تاسع رمضان.. والموائد الرمضانية السورية خاوية من أهلها وأصنافها

زيتون – ياسمين محمد 

“ماما.. بدي حلاوة الجبن”
لقد نسيت كيف يتم إعدادها، كما قاربت على نسيان طعمها، منذ 3 أعوام لم آكلها لا أنا ولا عائلتي، وفي السابق كان منظرها في واجهات محلات الحلويات يغرينا فنشتريها من إحداها، دون أن نتكلف عناء تحضير هذا الصنف بالتحديد دونا عن سواه، واليوم يتوجب علي اللجوء إلى ذلك المدعو “اليوتيوب”، لمساعدتي في تحضيرها، فلا محال هنا تبيع الحلويات السورية.
التوت الشامي، الجلاب، التمر الهندي، العرقسوس، العصائر بأنواعها، الأوزي، المحاشي، الكبة بأنواعها، السمبوسك، البرك والفطائر، كلها أطباق بمجرد ذكرها يدرك السامع بأنه في المطبخ السوري الذي اشتهر بغناه وتنوع أطباقه، واحتوائها على عناصر غذائية ذات قيمة عالية، هذا فضلا عن الحلويات السورية، الكنافة والنابلسية، النمورة والنهش والبقلاوة، الوربات والشعيبيات والقطايف وحلاوة الجبن وغيرها.
تصل شهرة المطبخ السوري بشكل عام، والموائد الرمضانية بشكل خاص، إلى كافة أنحاء العالم، إلا أن الوضع تغير منذ 9 أعوام، وباتت الموائد السورية التي كانت تعرف دوما بأنها عامرة بالصائمين حولها، كما هي عامرة بمختلف الأصناف، إلى موائد شبه خاوية من كليهما على حد سواء.
ليس بسبب الفقر، ولا نتيجة الأوضاع الاقتصادية، كما أنها ليست محاولة للتقليل من الإسراف والتبذير، وإنما لأن الكثير من أهلها لم يعودوا موجودين، أو على الأقل غير موجودين في بلادهم ومنازلهم، ومن لم يفقد حياته في غارة جوية أو قصف صاروخي أو مدفعي أو برميل متفجر، إما أنه ينتظر دوره، كما هو حال أهالي الشمال السوري هذه الأيام، الذين تتعمد طائرات النظام وروسيا منذ بدء الشهر الكريم، استهدافهم وهم مجتمعون حول موائدهم ينتظرون أذان المغرب.
ارتكبت الطائرات الروسية الثلاثاء الماضي، مجزرة في مدينة جسر الشغور بريف إدلب الغربي، راح ضحيتها نحو 9 شهداء وعدد من الجرحى، لتكمل بعدها بساعات قوات النظام والميليشيات الإيرانية جرائمها، حيث استهدفت وقت السحور بلدة كفر داعل بريف حلب الغربي، ما أدى لسقوط 3 شهداء وإصابة آخرين.
كما قصفت طائرات النظام بالصواريخ الفراغية مساء الجمعة، تزامنا مع وقت الإفطار، مدينة معرة النعمان، وقتلت رجلا وابنه، وجرحت 5 مدنيين، وتابعت إلى بلدة كفرومة لتقتل امرأتين وتسقط عددا من المصابين، فيما اقتصرت في مدينة كفرنبل على عدد من الإصابات، دون سقوط شهداء.
القصف الممنهج والمتعمد للمدنيين السوريين في أوقات الإفطار والسحور في شهر رمضان ليس بالأمر الجديد على النظام وحلفائه، فقد بدأ به النظام منذ وقت مبكر في الثورة.


تحولت الكبة في حالات الحصار إلى حشائش وأحيانا لحوم قطط وكلاب، وأحيانا أخرى إلى بقايا الأطعمة من حاويات القمامة، وفي أحسن الأحوال اعتمدوا على ما تجود به الأرض من نباتات بعلية، في الغالب نبتت على أنقاض بقايا زراعة لم يكتب لمزارعيها استغلالها تحت وطأة القصف.
تقول ربا: “في أول رمضان في الحصار، كان الحصار ما يزال في شهره الثاني، ولم نكن مستعدون له، فكل شيء جاء بشكل مفاجئ، لم يكن في مخازن المحال التجارية ما يكفي لتغطية احتياجات أهالي الغوطة الشرقية، لم نستثني الأرز المتسوس، ولا الخبز اليابس أو المتعفن -هذا إن وجد-“، مضيفة: 
“اعتمدنا على أطباق محددة ومحدودة جدا، وكانت اللحوم حينها أرخص الأنواع المتوفرة، إذ كانت تتوفر بكثرة لحوم الحيوانات المنزلية التي لم يعد لدى أصحابها إمكانية لإطعامها، وبينما تقوم النسوة بتحضير وجبة بسيطة مما توفر، كان الرجال يجتمعون قبل الإفطار حول شجرة تين في الحي، يقطفون بعض ثمارها ليعوض بعض الشيء عن غياب الخبز، ففي المثل الشعبي “إذا حضر التين قرض العجين”.
لكن حال الغوطة كان يزداد سوءا شيئا فشيئا، ومع ذلك فهو أفضل بكثير من حال مناطق جنوب دمشق، التي تخلو منها الزراعات إلا ما ندر.
يقول علاء من أهالي جنوب دمشق: “وصل سوء وضع مدن وبلدات جنوب دمشق إلى حد إفتاء بعض الشيوخ بجواز أكل لحوم القطط والكلاب، وكنا نخرج للبحث عن أنواع نباتات لم تكن حيواناتنا في السابق تقبل أن تتغذى عليها”.
أما في أحياء حمص القديمة، والتي كانت بداية الحصار معها، فلم يتوفر لأهلها أي مما سبق، نظرا لطبيعتها كأحياء مدنية، بينما في الزبداني ومضايا ومناطق الغوطة الغربية فقد كانت هناك زراعات ولكن قناصو النظام وميليشيا حزب الله كانوا بالمرصاد لكل من يحاول الاقتراب، فضلا عن الألغام التي زرعوها.
وفي كافة مناطق الحصار، كان الصيام لدى البعض لأيام متواصلة، وليس كما هو مفروض من الفجر وحتى الغروب، وليس في شهر رمضان فقط، بل كانت معظم أيام السنة مرضانا خاصا بهم وحدهم.

