أمل.. حين لا يكون للمرء من اسمه نصيب

خاص زيتون

في الأول من تشرين الأول عام 2012، رن هاتف المنزل بُعيد منتصف الليل، ردت إحدى الشقيقات، كانت أمل المتصلة، بعد أن طلبت من الضابط إجراء مكالمة هاتفية، وسمح لها بذلك، لم تقل أمل سوى كلمة السرّ، عرفت شقيقاتها المغزى، وعملن بوصيتها، فتوجهن إلى قريتهن معرة حرمة في ريف إدلب الجنوبي، باستثناء أختها التي كانت طالبةً في كلية الحقوق إذ رفضت المغادرة بدون أمل، وصممت على البقاء في دمشق لمساعدتها وإخراجها من السجن.

كانت أمل تدرك تماماً نتيجة نشاطها والثمن الذي ستدفعه، كما كانت قد هيأت شقيقاتها للموقف، واتفقت معهن على كلمة سر بمجرد سماعهن لها يتوجب عليهن مغادرة المنزل بأقصى سرعة.

آثرت أمل حمل وصية أمها دائماً في حياتها، مكرسة حياتها للعناية بأخواتها الصغيرات على أن تعيش حياتها كأي فتاةٍ في عمرها، حتى باتت الأم والأب وكل عائلتهن.

هربت بشقيقاتها من ظلم زوجة الأب، بعد أن توفيت أمها في عام 1998، تاركةً لها تسع أخوات، أصغرهن رضيعة لم تعرف سوى أمل أماً لها، وتزوج والدها من امرأةٍ أخرى، فتوجهت مع شقيقاتها الأربعة الصغيرات إلى دمشق حيث يقيم أخوهن وعائلته، لتبدأ رحلتها بالبحث عن مأوىً وعملاً تعيش وشقيقاتها منه.

أمل هي الابنة البكر لوالديها، ولدت في عام 1978، ولم تكن تعلم أن حياتها ستكون خارج المألوف ومليئة بالصعوبات، وستنتهي شهيدة تحت التعذيب في سجون النظام.

حياة أمل في دمشق

في مجتمع غريب عليها، قررت أمل تحدي قسوته وصعوبة الحياة فيه، لا سيما أنها شابة جميلة، وبرفقتها فتيات صغيرات، فعملت لسنوات طويلة بائعة في أحد المحلات التجارية، عانت فيها ما عانته.

ما إن اندلعت شرارة الثورة السورية، ورأت أمل لأول مرة الطائرات الحربية من شرفة منزلها، وباتت لياليها مليئةً بالخوف، ليس من الموت وإنما من مستقبلٍ مجهولٍ بالنسبة لها، ما لبث أن بدأ ينكشف أمامها.

عند الساعة الثالثة من فجر يوم 15 حزيران عام 2012، تلقت أمل مكالمةً هاتفيةً من صديق شقيقها أيمن البالغ من العمر 24 عاماً، ليخبرها أن أيمن استشهد.

غادرت أمل المنزل مسرعةً للبحث عنه في مكان القصف، ولكنها لم تجده، كانت تظن أنها ستأخذ جثمانه وتودعه قبل أن تدفنه، لكن الصدمة كانت أكبر مما تتخيل، فبدل أن تحتضن أخاها احتضنت أشلاءً منه.

أخبرها أحد الرجال الموجودين في المكان أن هنالك أشلاء لجثث موضوعة في أكياس النايلون السوداء، فذهبت للبحث عما بقي من شقيقها، لتجد جزءاً من وجهه وشاربه الأشقر، احتضنت بقايا أخيها، وقامت بمراسيم الدفن، وقلبها يكاد ينفجر من الغضب، ثم عادت إلى منزل أخيها لتصطحب أولاده إلى منزلها، وبعد أن كانت تعتني بشقيقاتها اللواتي كنّ قد كبرن قليلاً، باتت مسؤولةً أيضاً عن عائلة أخيها إلى جانب أخواتها.

قبل استشهاد أخيها، كانت أصوات الطائرات الحربية تقضُّ مضجع أمل، والمناظر التي كانت تخلّفها تلك الطائرات، وتحول منطقتها إلى مستعمرات وسجون، وليولد لدى أمل حقد لا حدود له على نظام يقتل المدنيين بطائراته، ويأتي استشهاد أيمن ليعمق الأحقاد أكثر فأكثر.

