إدلب ما بعد سوتشي والتطورات الأخيرة

زيتون – ياسمين محمد
من مدينة روسية وصل اسمها للسوريين بعد تاريخ 17 أيلول عام 2018، حمل الاتفاق الموقع حول إدلب في ذلك التاريخ بين الرئيسين التركي والروسي اسمها، بهدف التوصل إلى اتفاق على آخر منطقة من مناطق خفض التصعيد المشمولة في اتفاق أستانة 4 أيار 2017.


ونص “اتفاق سوتشي” على: الإبقاء على الوضع القائم في إدلب كمنطقة خفض تصعيد، واتخاذ روسيا جميع الإجراءات اللازمة لضمان تجنب تنفيذ عمليات عسكرية وهجمات على إدلب، وتحصين نقاط المراقبة التركية واستمرار عملها.
إقامة منطقة منزوعة السلاح بعمق 15- 20 كيلومترا، يتم سحب كافة الأسلحة الثقيلة منها قبل 10 تشرين الأول 2018، بالإضافة إلى إبعاد جميع الجماعات الإرهابية عن المنطقة بحلول 15 تشرين الأول.
كما نص الاتفاق على تأكيد الجانبين الروسي والتركي عزمهما على محاربة الإرهاب داخل سوريا بجميع أشكاله وصوره، واتخاذ إجراءات فاعلة لضمان نظام مستدام لوقف النار داخل منطقة خفض التصعيد في إدلب، وتعزيز مهام مركز التنسيق الإيراني- الروسي- التركي المشترك، وقيام القوات التركية والشرطة العسكرية الروسية، بدوريات منسقة وجهود مراقبة باستخدام طائرات من دون طيار، على امتداد حدود المنطقة منزوعة السلاح.
فضلا عن العمل على ضمان حرية حركة السكان المحليين والبضائع، واستعادة الصلات التجارية والاقتصادية، واستعادة حركة الترانزيت عبر الطريقين إم 4 (حلب – اللاذقية) وإم 5 (حلب – حماة) بحلول نهاية عام 2018، بحسب نص الاتفاق.
ونقلت “الشرق الأوسط” حينها عن مصادر مطلعة تأكيدها على وجود خلاف تركي روسي في تفسير اتفاق سوتشي حول إدلب.
وبحسب المصادر، يتعلق الخلاف بعمق “المنطقة العازلة”، بين 15 و20 كيلومتراً، حيث سعت روسيا لضم إدلب ومدن رئيسية إليها مقابل رفض تركيا.
ومن البنود المختلف عليها مصير المتطرفين، بين رغبة تركيا في نقلهم إلى مناطق الأكراد، وتمسك روسيا بخيار قتال الأجانب منهم.
ويختلف الجانبان حول مدة اتفاق سوتشي، حيث ترغب روسيا بجعله مؤقتا، مثل مناطق خفض التصعيد في درعا وغوطة دمشق وحمص، فيما تريده تركيا دائما، مثل مناطق درع الفرات وغصن الزيتون.
وأكدت المصادر أن نص الاتفاق هو إقامة منطقة عازلة في مناطق المعارضة شمال سوريا، وليس على خطوط التماس بين قوات النظام والمعارضة.
كما تضمن الاتفاق جدولاً زمنياً لسحب السلاح الثقيل في 10 من الشهر المقبل، والتخلص من المتطرفين في 15 من الشهر ذاته.
وأضافت المصادر إن موسكو أبلغت طهران ودمشق وأنقرة، أنه “في حال لم يتم الوفاء بالموعدين، سيتم فوراً بدء العمليات العسكرية والقصف الجوي”.

