تحوّلات جواز السفر السوري الأغلى كلفة في العالم

دفع سامي (اسم مستعار) 1200 دولار، للحصول على جواز سفر سوري عبر قنصلية بلاده في مدينة “إسطنبول” التركية، بعد ثلاث محاولات باءت بالفشل، وفي كل مرة، كان يتكبّد عناء السفر من “غازي عنتاب” إلى إسطنبول، مع تكاليف حجز فندق؛ علاوةً على تعرّضه لعمليات نصب من قبل أفراد يعملون في السمسرة.

تتوزع تكلفة جوازات السفر السورية بين رسم قنصلي يبلغ 825 دولاراً، إضافة إلى 400 دولار للسمسار، مقابل حجز الموعد لدى القنصلية، عدا مصاريف السفر والإقامة في إسطنبول 3 أيام، الفترة التي يحتاجها صدور الجواز المستعجل من القنصلية، والتي يمكن أن يتكبدها أي مواطن يعيش خارج مدينة إسطنبول.

دفع سامي هذه المبالغ كي لا يخسر وظيفته، وهو مستشار لإحدى المنظمات الدولية التي  تقدم الدعم للمجتمع السوري لتخفيف آثار الحرب عليه، ويتطلب العمل معها وجود وثائق رسمية للموظفين، حتى يتمكنوا من السفر، وحضور المؤتمرات، لكن الجواز الذي حصل عليه سامي بعد عناء وتكلفة باهظة صُنّف في 2019 على أنه “رابع أسوأ جواز سفر عالمياً”، وثاني أسوأ جواز عربياً بعد جواز السفر العراقي، وذلك بحسب تصنيف صادر عن مؤشرُ جوازات السفر العالمي (باسبورت إندكس Passport Index)، إذ بلغ عدد الدول التي لا تسمح للسوريين بدخول أراضيها من دون تأشيرة بحسب المؤشر 162 دولة، في حين أن الدول التي تسمح بدخول السوريين من دون “فيزا” 36 دولة، لكن 27 دولة من تلك الدول تفرض تأشيرة الدخول عند الوصول، و9 دول فقط تسمح لهم بالدخول من دون تأشيرة.

سورية دولة متعددة الحكومات والجوازات 

بدأت أزمة جوازات السفر السورية فعلياً مع بداية الحراك الشعبي في آذار/ مارس 2011، وإن كانت موجودة قبل ذلك. إذ كانت تتطلّب الكثير من الإجراءات الأمنية للحصول عليها؛ مثل الحصول على موافقة الأمن السياسي، الذي كان يحرم منها المعارضون السياسيون. هذه الأزمة تحولت إلى ظاهرة، بعد تدفق ألاف السوريين إلى دول الجوار، وخصوصاً تركيا، عبر الحدود البرية هرباً من المعارك والقصف في مناطق شمال سوريا، وسقوط معظم المعابر الحدودية تحت سيطرة المعارضة. ومن هنا ظهرت أزمة الجوازات لكل من خرج بشكل غير نظامي. استخدم النظام سلاح جوازات السفر كنوع من العقاب الجماعي للمعارضين السياسيين والنشطاء واللاجئين والعسكريين، بحرمانهم من الحصول على وثائق رسمية ومن ضمنها جوازات السفر، من أي جهة حكومية على خلفية الأزمة السورية. وكل من كان في السن القانونية للخدمة العسكرية الإلزامية، لا يمكنه الحصول على جواز سفر، إلا بعد مراجعة شعبة التجنيد، والحصول على موافقة منها تؤكد أنه ليس مطلوباً للخدمة العسكرية.

الطلب على جوازات السفر حاجة ملحة لكل سوري خارج البلاد، لكن الإجراءات المعقدة والموافقات الأمنية والسياسية ومراجعات شعب التجنيد، حرمت قسماً كبيراً من الحصول على هذه الوثائق عبر القنصليات السورية، وبذلك، أصبح الحصول على جواز السفر السوري خارج البلاد عبارة عن حلم لن يتمكّن أغلب السوريين من تحقيقه؛ فأخذ السوريون يبحثون عن سبل أخرى للحصول على جوازات السفر، وإن كانت مزوّرة، أو التوجّه إلى الائتلاف السوري المعارض مع بدء حكومته المشكلة في إسطنبول منح الجوازات البديلة التي أصدرتها أواخر عام 2014.

حكومة النظام من المنع إلى جني الأموال

شعر النظام بخطورة ما يحدث عندما أصدر الائتلاف الجوازات البديلة في آب/ أغسطس 2014، واعتبر هذه الخطوة انتقاصاً من سيادته، وبدأ العمل على جبهتين، الأولى قانونية تتعلّق بنشر أرقام الجوازات المزوّرة عبر الإنتربول الدولي في أيلول/ سبتمبر 2014، وأصدر قانون رقم 18 المتضمّن تعليمات منح جواز السفر في 2/11/2014 ونصَّ القانون الجديد على عقوبات رادعة لمن يخالف أحكامه.

وبحسب بعض مصادر وزارة الداخلية، فالقانون الجديد جاء ليحد من تزوير التأشيرات وجوازات السفر، بعدما انتشرت بشكل كبير في الظروف الراهنة التي تعيشها سوريا.

