يملك مجموعة أمان القابضة وتجارة سلع غذائية، وبسبب صلاته الوثيقة ببشار الأسـد، ولأنـه تمكن من تجنب العقوبات الدولية، أصبح شخصية اقتصادية مهمة للغاية خلال الحرب، “استفادت شركة فوز بشكل هائل من العقود الحكومية، وتصرفت كوسيط لصفقات الحبوب مع المؤسسة العامة لتجارة وتصنيع الحبوب، كما عمل فوز كوسيط في صفقات قمح بين حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وتنظيم داعش المتطرف، وشارك في شراء أصول رجال الأعمال الذين غادروا سوريا أو لم يعودوا مؤيدين لنظامها أو عانوا من صعوبات معه، لقد توسعت أعمال فوز بسرعة هائلة وتوسعت إلى ما يتجاوز استيراد وتجارة الحبوب ومواد البناء لتشمل الطيران وصناعة الكابلات والصلب والسكر وتجميع وتوزيع السيارات وإدارة الفنادق والتطوير العقاري والمستحضرات الصيدلانية. في آب 2017 ،أعلنت مجموعة أمان مشاركتها في إعادة إعمار منطقة بساتين الرازي في دمشق، جنبًا إلى جنب مع محافظة دمشق وشركة دمشق الشام القابضة، كما أعلنت شركة أمان دمشق، المنشأة من قبل مجموعة أمان من أجل هذا المشروع، عن رأسمال يبلغ 18.9 مليون دولار. وفي تشرين الثاني منحت شركة دمشق الشام القابضة مجموعة أمان الحق في تطوير عقارات تبلغ قيمتها حوالي 312 مليون دولار كجزء من مشروع بساتين الرازي، لكن فوز ليس سوى حلقة بــارزة من مسلسل طويل من المحسوبيات المستفيدة من صفقات إعادة الإعمار في سوريا، ثمة العديد من الأمثلة على موالين للنظام أبرموا صفقات مميزة مع شركة دمشق الشام القابضة، العديد منها عبر نفس المسار: يتم نقل الأصول العامة إلى شركات خاصة تتمتع بعلاقات وثيقة مع النظام من خلال شراكة القطاعين العام والخاص. في الأثناء التي يتعرض الناس العاديون للسلب والطرد من منازلهم وتصبح عودة المعارضين السياسيين مستحيلة. من الأمثلة الأخرى على هؤلاء خالد الزبيدي ونادر قلعي، والذين تستفيد شركتاهما زبيدي وقلعي م.م، من عقود مربحة مع دمشق الشام القابضة، وأيضًا كجزء من إعــادة إعمار بساتين الــرازي. نـادر قلعي هو رجل أعمال سني مقيم في دمشق ويتمتع بعلاقات قوية مع النظام، أما مازن الترزي المقيم في الكويت فهو رجل أعمال سوري آخر موال للنظام وينشط ضمن مجموعة متنوعة من القطاعات الاقتصادية الحيوية، وقد سمح له ببناء مركز تسوق بلغت مساحته 120 ألف متر مربع بالإضافة لستة عقارات أخرى. كذلك طلس غروب المملوكة لرجل الأعمال أنس طلس استفادت من اتفاقات مماثلة لتطوير ماروتا سيتي. ثمة تشابهات بين الترزي وطلس، بما في ذلك الثروة المجموعة في دول الخليج والشهرة شبه المعدومة في سوريا قبل 2011، جزئيًا لأن نشاطهم الرئيسي قبل هذه الصفقات الأخيرة لم يكن ذا علاقة بالعقارات، تلعب البنوك الخاصة أيضًا دورًا أساسيًا في هذا المشهد، في شباط 2018، أعلنت شركة دمشق الشام القابضة عن تعاونها مع بنك البركة– سوريا لإنشاء شركة تمويل عقاري من شأنها المساهمة في تمويل مشروع تطوير ماروتا سيتي. يرأس بنك البركة سوريا محمد الحلبي، وهو نائب رئيس بنك سوريا الدولي الإسلامي سابقًا والخاضع للعقوبات الدولية منذ 2011 و  2012 لدوره كواجهة المصرف التجاري السوري المملوك من قبل النظام – حيث كان الأخير طرفًا في شراء أسلحة دمار شامل وأسلحة أخرى.

