قصور في الأداء الإغاثي لطوفان النزوح الأخير

إحدى المخيمات العشوائية في الشمال السوري- زيتون

إحدى المخيمات العشوائية في الشمال السوري- زيتون

زيتون – غادة باكير

عشرات آلاف الأطفال في ريفي حماه وإدلب تعرضوا لمخاطر وشيكة وللموت، 134 طفل على الأقل لقوا مصرعهم، فيما تعرضت 30 مشفى للهجمات الجوية، و43 ألف طفل بدون مدارس.

قدمت هذه البيانات مديرة منظمة اليونسيف هنريتا فور في مؤتمر صحفي لها في شهر أيار الماضي، رغم ذلك لم تتلق أزمة النازحين في إدلب استجابة كافية

وفي الوقت الذي تنتشر مئات المنظمات الإنسانية المهتمة برعاية الأطفال وتعليمهم ودعمهم النفسي في الشمال السوري، يشكو الأطفال في عشرات المخيمات التي أقيمت بشكل عشوائي وعاجل من افتقارهم لأبسط مقومات الحياة هناك.

وتكمن عدة أسباب خلف هذا البون الشاسع ما بين عدد المنظمات والقصور في الخدمات المقدمة لمحتاجيها، لا سيما في فترة الشهور الماضية بعد الحملة العسكرية على محافظة إدلب من قبل قوات النظام السوري وحلفيته روسيا، وفيما ترجع الكثير من الجمعيات والمنظمات المحلية سبب قصورها إلى تراجع الدعم المادي المقدم من الجهات الداعمة، تعزو المنظمات الدولية ضعف آدائها إلى سببين رئيسيين، الأول يعود إلى الوضع الأمني الخطر وما تواجهه مراكزها من قصف، بينما يشير الثاني إلى سيطرة هيئة تحرير الشام على المنطقة وتخوف تلك المنظمات من وقوع مساعداتها في يد التنظيم المصنف إرهابيا.

منظمات دولية تعلق عملها

طفلة من ريف إدلب في المخيمات - زيتون 

طفلة من ريف إدلب في المخيمات – زيتون

ومنذ بداية الهجمة العسكرية في شهر أيار من هذا العام، علقت عدة منظمات إغاثية أنشطتها في مناطق التصعيد بإدلب، من بينها برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة.

وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن: “بعض المنظمات علقت أنشطتها بعدما تدمرت مقارها أو طالتها الأضرار أو باتت غير آمنة”. في خطوة لحماية العاملين لديها، مضيفا أن أكثر من 16 شريكا في العمل الإنساني قد علقوا عملياتهم في المناطق المتأثرة بالنزاع، مشيرا إلى مقتل عدد من العاملين الإغاثيين جراء الغارات الجوية على مراكزهم.

كما أكد المتحدث باسم برنامج الأغذية العالمي أنه “يواصل البرنامج وشركاؤه الاستجابة بأغذية جاهزة ووجبات ساخنة عندما يسمح الوضع الأمني ​​بذلك. ولكن في المناطق التي تأثرت فيها البنية التحتية بالعنف، تم إجلاء موظفي الشركاء في العمل الإنساني، كما تضررت البنية الأساسية لتقديم الخدمات أو دمرت”.

يأتي هذا في ظل تقاعس دولي بسبب سيطرة هيئة تحرير الشام، التي سبق وأن استولت على شحنات إغاثية ومارست الخطف والاعتقال بحق أفراد عاملين في المجال الإغاثي فضلا عما تشكله من حجة لقوات النظام وروسيا لقصف المناطق الخارجة عن سيطرتهما.

منظمات محلية تشكو”غياب الدعم”

إحدى المخيمات العشوائية في الشمال السوري- زيتون

تشكو معظم المنظمات المحلية من تراجع الدعم الدولي لها وخصوصا في السنوات الأخيرة بعد سيطرة قوات النظام على معظم مناطق المعارضة.

وفي حديث لزيتون يشير مؤسس جمعية شموع الغد محمد صادق إلى عدم رضاه عن عمل الجمعية، اذ ما زال لديهم الكثير من الأفكار التي لم تستطع الجمعية تنفيذها بسبب غياب الدعم، وعدم قدرتهم في الظروف الحالية على إنشاء مراكز تعليمية وعلاجية تقدم خدماتها للأطفال في المجتمعات العشوائية ومخيمات النازحين.