والثانية، تمثلت في سماح السلطات السورية لسفاراتها وبعثاتها الدبلوماسية بإصدار جوازات السفر وتجديدها، للسوريين المقيمين في الخارج، من دون مراجعة الأجهزة الأمنية في دمشق… وذلك في 21 نيسان/ أربريل 2015 وفق قرار صادر عن وزارة الخارجية والمغتربين إلى قنصلياتها وبعثاتها. ويتضمن نص القرار “رفع الأجور القنصلية المتعلقة بمنح الجوازات الجديدة للسوريين المقيمين في الخارج إلى 400 دولار، أو ما يعادلها باليورو”. كما تم “وضع رسم جديد للجوازات المراد تجديدها، وقدره 200 دولار” في خطوة لقطع الطريق أمام الائتلاف وجوازاته.

ومن ثم أتبعه بقرار آخر في 29/3/2017 ينص على تحديد الرسم القنصلي لمنح جواز أو وثيقة سفر للسوريين، بشكل فوري ومستعجل بمبلغ 800 دولار و300 دولار وفق نظام الدور (الحجز).

استخدم النظام سلاح جوازات السفر كنوع من العقاب الجماعي للمعارضين السياسيين واللاجئين والعسكريين، بحرمانهم من الحصول على وثائق رسمية

يوضح المحامي السوري رامي عسّاف المقيم في مدينة غازي عنتاب التركية، ويتابع القضايا القانونية للسوريين في تركيا، أن “مغادرة الأراضي السورية من دون اتباع الإجراءات الرسمية من خلال المنافذ الرئيسة، يجعل صاحب هذه المخالفة الجنائية مرتكباً لجنحة، ويستطيع القضاء السوري أن يعاقبه، لكن عندما تتجاوز أعداد المخالفين الملايين، لا أعتقد أن القضاء يستطيع إقامة كل هذه الدعاوى، لكنها تبقى ورقة يضغط فيها على كل من غادر البلاد بصفة غير مشروعة، وهذه الجنحة لها حد أعلى من السجن وحد أدنى، والقاضي يمكنه استبدال عقوبة السجن بغرامة مالية يتم دفعها”.

ومع تفاقم أزمة النظام السوري المالية، اتخذ إجراءات إضافية في هذا السياق، للحصول على المزيد من الأموال عبر المواطنين السوريين في الخارج، من ضمنها تقليل مدّة جواز السفر لسنتين، بعدما كانت 6 سنوات غير قابلة للتجديد، وبذلك يحصل المواطن السوري على جواز  سفر مدته الفعلية أقل من سنتين، ويتم احتساب المدة من بدء تقديم الطلب، حيث يتأخر صدور الجواز قرابة 3 أشهر بالنسبة إلى الطلبات العادية غير المستعجلة، ويتوجب تقديم طلب ضمن الأشهر الستة الأخيرة  قبل انتهاء الجواز، على رغم من المبالغ الطائلة التي تُدفَع.

ويعتبر عسّاف أن رفع الرسوم من قبل حكومة دمشق هو “عمل من أعمال السيادة، ولها كامل الحرية أن تحدد بأي عملة أيضاً… وما ساهم في تشجيع النظام على ذلك، هو اشتراط بعض الدول للاعتراف بهذه الوثائق أن تكون مصدّقة من الخارجية السورية، وهذا ما دفع المواطنين السوريين إلى استصدار الجوازات من القنصليات السورية، بذلك ضرب النظام عصفورين بحجر واحد. الأول مالي، والثاني أمني سيادي، من خلال اعتراف كل من غادر الأراضي السورية بشكل غير قانوني بعد مراجعة السفارات والقنصليات السورية وإعطاء كامل المعلومات عنه للحصول على جواز السفر”

ترافق هذه القفزة الكبيرة في رسوم الجوازات تزايد أعداد طالبي الجوازات بشكل خاص بعد تزايد أعداد اللاجئين السوريين في دول الجوار، نتيجة الحرب المستمرة في سوريا، ومع تعرض كثر من السوريين للتوقيف في المطارات بسبب الجوازات المزورة، أو جوازات الائتلاف التي كانوا يحملونها. ويكفي أن تمر بالقنصلية السورية في إسطنبول لترى طوابير السوريين على أبوابها ينتظرون الحصول على الجوازات، وهذا ما شاهدناه أمام القنصلية في 22 نيسان 2017 حين رافقنا سامي، في محاولته الثالثة للحصول على جواز سفر.

اتخذ النظام السوري هذه التدابير لحرمان الحكومة الموقّتة من المكاسب المالية التي قد تجنيها، وتحويل تلك الأموال إلى خزينة الدولة. ويذكر (مجلس الشعب السوري) بأن القرار يأتي بهدف “تسهيل أمور المواطنين في الخارج، وتجنيبهم اللجوء إلى السماسرة ومعقبي المعاملات، والسرعة في إنجاز طلباتهم”، لكن الهدف المخفي لهذا القرار هو تأمين إيرادات إضافية لخزينة الدولة العامة؛ إذ كشفت إحصاءات الإدارة العامة للهجرة والجوازات في سوريا أن عدد طلبات جواز السفر عام 2015، بلغت نحو مليون طلب من داخل سوريا وخارجها، بمعدل 5 آلاف طلب يومياً.

يقول الدكتور عماد الدين المصبح وهو أكاديمي سوري معارض وأستاذ مشارك بكلية الاقتصاد والإدارة‏ لدى جامعة القصيم إن “المبَالِغ التي حصل عليها النظام جراء رفعه الرسوم على الجوازات هي بلا شك أرقام كبيرة جداً. وعزز النظام بهذه المبالغ الضحمة الأرصدة “الدولارية” في البنك المركزي حفاظاً على الليرة السورية، ونحن نعلم أن الليرة تمثل آخر حصون النظام”.