بدافع الانتقام وكراهية الظلم بدأت نشاطها الثوري في المظاهرات، ومن ثم تهريب الأدوية بين مناطق غوطة دمشق بمساعدة طبيب، ليتم إلقاء القبض عليهما في إحدى تلك المرات من قبل حاجز للنظام على مشارف الغوطة الشرقية، يتبع لفرع المخابرات الجوية.

في السجن

بقيت أمل في سجون فرع التحقيق ومطار المزة العسكري التابعة للمخابرات الجوية بدمشق أربعة أشهر، نقلت بعدها إلى سجن عدرا، وخلال فترة وجودها في عدرا، كانت أختها التي بقيت من أجلها في دمشق، تترد لزيارتها باستمرار، وتنقل رسائل أمل لشقيقاتها، لتتوقف فيما بعد عن زيارة أمل بناءً على طلب منها، ففي آخر زيارةٍ لها طلبت منها أمل عدم زيارتها مجدداً، وذلك لأنها تتعرض لتعذيب شديد وإيذاء من قبل سجانيها عقب كل زيارة، بحسب أخت أمل، التي أضافت:

“في 16 شباط عام 2014، تم نقل أمل إلى سجن صيدنايا، وبعد فترة خرجت إحدى المعتقلات من السجن، وأخبرتنا أن أمل أصيبت بالشلل بسبب التعذيب الشديد الذي كانت تتعرض له في صيدنايا، فعادت أختي للسؤال عن أمل، ولكن دون نتيجة، إلى أن استدعاها الأمن، وتم التحقيق معها بسبب أمل وأنها استشهدت، وفقاً لما أخبروها به، وطلبوا منها أن تكف عن البحث عنها، وتعرضت أختي لتهديدات بسجنها في حال واصلت أسئلتها وبحثها عن أمل، فهربت إلى لبنان عام 2015، بعد أن تيقنت من استشهاد أمل، وهي الآن تتابع دراسة الحقوق”.

كانت أخت أمل تلك الأوفر حظاً بين أخواتها، إذ أن أخت أمل الصغرى، التي توفيت والدتها وعمرها ثلاثة أشهر، وكانت تظن أن أمل هي أمها، وذلك قبل أن تبدأ أمل نشاطها الثوري، بينما كان من ضمن الاستعدادات التي اتخذتها أمل بعد انخراطها بالثورة هي تهيئة أختها الصغرى لفكرة فقدانها، والطلب إليها عدم مناداتها مرة أخرى بـ “ماما”، ومنذ اعتقال أمل تعاني أختها الانطواء بعد خسارتها لأمها مرتين، وتمتنع عن التحدث إلى أي شخص، باستثناء أخت واحدة مقربة منها تناديها باسم “أملي” لشدة تعلقها بأمل.

وتوضح الأخت مصير شقيقاتها الثلاث اللواتي عدن إلى منزل أبيهن وزوجته وأولاده في معرة حرمة، والذين لم يكترثوا لأمر استشهادها، أو يفكروا في الحصول على شهادة وفاتها.

وتردف الأخت: “من حق آمل علينا أن نحي ذكراها، ونستذكر ما قدمت في سبيلنا، ونناصر القضية التي قضت من أجلها وهذا أقل الإيمان، من غير الإنساني أن ننساها، وأن نتجاهل موتها، ليس من الإنصاف ألا نكترث لما عانته، أو نحملها مسؤولية موتها، هي قدمت كل ما لديها لنا ولسوريا، ولربما يأتي اليوم الذي يعود فيه الأمل لسوريا وتخلد فيه ذكرى كل الشهداء الذين قضوا بصمت وظلم”.

“كان يمكن لأمل أن تعيش كما يعيش الكثيرين الأن، معتزلة النشاط الثوري مهتمة بحياتها الشخصية وبشبابها، كان يمكن لها أن تقول ما يقوله الكثيرين “مالي علاقة” لكنها لم تفعل، بل اختارت الطريق الذي رأت فيه الحق على رغم وعورته وخطورته”.

أهم ما يمكن أن نقدمه لها اليوم هو العدالة، القصاص من قاتليها، قاتليها الصامتين والمتجاهلين موتها قبل قاتليها الفعليين، فالصامتون يتحملون موت الجميع لأنهم صمتوا على الظلم حتى ظن الظالم نفسه على حق.

لم تكن حياة شقيقات أمل أفضل بكثير من حياتها، فهربن للمرة الثانية من منزل والدهن إلى تركيا، ولكن هذه المرة دون أمل.

تم انتاج هذه المادة ضمن حملة  #ناجيات_أم_ليس_بعد #Survivors_or_not_yet

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*