 

رابعا: إعادة إعمار دون أصول عامة واستقرار؟

  • الإفلاس: الحكومة السورية بحاجة إلى المال لإعادة الإعمار

رغم كل ما سبق، ما تزال الاستثمارات العامة والخاصة غير كافية لإعادة بناء البلاد، وما تزال الدولة السورية نفسها تعاني من نقص كبير في التمويل. إن ضريبة إعادة الإعمار التي بدأ تطبيقها عام 2013، وكان من المفترض أن تطبق في البداية لثلاث سنوات فقط على مجموعة من الضرائب والرسوم، ارتفعت في كانون الأول2017  لتبلغ 10% ولكنها ما تزال غير قادرة على حل المشكلة، فهي تدر مالا يتجاوز 13 مليون ليرة، أي مجرد 0.5%من الميزانية الوطنية لعام 2017 والبالغة 2,660 مليار ليرة، كما يتبدى غياب التمويل الوطني في مطالبة النظام بمشاركة السكان المحليين مباشرة في إعادة الإعمار. على سبيل المـثال، في أيلول 2018، صرح سهيل عبد اللطيف، رئيس المؤسسة العامة للإسكان الحكومية، أن مؤسسته تعاقدت مع محافظة ريف دمشق (أي البلدية التي تدير الريف المحيط بالمدينة) لإعادة تأهيل 175 بناء في حي عدرا العمالية بدمشق، والذي يعتبر بمعظمه معقلا من معاقل النظام وتقطنه بشكل رئيسي أقليات دينية ولاسيما العلويون. في هذه الحالة طلب من أصحاب المنازل دفع 40% من تكاليف إعادة إعمار ممتلكاتهم، مقابل 60% تتولى دفعها الدولة. كما أصبحت الحكومة أكثر اعتمادًا مع الوقت على المدفوعات المبكرة للبنك المركزي، والتي ازدادت خلال الحرب بسبب عائدات الضرائب المحدودة للغاية. في 2015، تم تمويل ثلث الإنفاق العام على الأقل من خلال الاقتراض طويل الأجل من البنك المركزي الـسـوري. تعتمد مخططات الشراكة بين القطاعين العام والخاص أيضًا على خطوط ائتمان من البنوك، تبلغ الميزانية الوطنية لعام 2019، 3,882 مليار ليرة، أي ما يعادل 8.9 مليار دولار بحسب سعر الصرف الثابت المعتمد لدى مجلس الوزراء السوري. تخصص هذه الميزانية 1,100 مليار ليرة كنفقات استثمارية، لكن فقط 50 مليار ليرة لإعادة الإعمار، أي ما يعادل 115 مليون دولار فقط، في حين تقدر التكلفة الإجمالية لإعادة إعمار سوريا بحوالي 400 مليار دولار، علاوة على ذلك، يتوقع وزير المالية مأمون حمدان عجزًا قدره 946 مليار ليرة لعام 2019 (حوالي 2.2 مليار دولار).

 

  • عدم الاستقرار بسبب الميليشيات

منذ بداية عام 2017، أصبحت الشكاوى ضد الميليشيات أكثر وضوحًا في المناطق التي يسيطر عليها النظام في مختلف أنحاء البلاد، تورط أعضاء الميليشيات في أنشطة إجرامية مختلفة، كالسرقة والنهب والقتل والاقتتال الداخلي، وخاصة الابتزاز على الحواجز، والتي قد يحتاج المرور عبرها إلى مبالغ معينة وتقوم بارتكاب انتهاكات ضد العابرين الأفـراد، يرتبط قادة الميليشيات عمومًا بكيانات أمنية قوية ومسؤولين عسكريين بارزين، مما يمنع السلطات البلدية من العمل ضدهم من دون دعم صانعي قرار رفيعي المستوى، بعض زعماء أو أمراء الحرب جمعوا ثروات طائلة خلال الحرب، ونتيجة لذلك ازداد اندماجهم في الاقتصاد الرسمي مع تأسيسهم لشركات، تسجل غالبًا كمؤسسات محدودة المسؤولية، أو مشاركتهم في مشاريع استثمارية، بما في ذلك التطوير العقاري. من خلال تراكم الأرباح والسلطة لديهم بهذه الطريقة، أصبح هؤلاء يتحكمون بقدر كبير بحياة السوريين الذين يعيشون في مناطق سيطرة النظام.

شهدت عدة حوادث وقعت في الساحل السوري وفي حلب وحمص ومدن سورية أخرى، بشكل متكرر، على شعور السكان بالإحباط جراء صمت أو تقاعس الشرطة المحلية وقوات الأمن عن الجرائم والاختطاف والنهب الذي تمارسه الميليشيات الموالية للنظام، وقد بدأت قوات أمن الدولة وعناصر المخابرات الجوية بتجنيد وتـدريـب السكان المحليين لتحسين الأمن المحلي، كما صدرت أيضًا عدة مراسيم، بما في ذلك تلك التي قيدت أنشطة ميليشيا البعث. إلا أنه ما تزال هناك تحديات كبيرة تتعلق بالحد من قوة الميليشيات، فعدد الحواجز التي تديرها هذه الميليشيات لم يتراجع في جميع أنحاء البلاد، بل هو في الحقيقة ارتفع، وهو ما أدى إلى المزيد من الغلاء بالنسبة للمستهلكين والمنتجين.