وفي هذا الإطار، يوضح الدكتور أحمد يوسف، وهو أكاديمي سوري وخبير اقتصادي، مسألة المبالغ المالية الكبيرة التي تدخل إلى خزينة الدولة بقوله “إن الجوازات التي تستصدرها الحكومة السورية تقدّر بمليون جواز سفر سنوياً، ويتم استصدار معظمها في الخارج من طريق القنصليات السورية، وذلك نظراً إلى الحاجة الماسة لها من قبل المغتربين أو الذين غادروا البلد من دون وثائق، أو الذين انتهت المدة القانونية لجوازاتهم. ويحقق النظام من عملية الاستصدار إيراداً سنوياً لا يقل عن 500 مليون دولار، ما يشكل رافداً قوياً لخزانة الدولة العامة في الظروف الراهنة، التي تتميز بتوقف شبه تام لآلة الإنتاج عن العمل”.

ويؤكد اليوسف استغلال النظام حاجة المواطنين؛ إذ تصدّر الجواز السوري قائمة أغلى جوازات السفر في العالم، وأصبح رسم الحصول على الجواز المستعجل 800 دولار، في الوقت الذي لا تتجاوز كلفة تأمين الجواز وتقديمه للمواطن أكثر من خمسة دولارات”.

وفي مقارنة بسيطة بين كلفة جواز السفر السوري وجواز السفر الأميركي، نجد الفارق الكبير في التكلفة؛ إذ لا تتجاوز تكلفة الحصول على جواز السفر الأميركي في الخارج من قنصليات وسفارات الولايات المتحدة 35 دولاراً، بحسب التعليمات المنشورة على موقع سفارة الولايات المتحدةالأميركية وقنصليتها في مصر.

كيف أصبح واقع الحال؟

حاولنا رصد عملية الحصول على جواز السفر عبر القنصلية السورية في إسطنبول، بعدما تمكّن سامي من الحصول على دور من طريق أحد السماسرة. يقول سامي: “هذه المرة الثالثة التي أحجز فيها الدور للحصول على جواز سفر من القنصلية. في المرة الأولى تعرضت لعملية احتيال من قبل ذلك السمسار، وخسرت 200 دولار ومنعت من دخول القنصلية”.

دفع سامي مبلغ 825 دولاراً رسماً قنصلياً في 20/3/2017، إضافة إلى 400 دولار للسمسار مقابل حجز الموعد، وغيرها من مصاريف السفر والتي تجاوزت 200 دولار، تشمل بطاقة سفر من مدينة غازي عنتاب إلى اسطنبول وبالعكس، إضافة إلى تكاليف الإقامة في الفندق ثلاثة أيام؛ وبذلك تكون قد وصلت كلفة الجواز إلى 1400 دولار.

كان حجز الموعد يتم إلكترونياً، على موقع القنصلية السورية، إلا إنه تم توقيف ذلك نهائياً، لتفتح الأبواب أمام السماسرة وشبكات الاحتيال التي تنشط على مواقع التواصل الاجتماعي وتنشر إعلانات عن “خدماتها”. وكثيراً ما يقع السوريون ضحية تلك الشبكات كما حدث مع هالة (اسم مستعار) وأختها التي قدمت بصحبتها من مدينة قزلتبه في ولاية ماردين إلى إسطنبول بناءً على موعد تم حجزه، عبر أحد مكاتب السماسرة هناك.

على باب القنصلية أخبرها الموظف أن الموعد غير مثبت ومزيف؛ فاتصلت هالة بالسمسار مطالبة إياه بإعادة المبلغ الذي دفعته وهو 200 دولار.

تحدثنا إلى هالة وأختها، اللتين كانتا تريدان الحصول على جوازي سفر من أجل الالتحاق بأسرتهما في إحدى الدول الأوروبية واضطرتا لاستدانة المبلغ من الأقارب، فالكلفة تفوق قدرة معظم السوريين المقيمين في تركيا.

رصد فريق التحقيق أمام القنصلية السورية في 20/3/2017 عدداً من السماسرة، ومعظمهم منتدبون من المكاتب المعتمدة لدى القنصلية. وحدهم يستطيعون حجز المواعيد بالاتفاق مع موظفي القنصلية، ليتقاسموا المبلغ  التي تم تحديدها لأي موعد حجز، وهو 400 دولار.

هذه المبالغ الكبيرة التي تقدّر بنصف قيمة الرسم القنصلي للدور المستعجل، يضطر المواطنون إلى تأمينها حتى يتمكنوا من الوصول إلى مكاتب موظفي القنصلية، لتقديم أوراق الحصول على جواز السفر، والتي هي حق من حقوقهم على الدولة منحهم إياها من دون مقابل، ما يجبر كثيرين ممن لا يستطيعون دفع هذه المبالغ للحصول على جواز سفر نظامي، التوجه  للحصول إلى ما بات يعرف بجوازات الائتلاف مع علمهم أنها مزوّرة، على أمل أن يتمكنوا من تسيير بعض أمورهم.

