المعتقلة منى بركة: اعتقالي وسام شرف لا وصمة عار

خاص زيتون

#ناجيات_أم_ليس_بعد #Survivors_or_not_yet

في مشهد غريب عن أجواء سجن عدرا للنساء، قامت إحدى المعتقلات بعد تلقيها مكالمة هاتفية بالرقص والغناء بشكل هستيري وكأنها فقدت الإحساس بالمكان، مجيبة زميلاتها المندهشات بأن زوجها قد طلقها للتو في أول مكالمة بينهما بسبب اعتقالها.

بهذه الحادثة تحاول المعتقلة السابقة والناشطة “منى بركة” أن تصور ما يحيق بالمعتقلات السوريات من ظلم مركب، أوله اعتقال مجحف من قبل النظام وثانيه ظلم ذوي القربى والمجتمع، مؤكدةً أن معظم المعتقلات التي عرفتهن لم ينجين من الإقصاء والتهميش الاجتماعي بشكل أو بآخر، وذلك إما من قبل اسرهن وازواجهن او من قبل المحيط الأكبر كالحي والعمل والأصدقاء، جذر ذلك السلوك الاجتماعي شعور مزيف وضبابي بمسؤولية المرأة المعتقلة وتجريمها عما أصابها، رغم بديهية براءتها من أي جرم، فغالبا ما يكون سببه تعسف قوات النظام أو نشاطها المشروع في الثورة.

بدأت “منى بركة” الاسم الصريح للناشطة “شمس الدمشقية” نشاطها الثوري بالتخطيط للمظاهرات وتصويرها، ثم عضواً في المكتب الإعلامي في إحدى تنسيقيات الثورة بريف دمشق، لتحرر بعدها الإخبار مع عدة شبكات إخبارية.

لم تتوقف عند نشر قضية الثورة بل اتجهت فيما بعد للعمل الإغاثي، وأسست جمعية شمس الحياة الاغاثية التي كانت تغطي عدة مناطق من دمشق وريفها مثل الغوطة الغربية وداريا ومعضمية الشام بالإضافة إلى مناطق جنوب دمشق المحاصر بما توفر لديها من إمكانيات.

هُجرت منى في 2012 كباقي أهلها من حي القدم إلى الغوطة الغربية لتكمل نشاطها هناك، تم اعتقالها في كمين بمنطقة الكسوة في ريف دمشق حيث أخذت إلى الفرع 215 لتمضي فيه ما يقارب 7 أشهر، عرفت وحشية النظام في المعتقل وذاقت كل أنواع التعذيب وللضغط عليها كما كانت شاهدة على عمليات التعذيب، عملت فيما بعد على إنشاء جمعية للمعتقلين في تركيا عقب إطلاق سراحها، والذي جرى عبر عملية مفاوضات بين كلا من النظام وفصائل المعارضة كانت نتيجتها تحرير ستة معتقلات من سجون النظام.

ما زالت منى اليوم -رغم السنوات التي مرت على خروجها من السجن- تحمل من ألم مجتمعها ما قد يفوق ألم السجن، وعن تجربتها تلك تقول:

“رغم تقبل والديَّ وإخوتي لاعتقالي واعتباره قدر لا أتحمل ذنبه، ولا سيما معرفتهم السابقة بطبيعة نشاطي وهو ما يجعل من فكرة اعتقالي أمرا واردا، وزيارتهم لي حين تم تحويلي إلى سجن عدرا، إلا أن الغريب هو ما حدث بعد أن تم إطلاق سراحي من قبل أقاربي، فقد فوجئت بموقفهم شبه المعادي وبنظرة الاحتقار والازدراء، أشعرني ذلك الموقف بأنني مذنبة”.

