عندما أكبر سأصبح أستاذا للغة العربية مثل أبي.. الشهيد محمد علي أحمد السيد

“عندما أكبر سأصبح أستاذاً للغة العربية مثل أبي”، هذا حلم ابنه الذي لما يتجاوز الثامنة من عمره، أن يكون مدرساً للغة العربية مثل أبيه الذي قتلته يد الإجرام في سجون النظام.

كان والده شديداً جداً على أبنائه بما يتعلق بتعليمهم المدرسي، ولا سيما مع ابنه الأكبر أحمد، أراد له أن يكون مميزاً في دراسته، والأول على مدرسته، لذلك كان يقسو عليه، بينما لم يسعفه الوقت ليكون كذلك مع بقية أولاده الصغار، أو ربما لا يتذكرون شدته جيداً لأنهم كانوا صغاراً.

خمسة أولاد، ثلاثة صبية وابنتان، كانوا كل حياته، يحبهم ويريد لهم مستقبلاً زاهراً، لا سيما أنه خريج كلية الآداب قسم اللغة العربية، والمدرس الذي خرّج أجيالاً على مدى سنوات تدريسه في مدارس بلدته جرجناز.

الشهيد “محمد علي أحمد السيد” من مواليد آذار عام 1968، متوسط الطول، نحيل الجسم، حنطيّ البشرة، ذو عينين عسليتين، يعشق المطالعة وكتابة الشعر.

تقول زوجته وهي التي مازالت تحتفظ بكتب زوجها وقصائده التي نظمت حروفها أفكاره وخطتها يداه، ولا تفوّت يوماً واحداً دون أن تعود إليها، وتتحدث مع أولادها عن والدهم، بينما يجلس ابنها أحمد يتابع بوجهه الأصفر الشاحب كلمات أمه، وصوتها ونظراتها، ويداري دموعه ويفرك كفيه ببعضهما من غير حولٍ ولا قوة.

عرف عن محمد بأنه من أوائل المحرضين على التظاهر ضد النظام، كان يصمم اللافتات، ويحث الشباب على الخروج بالمظاهرات، ولا يتهاون مع كل من يحاول منع الشباب من التظاهر، بحسب أحد جيران الشهيد الذي أضاف:

“في إحدى خُطب الجمعة ببداية الثورة، كان إمام الجامع يحاول منع الأهالي من إثارة المشاكل في البلدة، والخروج إلى التظاهر، فقاطعه الأستاذ محمد، ومنعه من مواصلة كلامه، وشجع الشباب على التظاهر ضد النظام الذي يدمر درعا”.

اعتقل محمد من منزله حين اقتحم الجيش بلدته جرجناز في 29 آذار عام 2012، ونقل إلى فرع الشرطة العسكرية بإدلب، وبدأت عائلته بالتوسط علّها تتمكن من إخراجه من السجن، ولكن دون فائدة، ثم أُفرج عن أحد المعتقلين من سجن إدلب ليخبر زوجة محمد بأن محمد يحتاج بعض الملابس، فذهب والدها لزيارته والاطمئنان عليه، ولكنهم لم يسمحوا له برؤيته.

بعد شهر من اعتقال محمد، نقل إلى حلب، ومن ثم إلى حمص فحماة، ليستقر به المطاف في دمشق، وفي محاولاتها لمعرفة مكانه ذهبت زوجته إلى دمشق مرتين بحثاً عنه، ولم يقر أي فرع بوجوده لديه، ليخرج بعدها أحد المعتقلين من بلدة قريبة اسمها تحتايا، ويبلغ عائلة محمد بأنه استشهد في السادس من آذار عام 2013، مؤكداً لهم أنه استشهد بسبب التعذيب الذي تعرَّض له في فرع المخابرات الجوية 215 /حي المزة/ بدمشق.

تقول زوجته: “بعد أن وصلنا نبأ استشهاد محمد عدت إلى دمشق للسؤال عنه، فأرسلت إلى مشفى تشرين العسكري في الحادي عشر من أيار عام 2013، وهناك استلمت شهادة وفاته”.

وأضافت: “منذ مدة بسيطة، قرأنا عن أحد المفرج عنهم من المعتقل، الذي كان في تركيا ويعاني غيبوبة ويتلقى العلاج هناك، وبعد تعافيه كتب عن بعض المعتقلين الذين كانوا معه في السجن، ومن بينهم تحدث عن زوجي، وطبعاً نحن كنا على علم باستشهاده، وكنت قد أحضرت شهادة الوفاة الخاصة به”.

كانت زوجة الشهيد، التي تعاني إصابةٍ تعرضت لها جراء غارة للطيران الروسي، تتحدث بصعوبةٍ وألمٍ أشدّ من معاناة إصابتها، في منزلٍ مازال شبح الحزن والكآبة يخيم عليه بطريقةٍ غريبة، وتبدو على وجوه قاطنيه لوعة الاشتياق، لرجل كان له حضور مميز، ليس في بيته فقط بل في بلدته كلها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*