ما بين تنفس الصعداء والتشكيك بالاتفاق:
كتعلق الغريق بالقشة، تعلق أهالي وسكان محافظة إدلب -والذين قارب عددهم الثلاثة ملايين نسمة بعد الانكسار العسكري لفصائل المعارضة في عدة مناطق سورية وتهجير أهلها إلى إدلب- بالاتفاق، ووجد الكثيرون فيه الأمان لهم ولعائلاتهم ولا سيما بعد تهجيرهم من مدنهم، وبقاء إدلب كآخر ملجأ للفارين من نظام الأسد والمعارضين له، وذلك على الرغم من عدم ثقتهم بتطبيق الاتفاق وخاصة من قبل الجانب الروسي.
إضافة إلى تشكيك الكثيرين ومنذ اللحظات الأولى للاتفاق، بقدرة ورغبة الضامن التركي بإنهاء هيئة تحرير الشام “جبهة النصرة سابقا”، وهو ما ثبت لاحقا مع زيادة سيطرة تحرير الشام على مفاصل الحياة في الشمال، وما بدا كتواطؤ تركي معها على قضائها على حركة نور الدين الزنكي وحل حركة أحرار الشام نفسها خلال أيام، وزيادة تمكين “حكومة الإنقاذ” التابعة لهيئة تحرير الشام على الأرض تحت أنظار الضامن التركي، بالإضافة إلى دخول القوات التركية إلى مناطق تمركز الهيئة على أطراف محافظة إدلب دون الصدام مع جبهة النصرة بل على العكس بحمايتها، والذي تطور لحماية الدوريات ونقاط المراقبة التركية. 
ويرى الكثير من النشطاء والمراقبون أن الذي قام بتطبيق بنود أستانة بالانسحاب من مناطق شرق السكة هو جبهة النصرة ذاتها، وهي المسيطرة بشكل رئيسي على تلك المناطق، وذلك لصالح قوات النظام التي واصلت تقدمها إلى مناطق غير مشمولة بالاتفاق حتى وصلت إلى قريتي تل السلطان وتل الطوقان شرقي سراقب.
ويؤكد المراقبون أن الجانب التركي لا يرغب بالصدام مع جبهة النصرة لكنه ليس مستعداً أيضاً لتحمل تكلفتها، ومن هنا جاء تشكيل لما يعرف بالجبهة الوطنية للتحرير والمشكلة من بعض الفصائل المعتدلة كفيلق الشام، بهدف حماية اتفاق أستانة وبداية التفاوض حول مستقبل جبهة النصرة.
وتبدي جبهة النصرة كمعظم الجماعات الإسلامية مرونة كبيرة في التعامل مع الأطراف الدولية بعكس طبيعتها في الداخل مع الأهالي، وهي تدرك حاجة بعض الأطراف الدولية إليها وإلى الخدمات التي يمكن أن تقدمها إلى تلك الأطراف، وهو ما يؤجل في حلها نوعا ما بحسب المراقبون.
إدلب.. ورقة ضغط للوصول إلى شرق الفرات
من المعلوم أن الهدف الأول لتركيا هو القضاء على الذراع العسكري لحزب العمال الكردستاني، والسيطرة على مناطق الأكراد وتأمين حدودها، وحماية أمنها القومي.
وقد سبق لتركيا وأن استخدمت فصائل المعارضة السورية للسيطرة على عفرين، وإنشاء منطقتي “درع الفرات” و “غصن الزيتون”، وبالتزامن مع بدء تطبيق اتفاق سوتشي، كانت تركيا تعد العدة لمعركة جديدة في مناطق منبج وشرق الفرات، والتي تم تأجيلها بناء على مفاوضات مع أمريكا، نجم عنها قرار انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، والذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 14 كانون الأول من العام الماضي، ليهدد ترانب بعدها بشهر، عبر تغريدة له على حسابه في تويتر، بضرب اقتصاد تركيا في حال ضرب الأكراد.
وفي 21 شباط قالت وسائل إعلام تركية إن الرئيسان التركي والأمريكي اتفقا خلال اتصال هاتفي على تنفيذ الانسحاب الأمريكي من سوريا وفقا للمصالح المشتركة بين البلدين، في حين قال البيت الأبيض إن الولايات المتحدة ستترك “مجموعة صغيرة لحفظ السلام” من 200 جندي أمريكي في سوريا لفترة من الوقت بعد انسحابها.