تروي منى قصصاً شهدتها عن مآلات المعتقلات المفرج عنهن لزيتون:

“إحدى زميلاتي المعتقلات تخلى عنها خطيبها لأنها اعتقلت، تقبلت تلك الفتاة تخليه بلا عتاب، فقد كانت تعرف طريقة تفكيره، هناك صديقة أخرى اعتقلت برفقة زوجها الذي تعرض لكل ما يحكى عن التعذيب والاعتداء، وحين خرجا من المعتقل، كان يعاني من انهيار نفسي وعصبي حوله إلى شخص عنيف وعدواني ومشكك فيها، وبات ينظر إلى زوجته على أنها تعرضت لما تعرض له، ما حول حياتهما الأسرية الى جحيم مستمر، ولم تساعده ثقافته ووعيه على تحمل شكوكه، فابتعد عنها رغم بقائهم معا في ذات البيت وبات عدواني الطبع لا يتوقف عن ضرب أبناءه في حالة من التوتر والعصبية المستمرة”.

بالمقابل تقول منى أن هناك من تمسك بهن أزواجهن ولم يتخلوا عنهن، إلا أن غالبية الأهالي تسقط في نظرة إلى المعتقلة على أنها عار يجب تجنبه.

الناشطة في مجال حقوق المرأة “وضحة العثمان” ترى: “البعض من أصحاب النظرة القاصرة يعتبرون أن المرأة المعتقلة إنسانة قد احترقت اوراقها أو انتهت صلاحيتها طالما أنها سقطت في احتمالات اعتداءات السجون، أو أنها أصبحت لقمة سائغة أو مخلوق سهل”.

وتضيف العثمان: “اعتقالهن لم يكن بسبب جرم، بل بسبب زوج أو أخ ثائر أو نشاط ثوري مشرف لها”، مشيرة إلى الازدواجية في التعامل مع كلا من الرجل والمرأة المعتقلين وتمجيد المعتقل وتحقير المعتقلة”.

الاستسلام لمشاعر النبذ والدونية هو ضياع لقضيتهن التي اعتقلن من أجلها، إن اعتقالهن ما هو إلا وسام شرف على صدر كل سوري وفخر لكل رجل، سيحفظه التاريخ لها

خرجت منى في نهاية عام 2014 إلى إدلب ثم إلى تركية، كانت رحلة الى المجهول ومحفوفة بالتحديات، عملت في المجال الطبي حتى استطاعت أن تعود إلى عملها الأساسي كمعلمة، دأبت من أجل المعتقلات وحاولت أن تحول ذكريات الاعتقال إلى دوافع للحياة، افتتحت معهد لتعليم اللغة العربية والتركية، وأسست فريق شمس التطوعي من جديد في تركية.

لا تشعر شمس الدمشقية بالراحة لما تتخذه بعض النساء من موقف الاستكانة لمصيرهن، وتحاول في رسالتها التي تأمل إيصالها لهن أن الاستسلام لمشاعر النبذ والدونية هو ضياع لقضيتهن التي اعتقلن من أجلها، معتبرة أن اعتقالهن ما هو إلا وسام شرف على صدر كل سوري وفخر لكل رجل، سيحفظه التاريخ لها، ولا بد من يوم يأتي سيفخرن بما كن يحاول أن يخفينه، ولا بد من يوم سيعتز أبناءها وأحفادها فيه من تضحيتها، سيقولون إن أمنا اعتقلت وعذبت كي يعيش غيرها، سيقولون إنها ضحت لا من أجل قضية لها، بل من أجل قضية شعب بأكمله.

تنهي منى بالحديث عن حلم عودتها إلى سوريا التي تخلو من الظلم، ذلك الحلم الذي يمدها بالصبر ويبعد عنها شعور الخجل من الاعتقال، لا سيما بعد أن أدركت أنه كان بمثابة الولادة الجديدة لها.

*منى بركة من مواليد دمشق 1984 خريجة تربية معلم صف، لديها ولدين عملت لصالح الثورة السورية في دمشق وريفها في المجال الطبي والإغاثي والتعليمي، اعتقلت واطلق سراحها في عملية مفاوضات، تقيم في اليوم في جنوب تركيا،

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*