لعبة القنصلية ومكاتب والسمسرة لحجز الدور

تم إنشاء تطبيق في موقع القنصلية لحجز الدور إلكترونياً، لقطع الطريق أمام استغلال الموظفين والسماسرة؛ غير أن ما يحدث اليوم حوّل الحجز الالكتروني إلى طريقة جديدة للاستغلال، ويظهر ذلك بشكل واضح بمجرد دخول أي شخص إلى موقع القنصلية لحجز الدور، يجد السيستم- النظام مغلقاً، أو لا يستجيب. في المقابل، تتمكن مكاتب السمسرة من منح موعد بكل سهولة، وهذه هي لعبة القنصلية ومكاتب السمسرة. فهناك اتفاق مسبق بين الطرفين على فتح “السيستم” وتشغيله في مواعيد محددة، يتم من خلالها تسجيل أسماء كل الأشخاص الذين يطلبون الدور عبر مكاتب السمسرة، ويتم إرسال نسخة من تلك الأسماء إلى الموظفين كي تتم مقارنتها مع الأسماء المسجلة للدور عبر “السيستم”، وبذلك يتم رفض أي اسم سجّل إلكترونياً ولم يكن موجوداً في القائمة التي قُدّمت لموظفي القنصلية من مكاتب السمسرة المعتمدة.

هذا ما أكده أحد مكاتب السمسرة في إسطنبول، بعدما تواصلنا معه للاستفسار عما يحدث. يقول أحمد وهو موظف في المكتب، “مكتبنا يشتري الدور من شبكة ضيقة مرتبطة بالقنصلية، وندفع لهم عن كل دور 350 دولاراً بشكل مسبق، وأي اسم أو رقم دور لا يتم عن طريق هذه الشبكة الضيقة وإن لم يكن قد دفع المبلغ المطلوب لا يقبل من القنصلية” فالأسماء التي دفعت مسبقاً عبر المكاتب، موجودة لدى موظفي القنصلية.

ويوضح أحمد أن حالات الاحتيال تحدث من قبل بعض السماسرة أو مكاتب تعمل في مجال تسيير المعاملات، لأن هؤلاء يعتمدون على الحجز الإلكتروني أثناء فتح “السيستم فقط، وهذا غير كاف لحجز الدور بشكل نظامي، إن لم يكن هناك تنسيق مع موظفي القنصلية، والدفع لهم مسبقاً من قبل السمسار عن كل اسم؛ لذا يتفاجأ مقدّم الطلب حين يأتي إلى القنصلية على أساس الدور المحجوز له، بعدم وجود دور يخصّه، لأن الموظفين يعرفون مسبقاً الأسماء التي دفعت المبلغ المتّفق عليه”.

وعن زيادة الطلب على الجوازات يقول أحمد “المسألة مرتبطة بالاعتماد، فالدولة التركية لم تعد تعتمد إلا الجوازات الصادرة عن النظام وبتصديق حصري من القنصلية في إسطنبول”. وبذلك ازداد الطلب على الجوازات الصادرة عن قنصليات النظام، إذ يحتاجها كل من يقيم في تركيا للسفر أو للحصول على إقامة.

عدم اعتراف وفساد معلن

بعد تشكيل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد طعمة في 11/11/ 2013، تم إصدار جواز السفر البديل أو ما يعرف بجواز الائتلاف الذي أصدرته الحكومة السورية الموقتة. وهذا القرار جاء بناءً على ما يصفه الائتلاف باعتراف الاتحاد الأوروبي به، ممثلاً شرعياً للشعب السوري، إذ جاء في مقدمة العقد المبرم بينه وبين الشركة السلوفينية أن “الاتحاد الأوروبي يعتبر الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية الممثل الشرعي لتطلعات الشعب السوري”.

ومُنحت جوازت السفر البديلة الصادرة عن الائتلاف، لعشرات آلاف السوريين خارج البلاد، وخصوصاً في تركيا، ممن حرموا من الحصول على جوازت السفر عبر القنصليات السورية لأسباب سياسية أو أمنية، إلا أن هذا الجواز كان سبباً في معاناة كثيرين، حصلوا عليه في تركيا أو إقليم كردستان العراق، إذ اعتبر هذا الجواز مزوّراً.

جواز السفر الذي أصدره الائتلاف هو جواز سفر طبق الأصل عن الجواز السوري الرسمي الذي يمنحه النظام السوري في شكله ومدته وطريقة تجديده، وعليه تواقيع وأختام رسمية صادرة عن فروع الهجرة والجوازات في بعض المدن والمحافظات التي سيطرت عليها المعارضة المسلحة واستولت على كل السجلات والأختام  فيها. وهي مصنّفة كجوازات مزورة، لا تحمل أي إشارة إلى الجهة التي استصدرتها وهي الحكومة السورية الموقتة، كونها لم تنل الاعتراف والشرعية القانونية، من أي دولة حتى من مجموعة “أصدقاء الشعب السوري”، التي تأسّست في 2012، لدعم معارضة نظام بشار الأسد.

حرب الجوازات وكسب الشرعية

ترافق توسع رقعة الصراع المسلح لانتزاع السيطرة العسكرية على مراكز المدن والبلدات السورية، وتدفق اللاجئين إلى تركيا، مع معركة أخرى متعددة الجوانب يحاول فيها كل من المعارضة والنظام السوري بشتى الوسائل انتزاع الشرعية من الآخر. وكانت جوازات السفر إحدى تلك الساحات، وتجسّد ذلك بقرار الائتلاف السوري المعارض، إصدار جواز السفر البديل بعد تشكيل الحكومة الموقتة في تركيا، بخاصة بعد الإجراءات الصارمة التي اتخذها النظام السوري بحق معارضيه السياسيين والمنشقين عن الجيش، بحرمانهم من الوثائق. ولم يكتفِ النظام السوري بذلك، بل اتخذ إجراءات أكثر صرامة  للمزيد من التضييق على كل من يعارضه، كنشره أرقام جوازات بعض المعارضين والنشطاء، الذين تمكنوا سابقاً من الحصول عليها من القنصليات السورية بشكل نظامي، على أنها جوازات مسروقة.

