باعترافهم: المتسولون في تركيا ليسوا من السوريين

أحمد طلب الناصر
تعمل “هزار الفندي” ممرضة في مركز صحي مرخّص خاص بالسوريين في إسطنبول، كونها لاجئة سورية حاصلة على “كيملك” الولاية ما يجعلها خارج حملة الترحيل الأخيرة وإرهاصاتها، لكنها تبدي انزعاجها الشديد من ظاهرة التسوّل المنتشرة في معظم مرافق إسطنبول، قائلة: “أضطر إلى ركوب (المتروبوس) يومياً للتوجّه إلى مقر عملي. وبدون مبالغة، أتعرّض يومياً، إما بالذهاب أو الإياب أو بالحالتين أحيانا،ً لمضايقات (شلّة الشحادين) الواقفين عند المحطة وغالباً ما يتكونون من 3-4 أطفال من الجنسين”.

وتتابع “يطلب أحدهم النقود باللغة التركية بدايةً، وبمجرد أن أطلب منه الانصراف، بلهجتي السورية، حتى يتجمع حولي البقية ويخاطبوني باللغة العربية، وغالباً ما يشدوني من ذراعي أو ثيابي متقصدين إحراجي أمام المارة”.

ولدى سؤالنا عن ردة فعلها أجابت “كنت أحرج في بداية الأمر فأعطيهم النقود، لكني صرت أهملهم أو أهددهم بطلب عناصر أمن المحطة، باللغة التركية”.

تنتشر ظاهرة التسوّل في تركيا، بطبيعة الحال، منذ ما قبل تدفّق اللاجئين السوريين وتوزعهم داخل الولايات التركية، إلا أنها –الظاهرة- زادت بشكل ملحوظ بعد تضاعف أعداد اللاجئين، لا سيما في ولاية إسطنبول، العاصمة التجارية والسياحية وذات الكثافة السكانية الأعلى في تركيا.

ولم تساهم زيادة أعداد المتسولين في إثارة امتعاض الأتراك وتذمّرهم فحسب بل أثارت استهجان غالبية السوريين المقيمين داخل الولاية، نتيجة ممارسة الأساليب المستفّزة من قبل المتسولين بغية حصولهم على النقود.

يؤكّد تلك الحالة “سالم الخطيب” وهو أحد اللاجئين السورين أيضاً، فيقول: “المشكلة أن غالبيتهم لم يعد ينفع معهم التهديد بشرطة المحطة، بل ويردّوا عليك بالقول (لسنا خائفين.. اذهب ونادِهم!).. إلا أن أكثر ما يضايقني على الدوام هو صعودهم إلى الحافلة وقيامهم بمضايقة الركاب بصورة مقصودة حين يلتصقون بهم، بثيابهم المتّسخة ورائحتهم السيئة، ويستلقون بجانب أقدام الركاب، فيضطر الأخيرون لدفع النقود والتخلّص منهم”.

ولا تقتصر أماكن التسوّل على محطات (المتروبوس) والحافلات في إسطنبول، والتي غالباً ما ينتشر فيها أطفال تحت سن 12 عاماً، إذ يصعب على الركاب وأفراد أمن المحطة زجرهم أو التعامل معهم بقسوة نظراً لصغر سنّهم. بل ينتشر المتسولون، من الجنسين، ومن كافة الأعمار، في الأسواق المكتظة كشارع “فوزي باشا” و”أكدينيز” وساحة “أكسراي” و”طلعة الأمنيات” و”فندق زادة” وجميع هذه الأماكن تتبع لمنطقة “الفاتح” في قلب إسطنبول وهي المنطقة الأكثر حيوية وانتشاراً للسياح، العرب منهم خاصةً.

وغالباً ما ينشطون بالقرب من المطاعم والمقاهي المنتشرة في تلك الأسواق مسببين إحراجاً لأصحابها وانزعاجاً للزبائن.

أحد أصحاب تلك المطاعم، التركي “كهرمان رِزا أوغلو”، يشكو أيضاً من متسولتين يتراوح عمرهما بين 50-55 عاماً، لا تنفكّان عن الجلوس عند باب مطعمه الواقع في “فندق زادة” أغلب ساعات النهار، وتستهدفان زبائنه من العرب والأتراك على حدّ سواء.

يقول كهرمان: “منذ عامٍ تقريباً كنت أرسل يومياً مع أحد عمال المطعم ما يتيسر من طعام وبعض النقود لهما، وكانتا تنصرفان. وبقيتُ على هذه الحال لأكثر من شهرين حتى صارتا ترفضان الطعام وتطلبان النقود فقط! فنصحني أحد الأصدقاء بالتوقف عن ذلك وستنصرفان تلقائياً. ولكنهما ما تزالان تجلسان مقابل الباب كما ترون!”.

ولدى سؤالنا له عن أصلهما أجاب بعدم معرفته، لكنه أضاف بأنهما تتحدثان التركية والعربية بشكل جيد وتقولان بأنهما (سوريَلي)، أي من سوريا باللغة التركية.