ووفق صادق فإن المنظمات العاملة في المنطقة تفتقر إلى التعاون فيما بينها نظرا لما تملكه كل منها من مشاريع خاصة ومستقلة بها، دون توفر إطار ينسق ما بين تلك الجهود ويدفعها للتكامل.

وتهتم جمعية شموع الغد والتي تأسست في نيسان 2016 بهدف دعم رياض الأطفال بالجانب النفسي للأطفال وذويهم وخصوصا النازحين، وتضم بحسب مديرها ثلاثين روضة تضم حوالي 3000 طفل و240  معلمة.

من جانبه يقيم مدير مركز براعم التابع لمنظمة سيريا ريليف أحمد عبد المجيد  الأستاذ محمد عملهم بنسبة 70%، مرجعا تقصيرهم في العمل إلى الظروف الأمنية وصعوبة الوصول لبعض المستفيدين، فضلا عن حجم النازحين الذي فاق قدرة المنظمات المحلية عن تلبية حاجاتهم، لافتا إلى محدودية الدعم المادي الذي يتلقونه.

وكانت منظمة سيريا ريليف قد بدأت في عام 2013 بالعمل الإغاثي ليتطور عملها وتتبنى مشاريع توعوية وتعليمية تستهدف الأطفال في كامل المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، قبل أن تنحسر مناطق نشاطها لتقتصر على محافظة إدلب.

وترى مديرة قسم التواصل في شبكة حراس “ليلى حسو” أن جميع الجهات والمنظمات تبذل أقصى جهدها لتخفف من معاناة النازحين، لكن التمويل غير موجه لحالات الاستجابة الطارئة.

وتضيف حسو أن المخصصات المقررة من قبل الأمم المتحدة غير كافية لأعداد النازحين نظرا لضخامة موجة النزوح الأخيرة، ويقوم برنامج الأغذية العالمي شهرياً بتوفير حصص غذائية للأسر لما يزيد عن 4 ملايين شخص من المشردين والمتضررين من النزاع في “جميع أنحاء سوريا”، تكفي كل حصة لإطعام عائلة مكونة من خمسة أفراد، في البلدان المجاورة، يدعم برنامج الأغذية العالمي اللاجئين السوريين والمجتمعات المضيفة الهشة بالقسائم الإلكترونية بحسب برنامج الأغذية العالمي.

وكانت شبكة حراس قد تأسست عام 2013 بهدف تلبية الحاجات الملحة التي فرضها الواقع السوري، ولتحييد الأطفال السوريين عن النزاع وتوفير الحماية والرعاية النفسية والاجتماعية لهم، والتزمت الشبكة بالوجود في أشد مناطق الصراع توتراً بهدف إيصال خدماتها بشكل مباشر للأطفال بحسب مديرة التواصل.

منظمة مساحة سلام والتي تنشط في مدينة أريحا في ريف إدلب الغربي وتركز أعمالها على إدارة حالة الطفل وتقديم جلسات توعية ودعم نفسي للأطفال تؤكد على رضاها حول عملها وذلك في حديث لمستشارة العنف في المنظمة “صفاء كريدي” لزيتون قالت فيه إن المنظمة تقدم كل ما تستطيعه لرعاية الأطفال، رغم الوضع الأمني المعيق لعملهم.

وتنتشر في الشمال السوري بعض التجارب الفردية ومبادرات شبابية تسعى لتقديم خدمات ترفيهية وتوعوية للأطفال، أثبتت هذه التجارب تميزها ونجاحها، منها تجربة الناشط “وليد أبو راشد” وتأسيسه لمسرح الحارة.

ويقدم أبو راشد نشاطات ومسرحيات بمشاركة الأطفال في عدد من البلدات والمخيمات في محافظة إدلب، تعتمد على مسرحيات عرائس الظل ورسوم متحركة، كما يقدم عروض أفلام تربوية عبر أجهزة الإسقاط بشكل يحاكي العروض السينمائية.

ما تزال المأساة مستمرة فيما تتفاقم الكارثة مع اقتراب الشتاء، لتعود مشاهد ارتعاش الأطفال المبتلين تحت المطر تغزو مواقع التواصل الاجتماعي، في تكرار سنوي، ليتساءل الكثير من النازحين العالقين تحت شجر الزيتون مع أطفالهم، عن معنى غياب الجهات المعنية برعايتهم في هذا الوقت الذي يشهد طوفانا من النزوح البشري لم يسبق له مثيل.

تم إنتاج هذه المادة بدعم من منظمة FPU

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*