المعتقلة السورية بين سجنيها.. الصغير والكبير

خاص زيتون

في طريقها إلى مشفى مدينتها في حالة إسعاف لابنها الصغير ألقى عناصر حاجز المشفى القبض على هناء أمام عيون عدة سيدات كن في نفس الحافلة التي تستقلها، والتي أنزلها عناصر النظام منها وأبلغوها بأمر اعتقالها ريثما يقوم إخوتها ولا سيما الأكبر بتسليم نفسه.

وعلى الرغم من أن اعتقالها كان قد تم بوجود شهود من أهالي حيها، إلا أنها تفاجأت عند خروجها بعد 30 شهرا من الاعتقال بالكثير من التكهنات والاحتمالات الممكنة التي طرحت لتبرير غيابها، ولم يشفع لها خروجها بصفقة تبادل أسرى مع النظام، أبرمها أخوها ذاته ورفاقه من أبناء الحي، والذين ينتمون لإحدى كتائب الجيش الحر.

أطلق سراح هناء من سجون النظام التي تنقلت بينها خلال فترة اعتقالها، لتجد واقعا مختلفا من كافة النواحي، جعلها تتمنى رغم كل ما قاسته في السجن، أنها لم تخرج.

لم تجد أحدا في حيها سوى أخيها وزملائه، الجميع ذهب في رحلة لجوئه، ومن بينهم والدها ووالدتها وبقية إخوتها، أما الأهم وهم من كانت تعد الدقائق لخروجها من أجلهم فقد غادروا هم أيضا، وليس هذا وحسب بل وجدت نفسها امرأة مطلقة، وقد تزوج زوجها من امرأة أخرى وأنجبا طفلة، وابنها الذي كان معها عندما تم اعتقالها، والذي ظنت أنه سيكون مع والده إذ لم يعتقلوه معها، ظنت عائلتها بالمقابل أنه مع أمه حيث هي، ولم يحاول أحد البحث عنه.

كانت هناء تظن بأن مأساتها ستنتهي في اللحظة التي ستخطو فيها أول خطوة خارج أبواب المعتقل، وأنها ستحصل على حريتها، ولكنها حرة بمعنى آخر، ومقيدة بفعل الثقافة السائدة حول المطلقات، وزاد الاعتقال من وطأة الوضع، فضلا عن بدء رحلة البحث عن ابنها المفقود منذ أكثر من عامين، والذي اكتشفت أمر فقدانه بعد لحاقها بعائلتها إلى بلد اللجوء.

بدأت هناء حياتها الجديدة في البحث عن ابنها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لم تترك وسيلة أو صفحة أو هيئة إلا وراسلتها ونشرت عبرها صور ابنها ومعلوماته، كما لم تترك صديقا أ قريبا أو ناشطا إلا وطلبت مساعدته، كان ذلك بالتزامن مع مفاوضات طليقها لتحصل على حضانة أطفالها.

وعلى عكس المعروف بأن الهاتف المحمول يعرف بالشخصي، كان هاتف هناء وكافة مكالماتها ومراسلاتها مفتوحة للجميع، ولا يسمح لها بقفل هاتفها أو إجراء أي اتصال حتى مع أختها إلا بحضور أحد أفراد أسرتها، أما خارج المنزل فيمنع عليها الخروج حتى إلى منازل أخوالها وأعمامها الملاصقة لمنزلها، وفي الوقت الذي يسمح لها فيه باستقبال الزائرات من فتيات الحي والقريبات، يحظر عليها الجلوس مع إحداهن على انفراد.

كل ذلك لم يفاجئ هناء، فهي ابنة هذه البيئة، وتعرف كيف ينظر فيها للمرأة المطلقة، لكنها لم تكن قد تعرفت مسبقا على نظرة بيئتها للمرأة المعتقلة، فقد كان اعتقالها في فترة مبكرة إلى حد ما.

 لم يكن تحميلها ذنب اعتقالها من قبل زوجها وأهلها هو أكثر ما تفاجأت به، وإنما استمرارهم بالتضييق عليها، والأسوأ هو ما سمعته عن الأحاديث التي دارت بعد اعتقالها، فالبعض افترض أنها ماتت، وآخرون رأوا أنها من الممكن أن تكون على علاقة برجل آخر وقد وجدت فرصة للهروب معه، وذلك على الرغم من وجود سيدات من الحي معها في تلك الساعة وذلك اليوم الذي قلب حياة هناء بأكملها رأسا على عقب.

تقول هناء: “في بعض الزيارات كانت فتيات الحي يتحدثن عن شيء كان جديدا على مسامعنا، يدعى الدعم النفسي، وكن يقترحن على والدتي أن أذهب إلى مركز في الحي، ولكن الرفض كان دائما حاضرا، فاتفقت الفتيات أن يطلبن إلى إحدى المختصات الشابات في المركز أن تأتي لرؤيتي على أنها ضيفة وصديقة لهن دون ذكر أي معلومات عن عملها أو سبب زيارتها، حين جاءت أخبرتها عائلتي بأنني في إجازة مفتوحة عند أختي في مدينة ثانية”، مضيفة:

“من الجيد أنكم لم تطلبوا مني الحديث عن فترة اعتقالي في سجون النظام، فهناك ما أنا بحاجة للحديث عنه أكثر، واليوم وعلى الرغم من أنني عدت لممارسة حياتي بشكل طبيعي، بعد أن عاد إلي أطفالي، وتزوجت من رجل تقدم لخطبتي عن طريق أحد أقربائنا، إلا أنني لا أستطيع نسيان ما عشته في السجن الكبير والصغير”.

تم كتابة هذه المادة ضمن حملة:

تم انتاج هذه المادة ضمن حملة  #ناجيات_أم_ليس_بعد #Survivors_or_not_yet

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*