الأغصان المتكسرة

أنس البكور

كانت أسراب من طيور اللقلق والحباري المهاجرة تسابق بضع غيمات ضائعة تمخر السماء الرمادية لخريف أصفر يحتضر، هبت للتو بعض من نسمات باردة تداعب خصلات شعر قطر الندى الممزوجة بقطرات من الدموع.

– خالو جبلي معك من تركيا سكوتر، وبدي بوط بناتي أسبق به حتى الأولاد الكبار.

بهذه الكلمات ودعتني ابنة أختي قطر الندى لما ركبت السيارة المتجهة إلى معبر باب الهوى على الحدود مع تركيا، عانقتني ودمعها بلل خدي، حاولت كتم ألم اعتراني لكن عيناي أبت إلا أن تمطرا دموعا سخية، فلم أعتد على السفر طويلا عن البيت وبالذات مفارقة قطر الندى لمدة طويلة.

وابنة أختي هذه ذات العشرة سنوات أحب مخلوق عندي، منذ أن استشهد والدها العام الماضي، ولا يكاد يمضي يوما واحدا إلا وأكون عندهم وأبقى ساعات طوال معها دون ملل، كنت أعلمها على الرسم والخط، ليس عندي موهبة عظيمة في هذا الفن الرائع، وقد كنت أتمنى أن أصبح رساما لكني فشلت فالأيدي الخشنة المعتادة على الرفش والقدوم من الصعب عليها ترويض القلم والريشة، فقد كنت أعمل في كروم الزيتون خلال فترة الصيف من أجل تغطية مصروف دراستي في كلية الاقتصاد.

الهجرة أو اللجوء أو النزوح: هو مثلث الموت بالنسبة للناس في بلادي، وأن تنتزع من أرضك وبيتك ومن حضن أحبتك، هو بمثابة تقطيع جسدك وروحك قطعا قطعا، فقطعة في بيتك الذي تركته خلفك، وأخرى في عش جديد تبنيه من الحجارة والطين والقش في أرض النزوح، وقطعة أخرى ربما في بلد المهجر، وأحيانا ترمي لأسماك المتوسط بعضا منك مثلا أذن زائدة عن جسدك المنفي وتبقي لك واحدة، ففي بلاد الهجرة يكفي لك أذن واحدة لكي لا تسمع كثيرا ما يخاطب به اللاجئون، أو بعض أصابك يعدك الغير ضرورية أو قدم ما، أما الروح وحدها تأبى الخروج من عشها الأصلي، تتشبث بالجدران أو بليمونة الدار أو بعض الدوري في خد الجدار، تعلق في الأبواب والشبابيك، وما هذا الجسد الموزع في أرجاء دول اللجوء إلا هيكل بلا روح، هل أحد منكم رأى الأجساد التي تمشي على الأرض بلا روح؟

لقد رأيت مخيمات النزوح مزروعة في كل مكان حتى معبر باب الهوى، رايات منتشرة ومزق من الخرق تشارك الزيتون صد الرياح العاتية وترفرف فاتحة أزرعها كسفن تبحر وسط محيط متلاطم الأمواج، وعندما يأتي الشتاء فإن تلك الخيم تأن تحت سطوة البرد والمطر والثلوج التي لا ترحم، وعند موسم الفيضانات بالذات تتمايل تلك السفن أو الخيم وقد تغرق، ولا بأس بأن تلقي بعض حمولتها في قلب الوادي من أغراض اسمها مستلزمات نوم وطبخ.

وريح الشمال تنخر العظام حتى تكاد تسمع صوت طقطقتها كإيقاع لسمفونية حزينة لكن بلا مستمعين ولا جمهور.

عندما نزلت بأول محطة داخل الأراضي التركية حسبت أنني وطنت الجنة وقد عبرت للتو الصراط إلى الجنة: البلد الجميل، وبوابة أوربا، حيث التقدم والحضارة بلا حدود، بلد في طور الازدهار بالتأكيد سأجد كل ما تتوق له النفس من نعيم العلم والمعرفة والتفكير الحر، كانت روحي تسابق القطار المتجه بنا إلى اسطنبول، حيث سألتحق بمركز الدراسات العليا لإدارة الأعمال، لم يكن ينغص علي هذا الحلم سوى البعد عن بلدي وعن قطر الندى، لا أدري لماذا أخرجت دفتر الرسم الذي أعطتني إياه وقت انطلقت بي السيارة من أمام البيت، ورحت أقلب صفحاته، ألتهم أدق التفاصيل والخطوط والألوان، فلم يكن رسم ذلك الملاك الصغير إلا انعكاس لما كانت تراه من حولها وتحس به بالرغم من بساطتها وبراءتها.

