حرب الأهالي مع أطفالهم على جبهات الألعاب الإلكترونية

طفل منفعل بلعبته الإلكترونية – زيتون

زيتون – أحمد فرج

في الوقت الذي تغص سماء محافظة إدلب بصوت الطائرات وصفارات الإنذار وتحذيرات القبضات اللاسلكية من إقلاع وتنفيذ للطائرات المروحية والحربية الروسية منها والسورية، تتصاعد أصوات الأمهات بعصبية وتوتر رافضة أي طلب للأولاد في الخروج واللعب في الشارع، فيقايض الطفل لذة الخروج بمطالبة الأهل بالموبايل لتمضية الوقت الثقيل.

هذا ما يعيشه الأطفال في المناطق المحررة في الشمال السوري، حرمان من اللعب، انعدام الحدائق والأماكن المخصصة للعب، وتوتر أمني مترافق بالقصف مع ضيق اليد عند معظم الأسر، كل هذا يدفع الأهالي ليصبحوا أكثر تسامحا في منح الأطفال وقتا طويلا في ممارسة الألعاب الإلكترونية على الأجهزة المحمولة.

“سالي” و”هاجر” طفلتان توأمان تبلغان من العمر سبع سنوات، وحيدتان لأبويهما، اعتادت الطفلتان اللعب في فسحة الدار، ومع اشتداد الغارات الجوية والحملة العسكرية على المناطق المحررة، منعهما والداهما من اللعب خارج المنزل، ولم تجد الطفلتان سوى الموبايل وسيلة للعب والترفيه.

تتشاجر الطفلتان على حيازة الموبايل ومشاهدة مقاطع اليوتيوب أو اللعب فيه، وبسبب اختلاف طباعهما فقد توصلتا لحل مرضٍ لهما، فهاجر تنام في وقت مبكر لتستيقظ في الصباح الباكر وتحظى بوقتها في اللعب، بينما تسهر سالي لوقت متأخر مستغلة نوم أختها.

ورغم عجز الأهل عن شراء ملابس جديدة انتظرت الطفلتان عيد الأضحى بفارغ الصبر، مكتفيات بملابس العيد الماضي وهن سعيدات لما يعنيه العيد لهن من لعب، ومع حلول صباح العيد وقبل أن يتمكن الأطفال من تفريغ طاقاتهم، انقضت إحدى الطائرات على البلدة معلنة انتهاء العيد، فعادت الصغيرتان إلى ألعابهن.

أصوات وضحكات عالية، حركات غريبة، انفعالات وصراخ، انعزال عن الحياة وابتعاد عن الطعام والشراب واستعجال في كل شيء، هذا هو حال الطفل “أمير” منذ أن غرق بألعابه الالكترونية على الموبايل مثل “ببجي، فري فاير، وفورتنايت”.

تقول أم أمير أن ابنها البالغ من العمر 12 عاما، تعلق بألعاب الموبايل، جعلت منه طفلا عصبي المزاج، لا يأبه للحياة الأسرة، فهو لا يأكل ولا يشرب إلا وعينيه على شاشة الموبايل، حتى أنه يبقى واقفا أثناء اللعب، مستخدما حركات سريعة بيديه، وسماعات بأذنيه وصراخ متواصل مع أصدقائه، على اللعبة ومسارها.

ضرر جسدي

منظمة الصحة العالمية أدرجت للمرة الأولى “اضطراب ممارسة الألعاب الإلكترونية” على قائمتها التي تحدد اضطرابات الأمراض النفسية في العام 2018، لما له من تأثيرات سلبية على صحة الناس النفسية والجسدية.

وعرفت منظمة الصحة العالمية اضطراب ممارسة الألعاب الإلكترونية بأنه “نمط من سلوك ممارسة الألعاب الإلكترونية المستمر أو المتكرر”، وتأتي هذه الخطوة في ظل ما تشهده ألعاب الموبايل والفيديو والألعاب الإلكترونية من شعبية كبيرة، واعتبرت المنظمة أن المكوث ساعات طويلة أمام شاشات الحاسوب والتلفزيون والموبايل للتفاعل مع عالم افتراضي له آثار وخيمة على نمو الدماغ وتطوره.
انسجام كامل لطفل في الألعاب - أنترنت

انسجام كامل لطفل في الألعاب – أنترنت

ويختصر الطبيب “عبد الحكيم رمضان” الأضرار الجسدية نتيجة للجلسات الطويلة في النمو الغير سليم لعظام الأطفال، وتراجع نمو عضلاتهم في وقت هم بأشد الحاجة فيه ال الحركة، مع تشوهات في العمود الفقري، فضلاً عن أضرار النظر جراء التعرض لأشعة الأجهزة الإلكترونية لفترات طويلة.