بعد قرار انسحاب القوات الأمريكية من سوريا بأيام، وتحديدا في 28 كانون الأول 2018، وجهت وحدات حماية الشعب الكردية دعوة لقوات النظام السوري للدفاع عن السيادة الوطنية ضد تركيا، وبدأت بتوجيه رسائل إلى كل من النظام السوري للدخول بمفاوضات معه، وفي الوقت ذاته قالت إنها ترغب بالتفاوض مع تركيا دون وسطاء، بالتزامن مع محاولتها الحفاظ على الدعم الأمريكي لها من خلال استغلال ورقة تنظيم داعش.
ومع التصريح بانتهاء التنظيم كليا في سوريا، يعود الحديث عن مصير الأكراد، في حين تتعرض منطقة خفض التصعيد في إدلب، لفترات قصف ممنهج من طيران النظام، ومؤخرا من قبل الطيران الروسي لأول مرة منذ اتفاق سوتشي، في ظل صمت إعلامي سياسي، وانعدام التصريحات وضبابية المشهد، ليبقى القصف المفاجئ وتوقفه المبهم، مجهول الأسباب، كما هو الحال تماما بالنسبة لسير المفاوضات والصفقات التركية- الروسية من جهة، والتركية- الأمريكية من جهة أخرى.
ويؤكد البعض على أن مشاركة روسيا في عملية القصف الأخيرة هي الضغط على كافة الأطراف ولا سيما تركيا، لتحصيل حصتها في مناطق النفط والغاز السوري في شرق الفرات، وربما لطموحها في شغل الفراغ الأمريكي في تلك المنطقة، وذلك على الرغم من أن تركيا حاولت إرضاءها عبر شراء منظومة صواريخ اس 400.
وفي ظل تضارب المصالح بين القوى الدولية والإقليمية المتحكمة في الشأن السوري، ووسط سعي كل منها لتحقيق مآربها، ومن بينها تركيا التي تحاول تحقيق حلمها بالقضاء على المشروع الكردي والسيطرة على مناطقهم، يصعب التكهن فيما إذا كانت هناك صفقات بيع وشراء مع نظام الأسد، لا سيما بعد أن صدرت تصريحات من مسؤولين أتراك عن وجود علاقات واتصالات على مستوى غير مباشر مع نظام الأسد، قبل أن يبدأ حديث عن صفقة محتملة بين النظام وإسرائيل حول الجولان السوري على غرار الصفقة التي أبرمها حافظ الأسد مع إسرائيل قبل أكثر من 50 عاما، وتأكيد المراقبين لاستعداد الأسد الابن لعقد صفقات مع العفاريت وبيع أكثر من نصف الأراضي السورية لمن يرغب بالشراء مقابل بقائه على كرسيه.
وفي حال لم تكن هناك مثل هذه الصفقة بين تركيا والنظام، فهل تمتلك تركيا القدرة أو الرغبة بالمواجهة العسكرية في سورية على الرغم من تجهيزها لنحو 14 ألف مقاتل من المعارضة، وهل سيكون للهيئة دور في حال العزم على شن المعركة المؤجلة في شرق الفرات، هل سيكون الوقت قد حان لتدفع تحرير الشام لتركيا ثمن إبقائها وعدم القضاء عليها كما يحتم عليها اتفاق سوتشي، لا بل مساعدتها للهيئة على التمدد ومحاولة التقنع بالنموذج المدني، ووسط ذلك كله أين هو موقع محافظة إدلب وسكانها البالغ عددهم نحو 3 ملايين نسمة من أطماع تركيا وشركائها، وأين هي تركيا من الوفاء بالتزاماتها، وهل ستبقى تستعمل إدلب كورقة ضغط قد تسقط بمجرد وصولها لمبتغاها؟.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*