أول رسمة لها على الدفتر الذي اشتريته لها مع الألوان لوحة “العرس” هكذا أطلقت على رسمتها الأولى، تخيلتني عريس في ساحة منزلهم الكبير، تعلوها الأضواء الباهرة المعلقة بأغصان شجرة التوت الكبيرة والممتدة أغصانها على طول الساحة، وهيكل لشخص مرسوم بطريقة الخطوط كالتي كنت ألعب معها في لعبة المشنقة، كان هذا الشخص يملأ المشهد يمتد حتى السماء، وأكبر من شجرة التوت نفسها، وفوقه كتبت “خالو وسام العريس”.

الغريب في جميع رسماتها في هذا الدفتر طغيان اللون الأحمر في المشهد، حتى العشب والأرض والناس والسماء والقمر كلها حمراء، وعندما قلت لها لماذا رسماتك كلها بالأحمر يا “ندوش”، قالت: هذا اللون لا أحبه منذ مات أبي، وأريد أن أسكبه كله هنا لكي ينتهي من الوجود، فأخرجت قلما من جيبي وكتبت على غلاف الدفتر “دفتر البلاد الشهيدة”.

في مركز الدراسات الإدارية قوبل طلبي بالرفض، وذلك بعد محاولات عديدة، والحجة أن شهادتي تتبع لحكومة الائتلاف التابعة للمعارضة وليس للحكومة السورية، وهي غير معترف بها في المعاهد والمراكز التعليمية الخاصة.

جلست في المساء في غرفة العمال السوريين مع صديقي وائل أتشارك معه خيبات الأمل الكثيرة لدينا، فهو الأخر ترك جامعته وجاء إلى هنا على أمل أن يجمع مبلغ من المال يسد به الأفواه الجائعة في إحدى قرى خان شيخون، ويؤسس لمشروع صغير في قريته عساه ينتشله من جب الفقر العميق، في هذا المحيط الكبير لسنا سوى بضع فراخ سمك معلبة، في هذه الغرفة الصغيرة يتواجد أكثر من عشر شباب من مختلف أنحاء سورية، والجميع له نفس المسار ونفس المستقر، مشاريع عظيمة في الوطن توقفت واستقر الحال بالجميع ها هنا، من يجد له عمل بأحد ورشات الخياطة فهذا منتهى الآمال على الأقل لا يموت من الجوع والبرد في شوارع إسطنبول الكئيبة.

– أتعرف الكون كله تآمر علينا، قلت لوائل، أينما ذهبنا في هذه المعمورة يسد بوجهنا الباب، ماذا يعني شهادة ائتلاف أو شهادة نظام؟ ما دخل العلم بالسياسة؟

كنت كلما بقيت لوحدي في علبة السردين هذه أخرج دفتر الرسم لقطر الندى، كان بالنسبة لي كالنافذة على الفردوس، أعيش في دنيا أخرى غر هذا العالم، “رسمة الرحيل” هكذا اتفقت معها على تسميتها، ففيها شجرة توت كبيرة تتوسط المشهد وكان ثمة طيور كثيرة ومختلفة بعضها يحط على الشجرة، وبعضها الأخر يحلق منطلقا في الفضاء، وكان اللون الأحمر في أسفل اللوحة معتما قاتما حتى أنه قريب إلى السواد ويصبح أكثر فتاحة باتجاه السماء وينتهي بالأصفر، والطيور كلها كانت تتجه إلى هناك مصدر النور في السماء.

– إلى أين تذهب كل هذه الطيور يا ندى الصباح؟

صمتت لحظة ثم أشارت في اللوحة إلى طير في السماء يشبه الحمامة:

– خالو هذه الحمامة تشبه سارة بنت جيراننا أليس كذلك؟ انظر إنها تحلق عاليا بكل فرح، وأشارت إلى طير في السماء، ثم ساد الصمت مرة أخرى طويلا.