شعر النظام بخطورة ما يحدث، عندما أصدر الائتلاف الجوازات في شهر آب/ أغسطس 2014، واعتبر هذه الخطوة انتقاصاً من سيادته، فاتخذ مجموعة من التدابير القانونية تم سردها بالتفصيل في الجزء الأول من التحقيق، وتخفيف الإجراءات في مسألة الحصول على الوثائق في خطوة لقطع الطريق أمام الائتلاف وجوازاته.

جريمة موصوفة وفق القانون

حول قانونية إصدار جواز السفر من قبل الحكومة الموقتة التي لم تعترف بها أي دولة، توجهنا بالسؤال إلى الجهات المختصة بالقانون والتي أجمعت على عدم قانونية هذه الجوازات، واصفة ما قامت به هذه الحكومة بالجريمة.

يوضح المحامي غزوان قرنفل الرئيس السابق لتجمع المحامين السوريين الأحرار، المسألة قائلاً: “الحكومة السورية الموقتة لا تملك الصلاحية التي تخولها إصدار وثائق سفر، فهي ليست حكومة معترفاً بها دولياً، كممثل قانوني للشعب السوري (أو حتى لجزء منه)، ولا يزال النظام هو الممثل القانوني للدولة السورية، ويشغل موقعها في المنظمات الإقليمية والدولية؛ وبالتالي فتلك الحكومة هي أشبه بكيان سياسي سمّى نفسه حكومة موقتة، وأناط بنفسه مهمات تقديم خدمات (محدودة)، ضمن المناطق الخارجة عن سيطرة النظام”.

ويوضح قرنفل أن “إقدام الحكومة الموقتة على تلك الخطوة يمثل جريمة مركّبة، فهي جريمة اعتداء على سلطة الدولة، فضلاً عن جريمة إصدار وثائق مزوّرة عن جهة لا تملك الحق والصلاحية لذلك”.

التعرض للاحتجاز وخسارة الأموال مقابل جواز مزور

المتضررون من هذا الجواز الصادر من الائتلاف كثر، وتراوح الضرر بين خسارة المبالغ التي دُفعت، مقابل الحصول على هذه الوثيقة، من دون أن يستفيد الشخص منها بشيء، وبين من تم توقيفهم في مطارات تركيا واحتجزوا شهوراً، وترحيل بعضهم إلى سوريا بسبب استخدام هذا الجواز.

عاش هيثم شهرين من معاناة الاحتجاز، داخل قسم الشرطة في مطار إسطنبول، ومركز التوقيف في شعبة الأجانب في مدينة غازي عينتاب. توقيفه لم يكن على خلفية جريمة ارتكبها أو ذنب اقترفه، إنما لأنه يحمل جواز سفر صادراً عن الحكومة السورية الموقتة التي شكّلها “الائتلافالوطني لقوى المعارضة والثورة السورية” في تركيا، والتي بدأ الائتلاف إصدارها في آب 2014.

في 21/1/2017 توجّه هيثم (32 سنة)، ابن مدينة عامودا السورية والمقيم في تركيا منذ 10 سنوات، من مطار إسطنبول إلى بيروت وهو واثق بأن كل شيء على ما يرام. في مطار بيروت، تم توقيفه وأعيد إلى إسطنبول مرة أخرى لعدم اعتراف الحكومة اللبنانية بالجوزات الصادرة عن حكومة المعارضة السورية وغياب ختم الدخول إلى تركيا، فيما الجواز يشير إلى أنه صادر من داخل سوريا.

في مطار “أتاتورك” بدأ هيثم رحلة جديدة لكن من نوع آخر، رحلة معاناة جراء التحقيقات والتفتيش من جهات أمنية عدة في سجن المطار، إلى أن خرج هيثم من السجن وعاد إلى عمله بفضل دعوى قضائية رفعها المحامي الذي وكلته الشركة التي يعمل فيها.

لا أرقام دقيقة أو إحصاءات رسمية عن أعداد الأشخاص الذين أوقفتهم السلطات التركية، بسبب جوازات الائتلاف، وتراوحت الإجراءات التي اتخذت بحقهم بين إتلاف الجواز والترحيل.

المحامي السوري والمستشار القانوني مجد الطباع وهو موظّف في “مؤسسة بيلاتين القانونية العربية التركية، ومقرها إسطنبول وهي تتابع ملفات السوريين الذين يتم توقيفهم بسبب الجوازات المزورة وقضايا أخرى، يكشف  أن “عدد الأشخاص الذين يواجهون قضايا تزوير بسبب جوازات السفر الصادرة عن الائتلاف الوطني السوري، تجاوز  315 حالة في إسطنبول وحدها خلال 2017”. ويضيف: “كانت العقوبة في بداية الأمر هي إتلاف الجواز من قبل الموظفين الأتراك؛ في ما بعد واجه عدد من الموقوفين عقوبة الترحيل، وفي الوقت الحاضر يواجه الموقوف تهمة التزوير ويتم توقيفه في السجن المركزي في “مالتيبة” في إسطنبول، ثم يتحول الملف إلى النيابة العامة، ومن بعدها يرفع الملف إلى المحكمة الجزائية”.