كما لم يقتصر استهداف موائد إفطار السوريين على المناطق المحاصرة، فبينما كانت مريم وزوجها ووالديه في درعا يهمون لتناول أول لقمة معلنين انتهاء صيامهم ذلك اليوم، وإذ بقذيفة تفتح سقف منزلهم وتخترقه لتسقط وسطها، فتنثر ما تنثر وتكسر وتدمر وتقتل ما استطاعت، استشهد مجد زوج مريم ووالده، بينما أصيبت الأم، وكذلك مريم التي فقدت أيضا جنينها الذي كان في بداية تكونه، من شدة الخوف والحزن، سيما أنها ومجد كانا عروسين جديدين، لم يمضي على زواجهما سوى 5 أشهر، لتتحول إلى امرأة أرملة بدل العروس الجديدة، وتفقد جنينها الذي ما لبثت أن فرحت بنبأ أمومتها فيه.


لم يعد للموائد الرمضانية ولا غيرها معنى لدى السوريين، بعد أن تذوقوا طعم الجوع والحصار، وطعم الحرمان من الأحبة، كما طعم التشرد والذل، وطعم الدم والخوف، كما لم يعد لأطباق الحلويات مكان لا على موائدهم، ولا في بطونهم التي باتت ترفضها.
تجلس العائلة السورية منذ عام 2011 على موائد إفطارها في حالة مقارنة بين ما قبل ذلك التاريخ وما حل ويحل بها كل يوم بعده، تعيش حالة تذكر شبه يومي لأحبتها الغائبين أو المغيبين أو المهجرين من لاجئين ونازحين، تجلس على مائدة الإفطار تراقب الأخبار عوضا عن انتظارها الأذان، لا يكفيها بؤسها وسوء حالها بل تجلس بخوف على الأهالي في المناطق المحررة، التي لم يتبق منها اليوم سوى مناطق الشمال.
مع أذان المغرب كل يوم، يعلو صوت نواح خديجة المقيمة حاليا في لبنان، تحدق في الأصناف التي أعدتها كنتها، هذه كان يحبها زوجها الذي قتلته الهموم، وتلك كان يحبها ابنها الذي قتلته صواريخ النظام، أما هذه فكان ابنها المعتقل يحب أن تحضر بطريقة خاصة وإلى جانبها أنواع محددة، كما أنها لا تعلم فيما إذا كان وقت الإفطار قد حان عند ابنها اللاجئ في أمريكا، أم أنه ما يزال صائما حتى الآن، هي تعرف موعد إفطار بناتها اللواتي بقين مشتتات ما بين مناطق النظام والمعارضة في سوريا، لكنها لا تعرف ماذا يأكلن وكيف هو حالهن. 
تنهي نواحها لتعود للصراخ في محاولة منها لإسكات ابنيها وعائلتيهما لتتابع أخبار سوريا، في الزمن الغابر، لبساطتها، وعلى مبدأ “الغريق يتعلق بقشة”، كانت خديجة تشعر بالأمل مع كل تصريح دولي كانت تظن أنه ربما يكون في مصلحة بلدها وأهلها، وربما يجمع شملها بمن بقي من عائلتها على قيد الحياة، أما اليوم فلم يعد لديها أمل برؤيتهم قبل رحيلها، ولا بالعودة إلى منزلها، وكبقية السوريين لم تعد تنطلي عليها تلك الأكاذيب المسماة “تصريحات إعلامية”.
منذ أعوام تحولت موائد السوريين في رمضان إلى جلسات نوح وبكاء في كل منزل فيما يشبه دور العزاء، بعد أن كانت تشبه الأعياد والحفلات كل يوم في منزل، تتناوب العائلات على تقديم الدعوة للبقية، وتتسابق فيما بينها من سيسبق الآخرين في الاستضافة في منزله، وغالبا ما يكون اليوم الأول في منزل رب العائلة الأكبر سنا.
تذهب النسوة قبل الرجال للمساعدة في إعداد الطعام، ثم يتعاون في التنظيف وإعداد الشاي بعد الانتهاء، يصلي الجميع صلاة المغرب، ثم ينطلق إلى المسجد من يريد أداء صلاة التراويح، ليعود جميعهم لمتابعة السهرة وتناول الحلويات، وكثيرا ما تستمر حتى اقتراب وقت السحور.
تلك الطقوس والسهرات، ذهبت مع رياح الثورة، فذهب معها كل ما هو جميل، وانتهت كذلك طقوس الأعياد، وأصبح السوريون يبتلعون أية لقمة على مضض، لا يريدون سوى ما يسندهم كي يتمكنوا من إتمام صيامهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*