معارك حماة وسقوط أستانة

زيتون – عدنان الصايغ

لم يعد سراً اليوم أن قرار الفصائل في هجومها المعاكس هو قرار تركي خالص، وهذا لا ينتقص من جدارة مقاتلي المعارضة الذين أثبتوا قدرتهم الميدانية وتفوقهم في المعارك التي يخوضونها ضد قوات النظام أو الميليشيات الأجنبية.

وتؤكد دلالات المعركة أن الاتفاق التركي الروسي قد انتهى، وانتهت معه أستانة وسوتشي، وأن الخلاف وصل إلى نقطة اللاعودة، والعودة إلى ميدان المعارك، هذه المعارك التي فرضتها روسيا بعجرفة المنتصر التي لا تليق بمفاوض وحليف على الطرف التركي، بعد تعنتها واستعجالها في انهاء ملف إدلب، في محاولة منها للضغط على الضامن التركي لتقديم تنازلات تقول في ظاهرها روسيا أنها تتعلق بتطبيق بنود الاتفاق من خروج التنظيمات المتشددة وتسيير دوريات مشتركة إضافة إلى فتح طريقي حلب – دمشق وحلب – اللاذقية (m5 – m4)، لكن قد يكون جوهر المشكلة يكمن فيما هو أبعد من ذلك.

وقد يكون جوهر الحقيقة في الجفاء الأمريكي التركي الذي حاولت روسيا استغلاله ببيع صواريخ الأس 400 لتركيا، الأمر الذي يهدد أنقرة بعقوبات خطيرة نظرا لحساسية وجود تركيا في حلف شمال الأطلسي، فكان الضغط الروسي في إدلب نتيجة لثقة روسيا بعدم تراجع أنقرة في قطيعتها مع أمريكا، التي عرضت بدورها بدائل عن صواريخ الأس 400 بمقاتلات الأف 35 وصواريخ الباتريوت.

الرفض الروسي لطلب أردوغان بوقف الهجوم على إدلب اتكأ على عجز أنقرة وضيق خياراتها وابتزازها وهي في أضعف حالاتها، وذلك بعد العداء الأوروبي الأمريكي، مستبعدة أي تقارب قد يحصل ما بين أنقرة وواشنطن، لكن وقائع معارك حماة الآن تشير إلى خطأ توقعاتها، إذ لا شك أن تقاربا تركيا أمريكيا قد جرى، وبدأ بقلب الطاولة على روسيا، ما يهدد كل ما استثمرته الأخيرة في سوريا خصوصا.

وتأتي التصريحات الأمريكية بالرد بشكل مباشر على أي استعمال للسلاح الكيماوي من قبل قوات النظام السوري من قناعتها بأن لا قدرة لهذه القوات بالتقدم إلى إدلب دون استعمال هذا السلاح، وهو ما رددته الولايات المتحدة أكثر من مرة، كان أخرها أمس بعد شن فصائل المعارضة وعلى رأسها الجبهة الوطنية للتحرير المدعومة من قبل تركيا معركتها المفاجئة على قوات من بينها مواقع للقوات الروسية، ما يؤكد الرغبة الأمريكية في تحجيم التقدم الروسي في ملف إدلب.

وإن كان الروس قد حملوا مسؤولية الهجمات على قواعدها في حميميم بالطائرات المسيرة والقذائف الصاروخية لأنقرة، فكيف سترى تزويدها للفصائل المعارضة بالسلاح والزج بمقاتلين مدعومين منها في الهجوم على قواتها في ريف حماة الشمالي.

من جانبها تدرك تركيا مدى خطورة تقدم النظام في مناطق إدلب، وهو ما من شأنه المغامرة بضمان أمنها القومي المهدد (الملف الكردي) بحسب وصفها، وموجات اللجوء التي لن تستطيع احتمالها، كما أن سحبها لنقاط المراقبة التابعة لها من تلك المناطق والتي تم استهدافها أكثر من مرة سيقدم صورة المهزوم شعبيا عن أردوغان، وهو ما بادرت تركيا بإرسال تعزيزات أمس في نية واضحة عن إصرارها وتمسكها بوقف تقدم قوات النظام، ومن المرجح أن تدفعها هذه المخاوف إلى ردم الهوة الأمريكية.

وتأتي التصريحات التي أكد فيها القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية “قسد” مظلوم عبدي في مؤتمر عقد في بلدة رميلان بالحسكة عن أستعداد قواته للحوار مع جميع الأطراف بما فيها تركيا في سياق الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة في محادثات تركية كردية سورية والتي تصب في التقارب التركي الأمريكي والتفاهم حول المنطقة الأمنة المزعجة لموسكو.

وفي ذات السياق نشرت مجلة ناشيونال إنترست الأمريكية أن محاولات الولايات المتحدة الأمريكية في عزل إيران عرقلتها التوترات المتصاعدة بين تركيا والولايات المتحدة، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة إذا لم تستطع تهدئة علاقاتها مع تركيا فإن أنقرة يمكن أن تقوض عزلة إيران.

أخيرا يبقى التقدم الحاصل لصالح قوات المعارضة في معارك ريف حماة الشمالي معززاً لموقف تركيا المفاوض أمام الروس، ومؤكداً على أن لدى تركيا أوراقا قوية لم تستعملها بعد.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*