وعن عدد المرحّلين يوضح مجد، أن هناك 109 أشخاص تم ترحيلهم في 2017 بخاصة في مطارات إسطنبول.

يسرد الطباع المكلف بمتابعة قضية إبراهيم من مدينة درعا تفاصيل توقيفه في مطار أتاتورك قبل مغادرته إلى بيروت، في منتصف شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، بتهمة الجواز المزور الذي كان يحمله والصادر عن الائتلاف، إذ قرر إبراهيم السفر إلى بيروت للقاء أهله الذين لم يرهم منذ أكثر من 3 سنوات، حين غادر سوريا هرباً من الخدمة العسكرية.

يقول الطباع: “صدر قرار بترحيله وبقي محتجزاً في المطار ولحسن الحظ أنه كان كتب وكالة قانونية للمحامي لشأن آخر، فاستفدنا منها وطعنّا بقرار الترحيل الذي بموجبه سيتم حرمانه 5 سنوات من دخول تركيا، وقد رفعنا دعوى تظلّم إداري، وأخلي سبيله بكفالة خلال 45 يوماً”.

يقول هيثم “المحتجزون ضمن شعبة الأجانب في غازي عينتاب، في غالبيتهم العظمى كانوا من السوريين، وكل 15 يوماً كان يتم ترحيل حوالى 20 شخصاً إلى سوريا، وأنا كنت واحداً منهم، وأعادوني من منتصف الطريق بطلب من المحكمة”.

*إصدار جوازات السفر من دون الحصول على اعتراف

كلّف الائتلاف السوري المعارض، رئيس الحكومة الموقتة أحمد طعمة ووزير المالية إبراهيم ميرو وعضو الائتلاف محمد نذير الحكيم الذي انتُخبَ في ما بعد أميناً عاماً لـ”الائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة السورية”، باستصدار جواز السفر البديل عن الحكومة الموقتة، على أن يتسلّم مشروع الجوازات بشكل كامل نذير الحكيم عراب المشرو، في 18 /3/ 2014 (الوثيقة رقم 1).

ووفقاً للوثائق والمراسلات (الوثيقة رقم 2) التي تمكّنا من الحصول عليها بين كل من رئيس الحكومة ومحمد نذير الحكيم وإبراهيم ميرو وزير المالية تبيّن أنّ المشروع سوف يتم تمويله بشكل جزئي من الدعم الذي قدّمته دولة قطر بتاريخ 22/1/2014 والبالغ 50 مليون يورو، والجزء الآخر تم اقتطاعه من احتياطي الطوارئ والرواتب المخصصة للدفاع المدني (وثيقة رقم 3).

وتم اعتماد المشروع من خلال تأسيس شركة يديرها محمد نذير الحكيم تحت اسم: (Entexıt Syr Dış Ticaret Limited Şirketi)في مدينة إسطنبول التركيّة بتاريخ 18-06-2014 برأسمال 100 ألف ليرة تركية أي ما يعادل 45 ألف دولار وبتفويض رسمي وقّعه رئيس الحكومة، باستلام ملف الجوازات البديلة.

وقّعت الحكومة السورية الموقتة مع الشركة السلوفينية (d.d. CETIS) التي تُعتبر واحدة من الشركات الأوروبية الرائدة في مجال المنتجات والخدمات ذات الصلة بالطباعة، عقداً (الوثيقة رقم 4) لطباعة مليون نسخة من جواز السفر البديل، بقيمة مليونين و400 ألف يورو، وتضاف إليها مصاريف الشحن والجمارك ليناهز المبلغ  الإجمالي ما يقرب من 3 مليون دولار، وذلك بتاريخ 15/6/2014، على أن يتم تسليم “البضاعة” وشحنها إلى مطار غازي عنتاب في تركيا على خمس دفعات، 200 ألف جواز كل 8 أسابيع بحسب ملحق العقد المبرم بين الطرفين. وتم تحويل 997 ألف دولار في أول دفعة من المبلغ المتفق عليه إلى الشركة السلوفينية عبر تحويل مصرفي بتاريخ 17/7/2014 وفق الإيصال المرفق. هذا يعني أن الحكومة التركية كانت على اطلاع على تفاصيل الصفقة بين الحكومة الموقتة والشركة السلوفينية، إذ إن التحويلات المالية تمت عبر مصارف تركيا، وشحن الجوازات تم عبر مطار غازي عنتاب.

تم تسليم أول دفعة من الجوازات بعد شهرين من توقيع العقد أي في 15/8/2014، وباشرت الحكومة السورية الموقتة باستصدارها للمواطنين، وتم توزيع 33 ألف جواز بحسب ما صرح به نذير الحكيم في اجتماع مع منظمات المجتمع المدني، دعت إليه منظمة “مدنيّون للعدالة والسلاممنتصف شهر أيار/ مايو 2017 في إسطنبول.

الائتلاف يتنصّل والحكومة السورية ترفع شكوى للإنتربول

طرأ تغيير على موقف الحكومة التركية التي كانت تغضّ النظر سابقاً عن وجود وثائق غير قانونية لدى السوريين، في بداية الأزمة السورية، ومن ضمنها الجوازات التي أصدرها الائتلاف. وبدأت تتكرّر حالات توقيف للمواطنين السوريين الذين يحملون تلك الجوازات، وهذا ما دفع الائتلاف إلى إغلاق مكتبه الذي تم تخصيصه للتعامل مع طالبي الجوازات في إسطنبول والريحانية وغازي عنتاب، في نهاية 2015 واقتصر الحصول على الجواز عبر الوكلاء المنتشرين في محافظات تركية ودول الجوار.

