كل ما يحتجنه هو الكلام الذي حُرِّم عليهن

زيتون – ياسمين محمد

منال خرجت تحمل في أحشائها وحشا، ميساء باتت مدمنة، أما حسنة فقد منحوا زوجها موافقة على الزيارة وقتلوه هناك.

في أحيان كثيرة كنت أعود إلى المنزل في حالة يرثى لها من جراء ما سمعته على لسان المعتقلات السابقات، لم يكن عقلي يستوعب مدى الإجرام الذي يمارسه عناصر النظام على المعتقلين والمعتقلات، دون أن يميز بين عمر أو جنس أو سواه.

ليس هذا فحسب ما كان يؤرقني ويخلق تساؤلات كثيرة لدي، وإنما ما كان يؤذيني أكثر بكثير من إجرام النظام  وزبانيته، هو مجتمعنا ذاته، وعادات البعض من المعارضين الذين خرجوا من أجل الحرية والكرامة، وبعد أن أهينت بعض نسوة درعا من قبل ابن خالة رأس النظام، وفي النهاية هم أنفسهم من حاسبوا نساءهم وبناتهم على ذنب لم يقترفنه، ولم يذهبن للسجون النظام برغبتهن، بل قاسين ما قاسينه هناك، وخرجن ينتظرن أياد وقلوب دافئة تنسيهن بعض الشيء ما عشته خلال فترة اعتقالهن،  والتي كانت في مرات كثيرة على خلفية نشاط أخ أو أب أو زوج معارض.

بالتأكيد لم تكن الصورة قاتمة دائما، وقد قابلت العديد من المعتقلات التي رحبت عائلاتهن بخلاصهن من أيدي سجاني النظام وعودتهن كما يرحب بالأبطال، وأخريات خرجن فلم يجدن عائلاتهن، ولكن جميعهن أجمعن على نقطة مشتركة، وهي الخوف من المحيطين بهن من قضية الاغتصاب في السجون، على اختلاف حالاتهن وطبيعة نظرته وتعامله وتلقيه لهذا الأمر.

بعد العديد من المقابلات التي أجريتها مع معتقلات سابقات كوني ناشطة حقوقية، لم يعد الأمر غريبا بالنسبة لي، وربما في بعض الأحيان كانت تصيبني عدوى الفضول ذاتها التي تصيب معظم من يسمع بمصطلح معتقلة، فأنا من البيئة نفسها، مع وجود فارق بيني وبين البعض، أوله أنني امرأة وكنت معرضة في أية لحظة بأن أكون مكان إحداهن، والثاني نظرا لطبيعة عملي ونشاطي، وكلا السببين جعلاني أتفهم مشاعر تلك السيدات، وأحاول جاهدة أن أترك لهن الأبواب مفتوحة على مصراعيها للتحدث بحرية مطلقة، مخفية فضولي، مبتعدة عن الأسئلة التي تسبب لهن الحرج.

 كانت أسئلتي تتمحور حول أساليب التعذيب المتبعة في كل فرع قضت فيه المعتقلة جزء من فترة اعتقالها، وحول مشاهداتها فيه، والأسماء التي استطاعت أن تختزنها في ذاكرتها، سواء أكانت للمعتقلات اللواتي التقت بهن، أو للسجانين المسؤولين عن التعذيب.

كانت منال في شهرها الرابع من الحمل عندما خرجت، لم تستطع التوجه إلى منزلها أو منزل عائلتها، اتصلت بأختها فأرشدتها إلى الحل، وتمكنت بعد عناء من التخلص من جنينها رغم الخطر، ومن ثم ذهبت إلى منزل زوجها، والذي كان قد طلقها مسبقا قبل أن يعلم بما حل بها، أما أهلها فقد فرضوا عليها حصارا محكما.