 أخيرًا، ما يزال هناك الكثير من التحديات الأمنية الأخرى التي يكافح نظام الأسد للتعامل معها، كالجماعات الإسلامية المتطرفة مثل هيئة تحرير الشام والدولة الإسلامية، من الممكن القول إن هذه المنظمات، بعد فقدانها السيطرة على مناطق واسعة، ستقوم بنقل استراتيجيتها نحو أعمال انتحارية في المناطق المدنية وغير ذلك من أشكال حرب العصابات، لقد بدأ ذلك بالفعل وسيؤدي في النهاية إلى المزيد من الاضطرابات الأمنية والسياسية.

خاتمة : مزالق إعادة الإعمار الانتقائي

لقد أدت صلابة النظام وحربه ضد جميع أشكال المعارضة إلى تكلفة عالية للغاية، قبل كل شيء من حيث الأرواح البشرية والدمار، ولكن أيضًا من حيث السياسات الداخلية والخارجية. فبالإضافة إلى التبعية المتزايدة لسوريا إلى الدول والجهات الأجنبية، تعززت الجوانب الزبائنية والطائفية والقبلية للنظام بالتزامن مع تضاؤل سلطة الدولة، بنظرة تحليلية على استراتيجيات وسياسات النظام الحالية فيما يخص اعادة الإعمار، من الواضح أن هدف إعادة الإعمار مكافأة أصحاب رؤوس الأموال المحاسيب المرتبطين بالنظام والميليشيات التي ازدادت قوة خلال الحرب، وفي الوقت نفسه القضاء على جميع الشرائح المعارضة ضمن المجتمع عبر تدمير مساكنهم السابقة في المدن السورية.

 تعتبر إعـــادة الإعــمــار فـرصـة كـبـرى لهدم المستوطنات العشوائية التي مثلت في الأساس موطنًا لصغار الكسبة المتعاطفين مع المعارضة، كما تعتبر وسيلة لتطبيق مخططات استثمارية عمرانية موجودة منذ وقت طويل وفي نفس الوقت لتغيير البنية الاجتماعية لمناطق معينة، لقد جرى استخدام التشريعات الأخيرة المتعلقة بحقوق الإسـكـان والأرض والملكية كوسائل لتسوية هــذه العملية: فأصبحت المطالبة بحقوق الملكية الشخصية صعبة للغاية بالنسبة للأغلبية العظمى من السوريين، المهددين الأن بالسلب والطرد دون تعويض، ينطبق هذا بشكل خاص على السوريين المهجرين، وفي الوقت نفسه يجري تصنيف معارضي النظام على أنهم “إرهابيون”، ليواجهوا خطر مصادرة جميع حقوقهم المتعلقة بالأرض والإسكان.

إن الهدف النهائي من هذا النوع من إعادة الإعمار الانتقائية التي يسعى إليها الأسـد وحلفاؤه هو قطع الطريق على عودة ملايين النازحين واللاجئين الذين خسروا منازلهم بدلا من ذلك، يتم استخدام إعادة الإعمار كوسيلة لإثراء النظام السوري نفسه وجميع الحلفاء المرتبطين به ارتباطًا وثيقًا، كما أنه بمثابة طريقة لجذب رؤوس الأموال من مختلف الدول الراغبة في الاستفادة من إعادة الإعمار في سوريا، تعزز هذه العملية أيضًا السياسات النيوليبرالية لنظام الأسد، المثقل بالديون لصالح شبكات أعمال مرتبطة به، في الوقت الذي يزيد إفقار قطاعات السكان السوريين المفقرة أصلا.

 بالنظر إلى كل هذا، لا يمكن لإعادة الإعمار الانتقائية في ظل الظروف الحالية إلا أن تعزز وتقوي الطابع الأهلي والاستبدادي لنظام الأسد، وأن تساعده على معاقبة أو تأديب السكان المتمردين سابقًا، ليتواصل إفقار معظم الأجــزاء المحرومة في المجتمع السوري وتصبح حقوق الإسكان والأرض والملكية عاملا آخر من عوامل النزاع في هذا المجتمع الممزق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*