وجدت عملا مع وائل في مشغل الخياطة، في الحقيقة لم يكن عملا عاديا بمعنى المعروف، إنما كان عقوبة الأعمال الشاقة على مدار اثنتي عشرة ساعة من الوقوف على الآلات، يسمح لك بنصف ساعة استراحة عند فترة الغداء، لا فرق بينك وبين الألة التي تعمل عليها، سوى أنه يوجد في المعمل آلات للتبديل وصيانة التي تتعب، أما نحن فلا حقوق لنا، لا صلاة ولا راحة، وعندما تعود مساء للبيت يبقى لك من العيش في تلك الجنة بضع دقائق لكي تغسل أغراضك وتعمل عشاء سريع وتتصفح أخبار الضيعة ومكان القصف اليومي ثم تنام.

بقيت على هذه الحال لمدة ثلاثة أشهر، وفي إحدى المرات عند عودتي من العمل فتحت الجوال لأقرا رسالة من أختي “الحمد لله قطر الندى بخير وأنا أخبرك بالحادثة لكيلا تقلق وتسمع الأخبار من الفيس بوك”، كان الحديث تلك السهرة عن قصف إحدى طائرات النظام وقت رجوع التلاميذ من المدرسة، وقد استشهد على الفور عشرون طالبا منهم مع ثلاث معلمات، لكن طول السهرة لم أستطع أن أتبين حقيقة وضع قطر الندى من أختي، كانت تخفي شيء ما عني، وكلما قلت لها أن تعطيني قطر الندى لأكلمها تقول: “الأن هي نائمة من تأثير المخدر”.

في ذلك الصباح انهيت عملي في المشغل، واخذت حسابي ثم مررت على سوق الألعاب واشتريت “السكوتر وبوط” لقطر الندى الذي وعدتها بهما، ورجعت فورا إلى الضيعة، كان الوقت يجلدني بقسوة، أفكارا تهجم على مخيلتي بلا رحمة، ماذا تخفي عني أختي زهور، وعندما وصلت فتحت لي أختي الباب، ولما رأتني فرحت كثيرا، لكنها كانت عناها تتراقص بشدة وتذرف من الدموع محاولة إخفاء وجهها عني:

– أين هي

– في غرفتها

– خالو ندى الصباح تعالي سلمي على خالك انظري هذه هديتك يا حلوتي

كانت أختي خلفي تبكي بشدة فتحت باب غرفة الصغيرة، كانت في سريريها ولما رأتني راحت تعانقيني بشدة وتبكي

– خالو وسام اشتقت لك كثيرا

انظري يا عزيزتي ماذا اشتريت لك، هذا السكوتر وهذا البوط، هيا البسية بقدميك الصغيرتين، أريدك أن تسابقي الريح هيا انهضي لنشوف، هيا أنت شجاعة.

– خالو أرجوك يكفي، وانفجرت بالبكاء ثم خرجت أختي مسرعة إلى الغرفة الأخرى.

– ولما أزحت الغطاء عنها عرفت سر البكاء الكثير، كانت قدما ندى الصباح مقطوعتين، لقد ساد صمت مخيف بيننا لم يقطعه سوى صوت رعدة شديدة دوت في الخارج، فقد كانت السماء تمطر بغزارة، وقد تجمعت غيمة سوداء للتو وراحت المزاريب تنشج بعوي شديد.

حملت السكوتر والحذاء وخرجت إلى الحارة مسرعا، كأن السماء فوقي تتكسر كقطع الزجاج، وتهطل بأطرافها الحادة على قلبي وتقطع ما طاب لها من أوردة.

أضرب أيها البرق وزمجر يا رعد، فلتبكي عيون السماء ما طاب لها، ولتسكب طوفان فوق هذه الأرض المخيفة، ولتغرق كل بيوت القهر والظلم.

كانت ريم وسلمى صديقتي قطر الندى جالستين في الصالون ينتظرن الدخول إليها، نظرتا إلي ودمعت عيناهما.

– خذي يا ريم هذا السكوتر هدية قطر الندى إليك وأنت يا سلمى هذا البوط لك، ادخلن لعندها واشكرنها فهي أوصت بهما لكما.

رحت أمشي في المدينة وأمشي تحت المطر بلا هدف وبلا وعي مني حتى وقفت عند متجر لبيع الأدوات الطبية دخلت واشتريت كرسي متحرك.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*