لم أستطع الحصول على الكثير من المعلومات من ميساء، المحامية الشابة التي خرجت شبه فاقدة للذاكرة، التقيت بها مرة واحدة، كان زوجها يمسك بذراعها كما يمسك الأب بطفلته،  كان وضعها سيئا للغاية، يداها ترتعشان وهي تنظر إليهما وتقول لي : “كانوا يعطونني أدوية كي أفقد ذاكرتي، في البداية لم أكن أعرف وأجبروني على تناولها بعد أن أصبت بالإغماء، ومن ثم أصبحت أنا من يطلبها، لقد أدمنت عليها بعد مدة، وكنت في حبس انفرادي في فرع المخابرات الجوية بدمشق لا أرى شيئا، ولكن أصوات المعذبين لم تكن تجعلني أنام،  وربما كانت الحبوب ملجأ لي”.

توقفت ميساء عن الحديث، ودخل زوجها طالبا تأجيل اللقاء، وأخبرني بأن زوجته تخضع لعلاج صحي للتخلص من آثار الأدوية التي أكد الأطباء وجودها في التحاليل التي أجريت لميساء بعد خروجها من المعتقل، بالإضافة لعلاج نفسي للتخلص من آثار ما عاشته هناك.

في بعض الحالات كانت المقابلة تتطلب عدة زيارات، حتى أترك للمعتقلة حرية البدء بالحديث وإنهائه في اللحظة التي تراها مناسبة، وحتى إلغائه نهائيا إن أرادت ذلك، وكأنني لم أسمع منها شيئا، كما في حال ميساء.

أما منال فكان وضعها مختلفا كليا، صحيح أنها لم تتمكن من الإجابة عن أسئلتي حول أسماء المعتقلات، فقد أخبرتني بأنهم كانوا يراقبونهن طيلة الوقت من كوة باب المهجع، وأي نظرة من إحداهن للأخرى، تكون سببا في تعرضها للتعذيب، ولذلك لم تكن تجرؤ هي أو زميلاتها على النظر أو التحدث مع بعضهن، ولا تعرف أي اسم سوى عندما ينادي السجان به، ومن شدة خوفها لا تحفظه.

إلا أن منال كانت تحفظ اسما واحدا فقط هو “أبو جعفر”، وهو أول من اغتصبها، ثم أعطى الأوامر للبقية بفعل الأمر ذاته معها، وخرجت من السجن وهي تحمل في أحشائها كائنا لا تعلم من فيهم هو والده، رغبت بالانتحار لكن ذلك ليس ممكنا في السجن.

كانت منال في شهرها الرابع من الحمل عندما خرجت، لم تستطع التوجه إلى منزلها أو منزل عائلتها، اتصلت بأختها فأرشدتها إلى الحل، وتمكنت بعد عناء من التخلص من جنينها رغم الخطر، ومن ثم ذهبت إلى منزل زوجها، والذي كان قد طلقها مسبقا قبل أن يعلم بما حل بها، أما أهلها فقد فرضوا عليها حصارا محكما.

كانت حاجة منال الفتاة العشرينية، للقاء بي والبوح بما هو حبيس بداخلها شديدة، وكانت تنتظر اللقاء بفارغ الصبر، وما أن نلتقي حتى تبدأ بالكلام دون كلل ولا تود أن ينتهي اللقاء.

لكل معتقلة قصة، تشبه بالشكل العام قصة ميساء أو منال، وفي جعبة المعتقلات الكثير الكثير من القصص التي لا يحتمل سماعها عقل إنسان، فكيف بمن عاشها.

بعد كل لقاء جديد كنت أعود محملة بالآلام، أتمنى لو أستطيع فعل شيء لمساعدتهن، وأشعر بالحاجة للحديث ومناقشة حالاتهن، تماما كما كانت حاجتهن لشخص يتحدثن إليه، فلا أجد لي ملجأ سوى دفتري وقلمي حاسوبي.

تم انتاج هذه المادة ضمن حملة  #ناجيات_أم_ليس_بعد #Survivors_or_not_yet

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*