الأرصفة العالية

الطفلة ديانا - زيتون

الطفلة ديانا – زيتون

تحرير زيتون

“لقد أوصيتها أن تذهب من الطريق الفرعي حتى لا يراها القناصة المنتشرين في مبنى الإذاعة، لكنها خالفت كلامي هذه المرة، وذهبت من الطريق الرئيسي، وفور وصولها للشارع ورؤية القناص لها، قام بقنصها بطلقة في ظهرها”.

ليس هذا مقطعا من قصة ليلى والذئب رغم تشابه الأطراف والأحداث، بل هو حديث أم عاشت تجربة رؤية طفلتها وهي مرمية تصارع الموت جراء رصاصة قناص دون أن يجرأ أحد على انقاذها.

قبيل آذان المغرب بلحظات كانت تخطو خطواتها الأخيرة باتجاه الشارع الرئيسي، للحصول على كعكة رمضان الشهيرة في بلدتها، لم يخطر على بالها وهي الطفلة الصغيرة ذات الأربع سنوات أنها ستكون هدفاً للقناصة المتواجدين في مبنى الإذاعة، والتي تتمركز فيها قوات الجيش السوري.

ديانا الطفلة الوحيدة لشقيقين هي ككل الأطفال ما أن يسمعوا صوت بائع الكعك حتى يسرعون للحاق به وكأنه عازف المزمار، سمعت صوت البائع وأرادت الحصول على كعكتها، شددت عليها الأم بالذهاب في طريق فرعي يفضي إلى بيت جدها.

كان يوماً قاسيا بحسب ما روته الوالدة: “ما زلت أذكره بتفاصيله المرعبة، في رمضان من عام 2012، كان قناص الإذاعة يتمركز على بعد لا يتجاوز 200 متر، فلا مجال للشك في أنه كان يستهدف بشكل مقصود طفلة في الرابعة من عمرها، لقد أردى الكثيرين من المارة حتى تحاشى الناس المرور في الطرقات، وبرغم هذا كنا نستبعد أن يستهدف طفلة بهذا العمر”.

يقع مبنى الإذاعة في الحي الغربي من مدينة سراقب، وسط حرش من أشجار السرو والصنوبر، سمي بهذا الاسم لكونه يضم مركز أجهزة الراديو التابعة لعمود الإذاعة في البلدة، وهو أحد معالمها التي اشتهرت به، تجاوره منازل المدنيين ويمر بمحاذاته الطريق إلى فرن الخبز، ما تسبب في سقوط الكثيرين صرعى في سبيل حصولهم على لقمة الخبز بما للكلمة من معنى.

بعد سقوط الطفلة على الأرض غارقة في دمائها، لم تجد محاولات الرجال المتواجدين في مكان الحادث بسحبها إلى مكان آمن، إذ كان القناص بارعا في إصابة أي شيء يتحرك باتجاه الطفلة أو يحاول الاقتراب منها.

ما يقارب الثلاثون دقيقة كل دقيقة منها كانت تهدد بموت الطفلة، لتندفع امرأة خمسينية من أهالي الحي باتجاه ديانا مغامرة بحياتها في سبيل إنقاذه الصغيرة، حملتها بخفة راكضة باتجاه مكان آمن، ليتم إسعافها إلى المشفى.

تقول أم عبيدة الجارة التي أنقذت ديانا لزيتون: “أخبرني ولدي أن طفلة أصابها القناص ولم يستطع أحد أن يقترب منها بسبب استهداف القناص لهم، لكن حين رأيتها تتخبط كحمامة مذبوحة، لم أتمالك نفسي ولم أفكر بأي شيء، هرعت إليها وحملتها ليسعفوها بعدها بسرعة”.

وتضيف أم عبيدة: “بلا شعور ركضت باتجاهها، واستهدفني القناص بطلقتين لم يصيباني، كنت مستعدة للموت كي انقذها، وما زلت حتى اليوم يعتصرني الألم كلما تذكرت ذلك المشهد”.

وفي سباق حقيقي مع الموت سارعت مجموعة من الأطباء لإجراء العمل الجراحي اللازم لها، لتخرج من غرفة العمليات وقد نجت من موت محقق، لكن بإعاقة كاملة وشلل كلي في الأطراف السفلية.

