ريم.. الأرملة الصغيرة

رسمة لطفلة سورية في مخيم الزعتري بالإردن- المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين

من نافذة غرفتها تقف ريم لتراقب في شرود ما آلت إليه حالتها في ظل هذه الحرب التي سلبتها طفولتها لتحيلها إلى أرملة محطمة وهي ما تزال في السادسة عشرة من عمرها.

تسترجع كيف غير الحصار الذي عاشوه في الغوطة الشرقية من طريقة تفكير أبيها، واضطر بسبب وضعهم المادي القاسي لتزويجها قبل عام، في ذلك الوقت لم تكن ريم تعرف من الزواج غير ارتداء الثوب الأبيض والأساور والحلي، غير أنها سرعان ما وجدت نفسها أمام متطلبات الزوج وأهله، لتتعلم الحياة الزوجية بأصعب الطرق قبل أن تتأقلم مع حياتها الجديدة.

الزوج المحب سامر والبالغ من العمر 25 سنة، شاب نشيط وذو قلب طيب، وعدها أن يفعل ما بوسعه كي يسعدها، ورغم الوضع الأمني والمخاطر التي واجهتها بلدتهم، لم يتغيب سامر عن عمله يوما، كي يؤمن حاجات منزله ولا يخلف وعده لريم.

وذات صباح وبعد مغادرة سامر، ، شعرت بالحاجة للحديث معه، ولدى اتصالها أخبرها صوت غريب “العمر إلك”.

قضى سامر جراء انفجار عبوة ناسفة في طريق عمله، لم تنه هذه العبوة حياة سامر فقط، لكنها أيضاً حولت العروس الصغيرة سريعاً إلى أرملة، لتعود إلى منزل أهلها حاملة معها أسى الأرامل، في ظل حصار لا تنقصه الأحزان.

تروي ريم لزيتون كيف توفي والدها تحت الحصار بعد شعوره بالعجز عن تأمين لقمة تسد رمق عائلته، ليتركها تعيش مع والدتها على مساعدات المنظمات الأهلية وبعض الإحسان من الأقارب.

وبناء على نصيحة الأصدقاء بدأت ريم ترتاد أحد مراكز التأهيل التي توفّر للنساء دورات تدريبية في مهن متنوعة كي تساعدهن على إعالة أسرهن. فأصبحت ريم اليوم إحدى أفضل مصففات الشعر في بلدتها.

وترى الناشطة في مجال حقوق المرأة “وضحة عثمان” أن ريم واحدة من ضحايا الحرب والحصار، وما زواجها المبكر إلا إحدى نتائج الحرب التي جعلت من زواج القاصرات في سوريا ظاهرة”.

وتضيف عثمان لزيتون: “زواج القاصرات ليس بالجديد على المجتمع السوري والعربي عموما، لكن في سوريا تصاعدت نسبة هذا الزواج، ولا يعود السبب إلى العامل الأمني أو الاقتصادي فحسب، بل تتحمل مسؤوليته أيضا عوامل أخرى منها، انتشار الفكر المتطرف لدى البعض، ومشاكل اللجوء وتشتت الأسر، واليتم الذي أصاب الكثير من الفتيات الصغيرات”.

في مخيمات النزوح

“أم عمر” أحدى النازحات من ريف حماة الشمالي، تقيم مع بناتها وولدها الصغير الوحيد في إحدى مخيمات أطمة قرب الحدود السورية التركية، قالت لزيتون:

“فرضت علينا الظروف ما لم نكن نتخيله، فقد كنت أحلم بأن تتابع بناتي تعليمهن الجامعي، ولكن بعد أن دمر منزلنا جراء قصف الطيران ووفاة زوجي، وجدت نفسي مع بناتي بلا سند لنا، مجبرين على النزوح، وسط خليط غريب من العادات والفوضى”.