بعد الانتهاء من الحديث مع صاحب المطعم، تظاهرنا بأننا من الزبائن فخرجنا من الباب متجهين نحوهما. ناولنا إحداهما 5 ليرات تركية وبادرناها بالسؤال بالعربية: “من أين أنتِ؟”. فأجابت “من سوريا.. من حلب”. سألتها أيضاً “من أي منطقة في حلب؟”، فصمتت ونظرت نحو رفيقتها التي ردّت بتلكؤ واضح “من شمال حلب”. ولدى سؤالنا لها عن اسم المنطقة في شمال حلب صاحت الأولى بغضب “مو شغلك!”، رجعنا فوراً إلى الخلف أما هي فشدّت ذراع رفيقتها وانطلقتا تسيران بسرعة.

في نفس الشارع، وعلى مسافة لا تتجاوز 200 متر، دخلنا مطعماً يقدّم مأكولات سورية. أكّد لنا صاحبه، الشاب “تميم عبد الصمد”، بأن غالبية المتسولين يدّعون بانهم ينحدرون من سوريا، لكنهم لا يقولون الحقيقة.

وروى لنا ما حصل معه ذات مرة حين حاولت إحدى المتسولات سرقة جهاز (موبايل) من أحد الزبائن.

فحين تم الإمساك بها وإخبار الشرطة، تبيّن بأنها تنحدر من سكان يقطنون في جنوب شرق تركيا، ويطلق عليهم مسمى (شِنكل)، أما نحن فنطلق عليهم في سوريا مسمى (النوّر) أو (القرباط)، وكذلك في لبنان والعراق وفلسطين ومعظم الدول العربية المحيطة. والمعروف عن “الشنكل” داخل الأوساط التركية، كما في مناطقنا، بأنهم يمتهنون التسوّل.

ويضيف “عبد الصمد”: “السبب الذي جعلنا نصدّق في البداية بأنها من سوريا، قبل سرقتها للهاتف، كان جواز السفر الذي تحمله معها دائماً وتعرضه على الزبائن والمارّة مدّعية بأنها سورية، وتبيّن بعد التحقيق بأنه مسروق وتم إلصاق صورتها عليه بشكل احترافي”.

لدى متابعتنا لمصدر هؤلاء المتسولين وأنشطتهم، تبيّن بأن جزءاً منهم قدموا بالفعل من مناطق متفرقة من سوريا (وعادة ما يسكنون عند أطراف المدن في خيام أو بيوت صفيح) دون أن يختلطوا بأهالي القرى أو قبائل البدو أو أبناء المدن، وغالباً ما كانوا ينشطون خلال شهر رمضان والأعياد الدينية. تسلّل قسم كبير منهم إلى تركيا متخفّين بين المهجّرين السوريين بعد تراجع مهنتهم نتيجة الدمار وخلو غالبية المدن والقرى من أهلها.

وازداد نشاطهم داخل المدن التركية الكبرى بالتزامن مع توجّه أقرانهم المتواجدين داخل الأراضي التركية، وجزء من الأخيرين يتقن اللهجات السورية الشمالية نتيجة انتشارها في معظم المناطق الحدودية الجنوبية لتركيا. فاستغلوا سوء حالة المهجرين السوريين جراء الحرب وراحوا يتسولون بحجّة فقدانهم لأملاكهم وأراضيهم في الداخل السوري، وتمكّن قسم كبير منهم من الحصول على “الكيملك” من دوائر الهجرة دون تقديم أي إثبات، بحجة أن أوراقهم الثبوتية قد احترقت بفعل القصف.

وكانت شخصيات حكومية تركية قد صرّحت في مناسبات عديدة بأن النسبة العظمى من المتسولين المنتشرين في إسطنبول وباقي المدن التركية هم من الأتراك.

ففي مقابلة أجرتها صحيفة “حرييت” التركية مع والي إسطنبول السابق “واصب شاهين”، في منتصف مايو/ أيار 2018، قال فيها: “هناك مشكلة في الحديث عن السوريين في المدينة على أنهم متسولين، وفي الحقيقة رأينا لاحقًا أن جميعهم من الأتراك”.

أما وزير الداخلية “سليمان صويلو” فقد أكّد وجود “جهات تتعمد تشويه صورة سياسات الحكومة التركية المتبعة بالتعامل مع اللاجئين السوريين” معتبرة أن السوريين متسولين، إلا أن الحقيقة بخلاف ذلك “فمن بين كل 100 متسول يتم ضبطه ربما تجد واحداً سورياً من بينهم”.

ومؤخراً، بعد شنّ حملة الترحيل ضد السوريين المخالفين، ممّن لا يحملون كيملك أو المسجلين في ولايات غير إسطنبول، وتعرضهم للتحقيق قبل إجراءات النقل أو الترحيل، فمن المستحيل أن تجد اليوم متسولاً ينطق باللغة العربية أو يدّعي بأنه سوري كما كان يفعل فيما مضى، خوفاً من الترحيل!.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*