وفي شهادته عن حالتها قال الطبيب “عبد الإله سطوف” الذي أشرف على علاجها لزيتون: “وصلت إلى مشفى الحسن قبل الإفطار بقليل بإصابة في صدرها، قمنا بتفجير صدر لها من اليمين واليسار، وكانت بحالة عامة سيئة”.

ويضيف الطبيب: “بعد استقرار حالتها ولعدم وجود جهاز تصوير طبقي محوري في المدينة اكتشفنا أنها أصيبت بشلل سفلي لها، فقد تسببت الطلقة بقطع النخاع الشوكي لها”، وينهي الطبيب حديثه بالقول “لا اعتقد أنها ستستطيع المشي مرة أخرى”.

وأكدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقرير لها عام 2019 أن ضحايا الحرب من الأطفال منذ آذار 2011، وحتى عام 2019 قد بلغت 22486 طفلا موثقون بالاسم.

فيما أعلنت منظمة الصحة العالمية أن نحو 3 ملايين شخص أصيبوا نتيجة الحرب في سوريا، بينهم 1.5 مليون يعيشون بعاهات مستديمة داخل البلاد، منهم 86 ألف شخص أفضت إصاباتهم إلى بتر أطرافهم، مشيرة إلى إن ثلث ضحايا الأسلحة المتفجرة من الأطفال.

في شارع مغبر ما زال يفضي إلى فرن الخبز في الحي الغربي ومقابل مبنى كان في يوم من الأيام ثكنة عسكرية لقوات جيش النظام السوري، تم تحريره بعد عشرات الضحايا والشهداء، تجلس ديانا اليوم على كرسي مدولب أمام باب منزلها وقد بلغت الحادية عشرة عاما، تستذكر الألم والخيبة حين استفاقت من غيبوبتها وأدركت أنها لن تستطيع المشي مجددا، كما تتأمل بخوف بالغ واقعا يحلق فوقه الطيران ليل نهار، حتى بات يشكل لها كابوسا تهرب منه إلى غرفة صغيرة داخلية تلتجأ إليها كلما سمعت صوت الطائرات.

ما يعيشه الأطفال في كل العالم يصبح مستحيلا لدى ديانا، فالمدرسة بعيدة، والكرسي ذو العجلات لا يمكنه صعود الدرج والأرصفة، بحسب وصفها، لكنها تحاول أن تعوض ما يفوتها من دروس بما تقدمه شبكة الإنترنت من دروس القراءة والكتابة، وما ملكت من موهبة في تصفيف شعر الدمى وشعر شقيقتها الصغرى.

تتحدث ديانا بحماس عن حلمها في أن يكون لديها صالة تجميل، تمارس فيها هوايتها وتكرر جملتها “أنا قادرة أن أعمل حتى لو كنت على كرسي مدولب”.

تبحث الطفلة الصغيرة دائماً عن عمل يشغلها في المنزل، فبعد أن أتقنت المشي زحفاً على يديها باتت تتحرك بخفة وسرعة، وتقول بفرح:

“أشعر أني قادرة على أي عمل يطلب مني، كما أني أهتم بشقيقتي الصغرى وألاعبها، وحين أشعر بالضجر أخرج إلى الحي، أنظر للأطفال يركضون حولي ويتسابقون، أشاركهم السباق  أحيانا وأنا أتخيل أن الكرسي هو قدمي”.

يتراجع حماس جسدها النحيل وعيناها البريئة لتعبر عن عدم مسامحتها لذلك القناص، طالبة من الله أن يقتص منه، لقد حرمها من المشي والركض والوقوف، كما حرمها من التعلم والمدرسة والسير في الطرقات واللعب من الأقران، تقول بأنها ترى نفسها في الأحلام وهي تمشي، لكن حين تستيقظ تسقط في الحزن من جديد.

تتلعثم بالكلمات حين تدوي صفارة الإنذار، محذرة الناس من الطيران الحربي الذي يقتحم هدوء المساء، وترتبك نظراتها بين أمها وبيننا، لتزحف على يديها باتجاه غرفتها الصغيرة، وتنهي أمها مقابلتنا باعتذار مجروح.

تم إنتاج هذه المادة بدعم من منظمة FPU

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*