الدهليز

زيتون – سحر الأحمد
حين كنت بعمرهما، لم يكن يفارقني خوف مبهم من هذا “الدهليز “، في كل مرة يُقرع فيه باب بيتنا، أتسابق مع دقات قلبي لاجتياز عتمته، حتى أصل الى الباب وأفتح للطارق.
هذا الممر الطويل، يفصل فناء البيت عن باب الشارع، تغطي جدرانه نقوش وزخارف ملونة، يتوسط سقفه العالي ضوء خافت قلما يبعث الحياة فيه.
يخيفني جشع طوله الذي ابتلع معظم عرضه، فأرداه بالكاد يُسمح لشخصين بعبوره معاً.
أي حميمية هذه التي تجعل من هذا ” الممر” الفارع بكل التفاصيل المريبة، ملجأ لطفلتين بعمر البراعم؟!
عندما أفتقدهما، لا ابذل جهداً بالعثور عليهما، سرعان ما أجدهما في منتصف الممر تماماً.
متكورتين على بعضهما، وأنين مخنوق يتسرب من حنجرتيهما، كأنه بوصلتي اليهما.
ليلى ذات السبعة براعم، كانت تكبر فجأة لمجرد جلوسها على أرضه مُسندة ظهرها الى حائطه العجوز؛ فتصبح أماً لأختها لين، التي تصغرها بعامين فقط.
تدفن الصغيرة رأسها في صدر أختها، فينكمش جسدها حتى يتماهى بحضن ليلى، فيظنه الناظر أنهما جسد واحد.
أجلس ملاصقة لهما بعد أن تبوء محاولاتي بإقناعهما بتذوق الطعام بالفشل.
أضع الأطباق جانباً، تتملكني الحيرة، فيغمرهما حب قلبي، ويتدفق حزني ليصير نهراً جارفاً، بإصرارهما على رفض الطعام.
مرت علينا ساعات في هذا الممر، أحادثهما عن ضرورة تناول الطعام حتى لا تسوء صحتهما.
أقص عليهما الحكايات التي تتكلم عن متعة الأكل؛ أذهب وأتي بأطباق جديدة، دون جدوى، فقدت الأمل انا وأمي وأقرباءنا، حتى الجيران، بقبولهما فقط الجلوس على مائدة الطعام؛ على أمل تحريك رغبتهما بتناول ما لذ وطاب من أصناف اللحوم المتنوعة؛ الرد دائماً كان الالتجاء إلى “الدهليز” والبكاء بصوت مخنوق.
ليتني أنا وأمي لم نبارك قرار أمهما، ببقائهما بعهدتنا، لقضاء عطلة الصيف بيننا؛ لا سيما أنهما لا تمسكا بمفاتيح لغتنا العربية، وبالمقابل جهلي وأهلي باللغة الفرنسية، التي اكتسبتاها منذ ولادتهما.
قطعت ثريا عهداً على نفسها بعد موافقة زوجها، أن لا تحرم طفلتيها، سِحر موروثها الشرقي، وتهديه رويداً رويداً لبناتها، لما تذخر لغتنا العربية من جمال المعاني، وما تفيض بها هذه الحضارة القديمة من إبداعات، بكل المجالات، وتميز شعبها بالحميمية في العلاقات الإنسانية.
فهي منذ زواجها ابتعدت عن عالمنا الشرقي وأقامت في فرنسا.
كانت ليلى ولين تتطايرا بيننا كالفراشات الملونة، تتبادلان الأحاديث مع أمهما بشغف، فلا تتركا حدث يمر دون أن تستوضحانه، كونهما بعالم جديد عليهما.
انقلبت حياة هاتين الطفلتين منذ يومين بمجرد سفر أختي وزوجها؛ ومساعينا أصابها العجز في استعادة السعادة لهما.
تزاحمت الأفكار في رأسي؛ أسئلة كثيرة لا أجد لها جواباً، الا إذا تكلمت الطفلتين، أو إحداهما على الأقل عن سبب إضرابهما عن الطعام، واكتفائهما بالسوائل!.
هل هو الفقد لأبويهما وعالمهما اللذان اعتادتا عليه منذ ولادتهما؟
لا ليس ذلك، لأنهما من أصرتا على البقاء عندنا، لقضاء العطلة في المنزل الكبير “بيت جدتهما”.
هل تعانيا من الوحدة؟ لا يمكن.. فبيتنا قلّما يخلو من أخوتي وزوجاتهم وأولادهم، والجميع يتسابقون على بث كل الفرح في قلبيي الضيفتان!
هل شمسنا الساخنة لم تعد تغريهما، واشتاقتا لصقيع الغربة؟
هل أكسجيننا الشرقي لم يعد كافياً لمليء رئتيهما؟
ليتهما تفككا أصفاد صمتهما وتطلقا للسانهما العنان فتنجلي حيرتي.
فجأة أمسكت ليلى بيدي وقادتني إلى مكتبة بيتنا، تناولت ورقة وقلم، وبدأت ترسم بكل ما أوتيت من براءة؛ رسمت طفلتين بوسط بستان، تحيط بهما أنواع كثيرة من الخضر.
سلمتني الورقة وهي تبتسم، نظرتُ إلى الرسم، فلم أفهم ما قصدته؛ أحسست أن الرسم مجموعة من الطلاسم يستحيل فهمها، سيما أن فرحي شتت تركيزي لأنها كفت عن البكاء وابتَسمت.
نظرت ملياً إلى الرسم، ما المقصود بالبستان والخضراوات؟
فجأة قفزت جنيتي من رأسي، أخذت الورقة ورسمت دجاجة بين أعشاب بستانها، خطفت ليلى مني الورقة، وخطت “×” على الدجاجة، سحبت الورقة من يدها، ورسمت بحيرة ملئ بالأسماك، وبجانب البحيرة خروفاً وبقرة، تناولت ليلى الورقة وبدا عليها التوتر، وضعت إكساً على الأسماك والخروف والبقرة.
التفتُ على لين التي كانت تقفز بيني وبين أختها، وهي تغني بالفرنسية، بصوت يملؤه الفرح، بعد أن أشبعتنا عناقاً وقبلاً، وكأنها تقول بكل لغات العالم: (هذا ما نريد(، في هذا المقام حضرني قول الشاعر:
” وإنما أولادنا بيننا.. أكبادنا تمشي على الأرض / لوهبت الريح على بعضهم.. لامتنعت عيني من الغمض”
عذراً ثريا، كيف فاتك أن تخبرينا أن بناتك “نباتيتان”! وكل الحيوانات أصدقائهما؟! ومن غير المعقول أن يقتل الصديق صديقه ثم يأكله.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*