وتضيف أم عمر: “في المخيمات يزوّج الأهالي بناتهم في سن مبكرة للتخلص من أعبائهن المادية، والأهم هو التخلص من القلق عليهن من الخطف والاعتداء، ونتيجة لتلك الظروف اضطررت إلى تزويج إحدى بناتي وهي في الخامسة عشرة من عمرها، ودون حفلة عرس أو مصاغ ولا حتى مهر، كان همي الوحيد أن أحميها من الخطر، وأن أطمئن عليها في بيت زوجها”، موضحة:

“لست الوحيدة فحالي كحال الكثير من الأمهات اللواتي ذرفن الدموع بدل الفرح في أعراس بناتهن الصغيرات”.

في بلدان اللجوء

نص لطفلة من ريف إدلب – زيتون

تفاقمت ظاهرة الزواج المبكر بين الفتيات السوريات تحت السن القانونية في تركيا والأردن ولبنان، مشكلة كبيرة، نتيجة لنقص الوعي لدى اللاجئين بمخاطر هذا الزواج وطبيعة المشكلات النفسية التي قد تتركها النتائج على الزوجين وعلى الأطفال.

في السويد البلد الذي يستقبل حوالى 110 آلاف لاجئ سوري يشكلون ثاني أكبر جالية في البلاد، وفقاً لأرقام مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة لغاية عام 2016، تم الكشف عن زواج 132 طفلة من اللاجئات القاصرات بأشخاص بالغين، من دون تحديد جنسية هؤلاء اللاجئات، وهو ما دفع مصلحة الضرائب إلى تشديد قواعد تقييم حالات زواج الأطفال وتسجيلها، وحتى إن كانت هناك سلطات أخرى وافقت على هذا النوع من الزواج.

ومن الصعوبات التي تواجه الحد من ظاهرة الزواج المبكرة ما جاء على لسان مسؤولة الحماية في المفوضية اللاجئين “صوفي إتزولد”،  في تقرير نشر على موقع المفوضية : “على الرغم من المخاطر الجسدية والنفسية، إلا أنه، وفي حال كانت الفتاة في الخامسة عشرة من عمرها وما فوق، وكان جميع الأطراف موافقين، ولم يتم تحديد أي مخاطر أخرى، نواجه صعوبات في منع حصول هذا الزواج المبكر”.

أما في ألمانيا، والتي تستوعب 699 ألف سوري، يشكلون ثالث أكبر جالية في البلاد، وفق تحقيق لموقع درج نقله عن مركز الإحصاء الاتحادي لعام 2018، وبحسب وزارة الداخلية الاتحادية، وصل عدد القاصرات اللواتي تم رصد زواجهن إلى 1475 فتاة، من بينهن 361 تحت الرابعة عشرة من العمر، الأمر الذي دفع وزارة العدل إلى تقديم مشروع قانون بعدم الاعتراف في ألمانيا بعقد زواج أجنبي، في حال كان أحد الشريكين تحت الـ18.

في مناطق سيطرة النظام

وفي دمشق كشف القاضي الشرعي الأول طمحمود المعراوي” أن نسبة زواج القاصرات خلال سنوات الأزمة ارتفعت إلى 13%، بعد أن كانت لا تتجاوز 3% قبلها، وأغلبها عقود عرفية، مؤكدا أن حالات زواج القاصرات في دمشق ارتفعت من 24 ألفا في عام 2017، إلى 28 ألفا في العام الماضي.

وأشار القاضي إلى وجود ضوابط وضعها القانون تحكم زواج القاصرات، مبينا أنه إذا كان الزواج عبر المحكمة فليس هناك من مشكلة، وإنما تظهر المتاعب حين يكون الزواج عرفيا ودون الضوابط المذكورة، عندها يعاقب الزوجان والشهود والشخص الذي أبرم العقد بالسجن بحسب صحيفة الوطن.

http://alwatan.sy/archives/191598

من نافذتها المطلة على بلدة حمورية في الغوطة الشرقية تراقب ريم بحسد وحسرة مثيلاتها بالعمر وهن يرتدن مدارسهن، ثم تفكر بفئة أخرى من الفتيات أجبرتهن الظروف على الزواج قبل الأوان، في تجاوز للقوانين، وإغفال لأن تلك الفتاة لن تكون قادرة على تربية الأطفال بعدما حرمت من الرعاية والحنان.

تم إنتاج هذه المادة بدعم من منظمة FPU

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*