يعتقد بعض المختصين أن تغيّر موقف الحكومة التركية جاء نزولاً عند رغبة الاتحاد الأوروبي في وقف تدفق اللاجئين السوريين إلى أوروبا الذي شهد ذروته 2015 ودفعت الاتحاد الأوروبي إلى إبرام اتفاقية خاصة باللاجئين مع تركيا (آذار/ مارس 2016)، تقضي بإغلاق الحدود مقابل دفع الاتحاد الأوروبي 6 مليارات دولار لإبقاء اللاجئين السوريين لديها.

سبق ذلك طلب دول أوروبية تشديد إجراءات التدقيق عند الحدود الخارجية للاتحاد، للتأكد من صحة جوازات السفر السورية، بعد التفجيرات التي وقعت في باريس، يوم 13 تشرين الثاني 2015 قرب “ستاد دو فرانس في سان دوني”، تم العثور على جوازي سفر سوري مزورين، بالقرب من الانتحاريين الذين فجروا أنفسهم.

في رسالة لوزير الداخلية الفرنسي “برنار كازنوف نشرتها وكالة “فرانس برس” بتاريح 28 كانون الأول/ ديسمبر 2015، يطلب من الاتحاد الأوروبي في بروكسيل تحسين إجراءات التدقيق عند الحدود الخارجية للاتحاد، كذلك طلب من بروكسيل “لفت نظر” تركيا إلى الأمر، إذ “يتم الاتجار بجوازات سفر سورية”.

تعميم الأرقام

عمّم النظام السوري أرقام الجوازات السورية للإنتربول، وأعلن أنها مسروقة وتعود في غالبيتها إلى معارضين أو نشطاء، وذلك بهدف ملاحقة حامليها. وترتب على ذلك المزيد من التدقيق في المطارات التركية وقبرص ولبنان على الجوازات السورية، وخصوصاً بعدما طلبت دول عدة من تركيا ذلك، وبالتالي، توقف التعامل في تركيا مع جواز الائتلاف في الدوائر الحكومية والمصارف، وغيرها من الإجراءات التي تتطلب وجود جواز سفر، وبدأت السلطات التركية توقيف كل من يحمل هذه الجوزات التي أصدرها الائتلاف.

وما حدث مع رودي في مطار قبرص قد يكون أنموذجاً لما يحدث مع كل من يحمل جواز سفر من الائتلاف السوري المعارض، باستثناء بعض الذين التي لم يتم اكتشاف قصصهم واستطاعوا السفر بهذه الجوازات.

رودي (28 سنة من مدينة حلب)، يقيم في مدينة عينتاب التركية، كان حصل على جواز الائتلاف من مدينة غازي عينتاب في 16/10 /2015 صالح لسنتين، وأراد الحصول على الإقامة السياحية بدل بطاقة الحماية الموقتة التي كان يحملها والمعروفة بـ”الكمليك” في تركيا؛ لكن الحصول على الإقامة يحتاج إلى جواز سفر ساري المفعول، ومختوم بختم دخول نظامي إلى تركيا من أحد المعابر أو المطارات.

قرر رودي السفر إلى قبرص في منتصف عام 2016 مع مجموعة من أصدقائه كي يتم ختم جوازاتهم بشكل قانوني، وقد حجزوا الفندق لثلاثة أيام ورحلة طيران ذهاباً وإياباً.

في مطار قبرص لم يسمحوا لهم دخول قبرص بل اقتادوهم إلى سجن المطار كي ينظروا في أمر جواز سفره. يقول رودي “على رغم احتجاجنا أنا وبعض أصدقائي، تم توقيفنا أكثر من 12 ساعة، ومن ثم أعادونا إلى تركيا من دون ختم جوازتنا”.

حاول الائتلاف التنصّل من المشروع، وبدأ أعضاؤه نشر تصريحات متضاربة في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، حول عدم إصدار الائتلاف الجواز البديل، فيما قال البعض إنه تم إصداره بموافقة مجموعة صغيرة من دون أي استشارة من اللجنة القانونية، وفق تصريح لهيثم المالح، رئيس اللجنة القانونية في الائتلاف، على صفحته في “فيسبوك”، بتاريخ 18 كانون الثاني/ يناير 2019. وأكد عضو المجلس الوطني الكردي في الهيئة السياسية في الائتلاف فؤاد عليكو لفريق التحقيق  أن “موضوع الجوازات لم يُناقش مع المجلس الوطني الكردي ضمن الائتلاف، ولا علاقة للمجلس بالجوازات التي أصدرها الائتلاف، وقد يكون ذلك تم مع أحد أعضاء المجلس الوطني بصفة شخصية، وليس لدى المجلس أي معلومات حول ذلك”.

ويظهر ذلك التضارب في تغريدة لأحمد رمضان عضو الهيئة السياسية ورئيس الدائـرة الإعلاميـة في الائتلاف الوطني السوري بتاريخ 12 أيار 2017، عن عدم تجريم القضاء التركي حاملي جوازات سفر المعارضة السورية.

فجاء الرد من رئيس الائتلاف السابق خالد خوجة،  في تغريدة في اليوم التالي، قال فيه إنه “ليس لدى المعارضة جوازات، وإنما هناك شبكات تزوير، والسوري الذي يحمل الجواز المزور لا يجرّمه القضاء أصلاً، أما المنع من الدخول، أو المغادرة فذلك قائم”.

