سوء الحالة الإنسانية يزيد من الإرهاق والتعثر في اقتصاد المناطق المحررة

زيتون – تيسير محمد 
مع عودة القصف الجوي بسلاح الجو السوري والروسي والذي طال معظم المناطق المحررة في الشمال تعود معاناة الأهالي لتستمر فصول معاناتهم لا سيما في الجانب الإنساني الذي شهد تفاقما في الأونة الأخيرة.


وكان فريق “منسقو استجابة سوريا” قد حذر في بيان له بعد عودة عمليات القصف، من استمرار خروقات نظام الأسد وحلفائه في المنطقة “منزوعة السلاح”، مما يؤدي بالضرورة بوقوع المزيد من الضحايا في صفوف المدنيين وموجات نزوح جديدة،
ووثق الفريق نزوح أكثر من 13 ألف عائلة ما يعادل 85 % من سكان القرى والبلدات والمخيمات المستهدفة التي بلغ عددها 119 موقعاً، وسجل وقوع مئات الضحايا المدنيين ودمار كبير في الأبنية السكنية والمرافق العامة كما تم إعلان العديد من البلدات كمناطق منكوبة نتيجة القصف بحسب منسقو الاستجابة، ويشار أن موجات النزوح لم تستهدف السكان الأصليين بل شملت العديد من المهجرين القاطنين في تلك المناطق.
الشبكة السورية لحقوق الإنسان وفي تقرير لها عن تصاعد وتيرة الخروقات لاتفاق “سوتشي” في المنطقة “منزوعة السلاح” في 22 من شباط الماضي طالبت مجلس الأمن بإصدار قرار من أجل تثبيت وقف إطلاق النار في إدلب يتضمن إجراءات عقابية لكافة منتهكيه، وتقديم دعم حقيقي لمسار جدي لعملية السلام في سوريا وتحقيق انتقال سياسي عادل يضمن الأمن والاستقرار، وطالب بإحالة الملف السوري إلى المحكمة الجائية الدولية ومحاسبة جميع المتورطين.


تجدد القصف على هذه المناطق بالإضافة إلى عدم وضوح الرؤية السياسية أنتج حالة من التخبط انعكست سلبا على الحالة الاقتصادية والانسانية المتردية أصلاً، وذلك بزيادة الضغط المعيشي وانشغال الأهالي بالنزوح والاحتماء من القصف وترميم ما يمكن من ضرورات الحياة اليومية.
يشترك سكان الشمال السوري بالتبعات السيئة لظروف الحرب، فليس هناك أحد قد نجى منها، ولكن المهجرين حازوا على النصيب الأكبر من المعاناة، فقد تركوا منازلهم وأراضيهم وجل إمكانياتهم هرباً من بطش قوات النظام التي أجبرتهم على الفرار بأرواحهم فقط، وهم اليوم يعتمدون بشكل شبه كلي على ما تقدمه المنظمات والهيئات الإغاثية محاولين التأقلم مع الوضع القائم والانخراط في سوق العمل المتعثر في الشمال الذي تأثر إلى حد العطب بعد بدء وصول حشود قوات الأسد على أطراف المناطق المحررة وما رافقها من تهديدات بالهجوم والاقتحام بعد سلسلة الهزائم التي تكبدتها فصائل المعارضة في المناطق الأخرى.
ورغم التفاهمات التي حصلت بعدها لإبقاء المنطقة “أمنة” إلا أن معظم التجار ورجال الأعمال أوقفوا استثماراتهم بعيدة المدى وأبقوا على مشاريع ذات مردود وربح سريع، مما نتج عنه زيادة في نسب البطالة بين الشباب عن الأوقات السابقة، ولا شكَ أن عامل الاستقرار المتأرجح هو من العوامل الرئيسية وراء هذه الأزمات ولكنه ليس الوحيد، إذ يعد الفلتان الأمني بالإضافة إلى الممارسات القمعية لـ “هيئة تحرير الشام” و”حكومة الإنقاذ” التابعة لها من أبرز المعوقات أمام العاملين والناشطين في شتى المجالات.


ومنذ بداية العام الحالي سيطرت “الهيئة” بالقوة على جميع المناطق وصبغتها بالسواد ونجحت بإخضاع الجميع لسلطة حكومتها “الإنقاذ” متفردة بسلطة مطلقة إلا من بعض الفصائل والجماعات التي لا تخضع بشكل عملي لإرادة هيئة تحرير الشام.
أعقبت تلك السيطرة للهيئة عن إعلان العديد من المؤسسات والهيئات الناشطة في المجال الإنساني “إغاثي-طبي-وغيرها” إيقاف نشاطها في المناطق الخاضعة لسيطرة “النصرة” المصنفة على لوائح الإرهاب لدى معظم دول العالم، خوفاً من ملاحقتها قضائيا في الدول التي تعمل بها.
فيما استمرت “الهيئة” في ملاحقة الناشطين وابتزازهم والاعتداء عليهم ومنع أي نشاط لا يكون من خلالها أو على الأقل تحت اشرافها مباشرة، حيث عملت حكومة الإنقاذ في نهاية العام بإصدار قرار بمنع التصوير أو أي نشاط إعلامي من غير إذن مسبق من وزارة الإعلام التابعة لها، كما قامت الحكومة بفرض رسوم على السيارات العاملة في المحافظة وفرض إتاوات على التجار والرسوم على البضائع التي تمر عبر المعابر التي باتت كلها تحت سيطرتها.
من جهة أخرى انتهجت الهيئة سياسة الاعتقال لكل من يعارضها، وفرض مبالغ مالية كبيرة من أجل إطلاق سراحه، وهو ما يوقع المفرج عنهم تحت ضغط مالي كبير وإرهاق اجتماعي يجعلهم في خوف دائم من تكرار الاعتقال، وبذلك تكون الهيئة قد تخلصت من أحد معارضيها إضافة إلى زيادة مبالغ ليست بالقليلة إلى حسابها، وهذه الطريقة قد استمدتها هيئة تحرير الشام من عمليات الخطف السابقة وطلب الفدية لكنها بالأونة الأخيرة قد شرعنتها بصورة قانونية لتوسيع رقعة النشاط.

غموض الواقع الحالي ومستقبله وما يحاك في غرف المفاوضات بين الطرفين الضامنين والرئيسين الروسي والتركي، إضافة إلى عدم فهم السكان لحيثيات تجدد القصف وأسبابه، زاد من مخاوف السكان في الشمال السوري وأثر سلباً على مجريات حياتهم اليومية، وبالتالي الى فقدان الثقة بالوعود والتصريحات والتطمينات التي تصدر عن جميع الأطراف واحجام الأهالي عن أي نشاطات حياتية أو اقتصادية طويلة الأمد في حالة من الانتظار والترقب والحذر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*