مشاكل نفسية

وتبدو المضار النفسية أكثر خطورة من سابقتها الجسدية لما تتركه من آثار طويلة الأمد على طريقة تفكير الطفل وطبعه، إذ يكتسب من خلال الألعاب القسوة والعنف، ويجنح إلى السادية ورغبة القتل والتصلب، كما تزرع فيه حب الذات والأنانية والاستئثار، دون مراعاة حقوق الآخرين، وهو ما يظهر في النزاع على أدوار اللعب بين الأخوة والأصدقاء، بعكس الألعاب التقليدية القديمة التي صممت لمشاركة الآخرين في الألعاب.

الانطواء والكآبة والوحدة من أهم أعراض المدمنين على الألعاب الإلكترونية، إذ يتسبب الجلوس لفترات طويلة على الألعاب بعيدا عن الأهل والواقع إلى الشعور بالعزلة والوحدة، يمكن أن تصل بهم إلى حالات متطورة من الكآبة الخطرة.

العالم الافتراضي وما يفرضه من انفصال عن الواقع يتسبب بتبني الطفل لثقافة مغايرة وقيم مختلفة لمجتمعه، ما يوقعه في الكثير من المشاكل والحرج، وكنتيجة لرغبة الطفل في اللعب الدائم وتأجيله لكل واجباته المدرسية، ورغبته في السهر، وتراخيه بالمشاركته أثناء الدرس في اليوم التالي، كل هذا يفضي إلى تراجع قدراته ومكانته الأسرية وإعطائه صورة نمطية للطفل الكسول.

“فاطمة عتيق” عاملة في مجال الدعم النفسي في منظمة شفق الإنسانية قالت لزيتون: “تسبب الألعاب الإلكترونية شداً عصبياً للطفل وردَّات فعل غير طبيعية مترافقة مع فرط في حركة، وتنامي النزعة العدوانية لديه، ومن الممكن أن تؤدي لإصابة الطفل المدمن عليها بمرض التوحد”، مضيفة:

“التأثيرات الاجتماعية تظهر بوضوح، عبر الخجل وتراجع الذكاء الاجتماعي واللغوي إضافة إلى النطق، فضلاً عما تسببه للطفل من ضعف في تحصيله العلمي، نتيجة الانشغال الدائم بالتفكير بها”.

نصف الكأس الممتلئ

وعلى الرغم من أضرارها الكبيرة، لا تخلو الألعاب الإلكترونية من فوائد، شريطة إتباع طرق صحيحة في التعامل مع هذه الألعاب، واختيار الأنواع المناسبة منها.

 فهناك ألعاب تساهم في تنمية مهارات الطفل وتطويرها، وترفع مستوى الذكاء والثقافة لديه، كما تساعده في زيادة تحصيله العلمي، وتعوّده على التحلّي بالصبر، ومحاولة البحث عن الحلول لمشكلاته دائماً، دون أن ييأس أو يستسلم إلى أن يجدها.

أطفال يمارسون اللعب الإلكتروني – زيتون

نصائح قد تخفف من الضرر

يجمع الأهالي عبر تجاربهم على تصنيف بعض الألعاب ضمن خانة الألعاب المفيدة، تلك التي تسمى بألعاب الذكاء والمهارة، والتي تتطلب الكثير من التفكير وإعمال العقل واختيار الطرق الصحيحة للفوز والتخطيط، ولعبة الشطرنج هي من أفضل أمثلتها، والألعاب التعليمية التي تهدف لمنح الأطفال المعلومات بطريقة ممتعة ممزوجة مع الألعاب والتسلية.

كما يطغى الرأي على سوء ألعاب الإثارة والمتعة، ومن أبرزها لعبة “الحوت الأزرق”، والتي تسببت مؤخراً بانتحار عدد لا بأس به من الأطفال.

تشجيع الأطفال على اللعب وتشكيل علاقات مع الأقران في المساحات المفتوحة، وغرس حب القراءة والرسم وكتابة القصص وتوفيرها لهم كبديل، وتعويدهم على سماع القصص المسلية قبيل النوم وتحديد وقت معين لممارسه هذه الألعاب واختيارها، كل هذا قد يفيد في نمو الطفل بشكل صحي بحسب “العتيق”

تم إنتاج هذه المادة بدعم من منظمة FPU

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*