اتهامات بالجملة لمسلسل “دقيقة صمت”… وبطله ينقلب على الكاتب.. وأمل عرفة ليست وحدها

شياء كثيرة يمكن أن تقال في المسلسل السوري “دقيقة صمت”، الذي احتل سدّة المشاهدة الرمضانية، لكن مهما شرّق المرء وغرّب لن يخطر في باله ما كتبه سيناريست موال للنظام عندما اعتبر أن المسلسل “ترجمة درامية لفتوى ابن تيميّة بتكفير العلويين”، وأن رسالة العمل “مرسومة بحرفية للنيل من عقائد العلويين وطقوسهم” (من حسن الحظ أن كاتب المسلسل سامر رضوان يتحدّر من الطائفة العلوية)، وتصنيفه ضمن أعمال تهدف إلى “تهشيم مكون اجتماعي سوري هام وتسعى إلى مسخه واستئصاله من المنطقة كاستطالة سرطانية مؤذية”، وصولاً إلى مطالبة “الرئيس” بإصدار أمر “بتشكيل لجنة قضائية خاصة للتحقيق في ذلك”.

الكلام صادر عن كاتب سيناريو، لا عن زعيم ميليشا، ومع ذلك بإمكاننا أن نلمح المقصلة تطلّ من بين السطور. هو نوع من تحريم وتجريم كل اقتراب من الطائفة حتى على سبيل الدراسة والبحث أو مجرد الذكر.

كان علينا أن نتوقع ذلك، ما دام مجرد الكلام عن النظام، والمطالبة بالحرية، والكرامة، يدرج في سياق حرب طائفية، حتى لو شقّ الشعب نفسه في محاولة إثبات العكس.

هنا، في ردود فعل من هذا النوع، يمكن أيضاً تفسير جزء من الضجيج الاستثنائي حول مسلسل. نقد الفساد ليس جديداً، وأداء الممثلين السوريين ليس خارقاً للعادة. لكن على ما يبدو فإن المسلسل شوهد بتلك الحساسية الطائفية الفائقة. ممنوع إذن الاقتراب والتصوير، أو أن المقصلة تلوح في الأفق.

الممثل مجرد أداة

“أنا لست صاحب المشروع، أنا مجرد أداة، والمخرج هو صاحب الرؤيا”.. عبارات لطالما سمعناها من ممثلين سوريين في سياق التنصّل مما يرمي إليه العمل الفني. هي الحالة الوحيدة التي يقبل فيها الممثل النجم أن يكون متواضعاً ومستضعفاً بلا حول ولا قوة، غير طامح بأكثر من أن يكون مجرد أداة.

لكن الممثل خالد القيش، أحد الأبطال البارزين لمسلسل “دقيقة صمت”، قرر أن يقلب الطاولة على مؤلف العمل، صاحب الرؤيا هذه المرة، باعتبار أن مخرجه التونسي شوقي الماجري قد نأى بنفسه عن أي جدال حول المسلسل السوري.

قال القيش، لبرنامج “مشهدية” على قناة “الميادين”، إنه يخالف تصريحات كاتب المسلسل سامر رضوان (تلك التي تحدث فيها الأخير عن خصومة مع النظام): “كلنا ضد. نحن اشتغلنا المسلسل ليس بهذه الطريقة. التسهيلات التي صارت للمسلسل ما صارت لأي مسلسل ثان. (إذ) يتطلب فوتات لأماكن ما حدا بيسمح لك تفوت عليها. هذا الكلام لا يمثلنا أبداً، ولا يمثل الشركة، ولا المخرج، ولا عابد فهد (بطل العمل)..”.

عندما يصل المتابع إلى ختام الحلقة، إلى هذا العبارة بالذات: “ستبقى سوريا قوية بجيشها وقائدها… رغم أنوف كل العالم”، سيسهل عليه تفسير انقلاب الممثل على صاحب العمل، سيسهل تفسير تحوّل “مجرد أداة” إلى صاحب رؤيا.

لسان المجتمع المتجانس

أمل عرفة ليست وحدها في تلك المسخرة التلفزيونية عن ضحايا مجزرة الكيماوي في غوطة دمشق الشرقية. المسخرة، التي اتخذت شكل لوحة كوميدية تحت عنوان “يا غافل إلك الله”، لها مؤلف، مؤلفها هو شادي كيوان. ولها معدّ ومشرف هو رانيا الجبّان. أما مخرجها فهو حسام الرنتيسي. كذلك فإن اللوحة لم تكن لتنجز لولا جهود فريق كبير من الممثلين الزملاء، محمد حداقي، حسام تحسين بيك، آمال سعد الدين، جمال العلي، حسين عباس، محمد زرزور،..

اللوحة التي تزعم أن المجزرة مزوّرة، وبالذات من قبل أصحاب “الخوذ البيضاء”، هي جزء من مسلسل “كونتاك” تنتجه شركة “إيمار الشام” التي تديرها الناقدة ديانا جبور، وهي واحدة من المجلس الاستشاري النسائي الذي شكله ديمستورا، وما زال معارضون كثر يحلفون برأسها، علماً أنها كانت مديرة للتلفزيون السوري الناطق باسم النظام، في عزّ التزوير الإعلامي على مدار سنوات الحرب، ثم مديرة مؤسسة الإنتاج التلفزيوني التابعة للنظام.

عرفة ليست وحدها، ولا كذلك جبور أو زرزور. قبل هؤلاء سخر شعراء وأدباء ومقاومون مزعومون من كل المقتلة السورية، من “الخوذ البيضاء”، ومن ضحايا الكيماوي.

إنهم جميعاً جزء من جماعة متجانسة، وتلك هي المصيبة. فالمجرم لا يستطيع أن يكون مجرماً، أو يستمر في إجرامه، لولا أن هناك حشداً من المجرمين السافرين أو المتسترين يدافعون عنه ويحمون ظهره ويقدمون له المسوغات اللازمة.

في آخر اللوحة/ المسخرة يظهر خبر يقول إن “فيلم الكيماوي” ذاك قد حاز الأوسكار. إثر الخبر تدهم أجهزة الأمن الأشخاص الذين قاموا بالتمثيلية. يقسم هؤلاء بأنهم أجبروا عليها، فيأتي جواب رجل الأمن “الآن في الفرع ستشاهدون فيلماً آخر اسمه “نجوم الظهر”.

هل بإمكان مجتمع الأسد المتجانس إنكار هذا الفيلم أيضاً!

أفلام روسية

روسيا بصدد إنتاج أفلام سينمائية وتلفزيونية تتناول أنشطتها في سوريا خلال السنوات الأخيرة، بحسب تصريحات للدائرة السياسية في وزارة الدفاع الروسية. ستشهد الشاشات قريباً نسخة روسية من أفلام حربية يبدو فيها المحتل المدجج بالسلاح بطلاً وفاتحاً ومخلصاً.

وما دام مسرح الأحداث في سوريا يمكن أن نتوقع مشاركة ممثلين (وفنيين) سوريين في هذه الأعمال، كضحايا، كأشرار، كإرهابيين، كمترجمين…

هو باب رزق جديد إذن، لن يتورع كثيرون عن الالتحاق به، ولا سيما أن سوريي النظام يؤمنون بالفعل بأن روسيا و”أبو علي بوتين” كانوا مخلّصين ومنقذين. أما من لم يكن مقتنعاً بعد فعليه بعبارة الممثلين إياها “الممثل مجرد أداة”!

المصدر:

القدس العربي – راشد عيسى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*