حاولنا الاتصال برمضان للاستفسار عن جواز السفر البديل الذي أصدره الائتلاف وموقف السلطات التركية منه، غير أنه امتنع عن الرد على أسئلتنا.

يعلّق الدكتور عماد الدين المصبح وهو أكاديمي سوري معارض، على ذلك “أستطيع القول إن المبالغ التي من المتوقّع أن أعضاء الحكومة الموقتة قد قبضوها، يمكن اعتبارها جزءاً من عمليات فساد مورست على الشعب السوري المغلوب على أمره. وطبعاً لا نملك الأدلة التي تمكننا من تبني فكرة الفساد”، لكن بالعودة إلى شركة نذير الحكيم، فالوثيقة التي في حوزتنا تثبت ملكيّتها للحكومة السورية الموقتة (الوثيقة رقم 5).

لكن رئيس فرع الهجرة والجوازات في دمشق العقيد فواز الأحمد، أكد في تصريح لوكالة “سبوتنيك” الروسية في 24/7/2017، أن سوريا قدّمت شكوى رسمية للأمم المتحدة والإنتربول بهذا الشأن، وكانت قدّمت في وقت سابق أرقاماً لجوازات سفر مسروقة إلى الإنتربول لملاحقة حاملي هذه الجوازات وتم تعميم أرقامها.

أين ذهبت الأموال؟

وفق العقد الموقع بين الحكومة الممثّلة بوزارة المالية وشركة محمد نذير الحكيم والشركة السلوفينية (d.d. CETIS)، تم تحويل المبالغ على دفعتين، الأولى مليون دولار نقداً، دخل إلى حساب شركة محمد نذير الحكيم في بنك turkiye finans وتم تحويل المبلغ إلى الشركة السلوفينية بتاريخ 17/7/2014 بحسب الإيميلات والفواتير التي تم تداولها بين كل من محمد نذير الحكيم وإبراهيم ميرو وعماد بركات المدير العام للحسابات المركزية (الوثيقة 6) والتي تمكنّا من الحصول على نسخ عنها.

رفض ميرو التوقيع على الدفعة الثانية بعد قرار الائتلاف سحب الثقة من الحكومة الموقتة برئاسة أحمد طعمة، بأغلبية 66 صوتاً خلال اجتماع الهيئة العامة في 20 و21 تموز/ يوليو 2014 وتكليف الحكومة بتصريف الأعمال حتى الانتهاء من تشكيل حكومة جديدة. ورفض ميرو جاء بحسب أشخاص من داخل الحكومة، حتى تكليفه بشكل رسمي بمنصب وزير المالية ضمن التشكيلة الجديدة، وفعلاً، كلّف طعمة ميرو بتسيير شؤون وزارة المالية والاقتصاد ضمن القرار 99 في 2/12/2014. (الوثيقة رقم 7)

تمّ دفع كامل المبلغ للشركة السلوفينية ومقداره مليونان و400 ألف يورو، اقتطعَ جزء من احتياط الطوارئ وفق إحدى الوثائق الموقعة من الوزير ميرو، والجزء الآخر تم دفعه من المنحة المقدمة من قطر.

للتأكد من ذلك، حاولنا التواصل مع الشركة السلوفينية (d.d. CETIS) للوقوف على حيثيات الموضوع والاستفسار عما إذا كان يحق للشركة طباعة هذا النوع من الوثائق الأمنية لجهة غير معترف بها دولياً، والتأكّد من معرفة الشركة، أن ما تمت طباعته في صفقة الجوازات السورية، هي جوازات يتم توقيف حامليها في المطارات، وإن كان لدى المسؤولين في شركة الطباعة أي معلومة عن إنجاز المشروع المذكور بشكل كامل؛ أي مليون جواز سفر.  وهل استلمت الشركة مستحقاتها المالية وفق العقد المبرم بينها وبين الائتلاف السوري المعارض؟

وعلى رغم محاولتنا المتتالية للتواصل مع المدير التنفيذي رومان زندريج (Roman Žnidarič)، المسؤول عن الطباعة الأمنية في الشركة، إلا أنه لم يجبنا.

إذاً تم تخطيط مشروع الجوازات البديلة وتنفيذه، كجزء من حالة الفوضى السورية وترك أبواب الأسئلة مشرعة، أين ذهبت الأموال التي تم تحصيلها من بيع 33 ألف جواز سفر، بحسب ما صرح به نذير الحكيم، وتمّ تحديد قيمة إصدار الجواز من قبل حكومة طعمة بـ200 دولار للمعاملات البطيئة و400 دولار للمستعجلة و100 دولار للصاقة التجديد؟

يرى الخبير الاقتصادي أحمد يوسف أن من خطط لمشروع الجوازات، أجرى عمليات حسابية دقيقة مع بعض من يملكون عقلية مافيوية، أثبتت أن للمشروع جدوى اقتصادية كبيرة! ويضيف يوسف: “إن الإقدام على مثل هذه الخطوة وعبر شركة خاصة، يتم تأسيسها لهذا الغرض لا يدخل سوى في خانة البحث عن مصادر دخل غير شرعية، فكلفة النسخة الواحدة للجواز البديل لا تتجاوز ثلاثة دولارات أميركية ويتم بيعها بسعر متوسط 300 دولار أميركي للنسخة الواحدة، هذا يعني أنها حققت إيرادات تجاوزت عشرة ملايين دولار أميركي”.

كمال أوسكان وآدم الحسين – الدرج

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*