الطفولة في الشمال السوري أمام مواثيق حقوق الطفل

صورة من حملة البوكيمون هنا– صفحة الحملة

زيتون – زين عباس

أغلق مجلس الأمن أبوابه في التاسع عشر من أيلول الحالي على فشل أعضائه في الاتفاق على قرارين لوقف الأعمال القتالية في إدلب، وبينما عطل الفيتو الروسي والصيني مشروع القرار الأول، رفضت تسع دول المشروع الثاني المقدم من روسيا.

وفي حديث لها قالت مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية “أورسولا مولر” في مجلس الأمن قبل التصويت على مشروعي القرار”في غياب الحلول البديلة فإن عائلات كثيرة تبات في العراء”، مشيرة إلى اقتراب الشتاء وما يحمله من معاناة لمئات الآلاف من النازحين قسم كبير منهم من الأطفال.

وكان تقريرَ أممي صدر عام 2018 أشار إلى أن الأطفال في سوريا عانوا من أكبر عدد من الانتهاكات التي تم التحقق منها وتسجيلها في البلاد، تضمنت الانتهاكات تجنيد الأطفال واحتجازهم بدعوى ارتباطهم بالجماعات المسلحة والقتل والتشويه، ونسب التقرير معظم تلك الحالات إلى القوات الحكومية والقوات الموالية لها، يليها بتنظيم داعش.

هذا الفشل الدولي هو ما عبر عنه السوريون خلال السنوات السابقة في الوقوف إثر كل غارة جوية حاملين جثث أطفالهم متسائلين “أين العالم مما يجري”، الأطفال الحاضرين بين القتلى والغائبة حقوقهم في أجندة المجالس والمفاوضات، والذين يتعرضون لجميع أنواع الانتهاكات، بشهادة من الأمم المتحدة وتحت أنظار مجلس الأمن، يبدو السؤال مشروعا حول جدية اتفاقية حقوق الطفل المبرمة عام 1990، والتي وقعت عليها الحكومة السورية من بين 160 دولة.

وللفت الانتباه لحقوق الأطفال في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري لجأ نشطاء معارضون في تموز من عام 2016، إلى  لعبة “البوكيمون” الرائجة لحث المجتمع الدولي على التدخل لوقف معاناة الأطفال هناك.

الحملة التي حاولت الاستفادة من ملاحقة ملايين البشر لـ “البوكيمون” نشرت صورا لأطفال في مناطق محاصرة في ريف دمشق وحماه وإدلب يحملون عبارات تشير إلى معاناتهم بجانب رسم “البيكاتشو” مطالبين العالم بمساعدتهم والوقوف معهم.

حقه في الحياة

باتت مشاهد انتشال الأطفال من تحت أنقاض المنازل أمرا معتادا في المأساة السورية، وتتحمل عمليات القصف الجوي العشوائي والقصف المدفعي للمدن والبلدات التي تشنها قوات النظام السوري، المسؤولية الأولى عن مقتل الأطفال بحسب تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان.

واستخدمت قوات النظام السوري منذ بداية قمعها للاحتجاجات سلاح البراميل المتفجرة التي يتم إطلاقها من الطائرات المروحية على المناطق السكنية دون أي توجيه، وتتسبب هذه البراميل التي يتراوح وزنها ما بين الربع والنصف طن إلى قتل أكبر عدد من المدنيين وإحداث تأثير سلبي على معنوياتهم بسبب الطبيعة العشوائية للقصف والقتل.

كما اتبع الطيران الروسي ذات السياسة في دعمه الجوي للقوات السورية في استهداف المدن بقنابل “غبية” غير موجهة لها قدرة تدميرية كبيرة بتكلفة أقل وذلك بحسب تقارير صحفية.

حقه في التعليم

امتد تأثير القصف الجوي ليصيب العملية التعليمية في المناطق الخارجة عن سيطرة قوات النظام بشكل مباشر، عبر استهدافه للمدارس بشكل متكرر، ما أثر على رغبة الأهالي بإرسال أبنائهم إليها، كما تسببت موجات النزوح الكبيرة والمتكررة في تسرب أعداد كبيرة من المدارس.

وبحسب تقارير أممية فإن عدد النازحين من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين عام واحد – 17 عاماً، خلال الهجمة الأخيرة، يقدر بنحو 232 ألف طفل، بينهم 183 ألفاُ ممن هم في سن التعليم وغالبيتهم خارج مقاعد الدراسة.

كما تسببت القذائف المدفعية والغارات الجوية وسيطرة قوات النظام على مناطق في ريفي حماه وإدلب بتعطيل أكثرمن500 مدرسة، فيما يشغل النازحون 31% من المدارس التي ما زالت في الخدمة بحسب فريق منسقو الاستجابة في سوريا.

كما يعاني التعليم في إدلب من مشاكل أخرى غير القصف تتمثل في إشكاليات تبعية المدارس وانقسامها ما بين تربية النظام السوري والتربية الحرة التابعة لحكومة الإنقاذ المشكلة من قبل هيئة تحرير الشام، والتي تسببت تبعيتها في إيقاف الدعم المقدم من قبل المنظمات المانحة لمئات المدارس.

مدير مدرسة تابعة لتربية النظام فضل عدم ذكر اسمه قال لزيتون:

“تعاني المدارس التابعة لتربية النظام قلة الإمكانيات والمستلزمات من كتب ووسائل تعليمية وتدفئة ومعدات، وانخفاض دخل المعلمين، والمعاناة النفسية والخوف الدائم الذي يتعرض له التربوي أثناء سفره ليتقاضى أجره الشهري من محافظة حماة، فضلاً عن حالة الخوف المستمرة لدى المعلمين من التعرض للطرد من المدرسة في حال تم إلحاق المدارس التي يعملون فيها للتربية الحرة”.

حقه في النمو

زاد عدد الأطفال الذين نزحوا أثناء الحملة العسكرية عن مائتي ألف طفل أستقر بهم المقام في مخيمات الشمال وسط ظروف وتقلبات جوية قاسية ونقص في المياه وغياب الرعاية الصحية وانعدام التعليم.

وتفيد التقارير الصحفية بانتشار حالات القصور الحاد في النمو بينهم، منهم الطفل “يامن قاووق” الذي هربت أسرته من ريف حمص الشمالي ليقيم في “مخيم كفرلوسين” قرب الحدود التركية بحسب منظمة اليونيسيف.

يقول والد الطفل في تقرير مصور لقناة الجزيرة إن طفله يعاني من قلة الأكل والنوم، وتحول جسده إلى مجرد عظام في حالة هي أشبه بالشلل، دون قدرته على الحركة، مضيفاً أنه لم يتلق أي رعاية تساعد ابنه المصاب بقصور حاد في النمو.

وجعلت نصوص المواثيق الدولية “مصلحة الطفل فوق كل اعتبار وذات أولوية وأفضلية في جميع الظروف ومهما كانت مصالح الآخرين، لتمكين الطفل من التمتع بطفولة سعيدة ينعم فيها، ويكون محمياً ولديه الحقوق التي تؤمن له حياة سعيدة”.

وأكد البروتوكول الملحق باتفاقية حقوق الطفل الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2000، على وجوب تمتع الطفل بحماية خاصة وأن تمنح له الفرص والتسهيلات اللازمة لنموه الجسمي والعقلي والخلقي والروحي والاجتماعي، نمواً طبيعياً سليماً في جو من الحرية والكرامة.

سوء التغذية

أطفال في أحد المخيمات المحرومة من المرافق الخدمية في إدلب – زيتون

وكان المدير الإقليمي لليونيسيف” بيتر سلامة” قد أعلن في وقت سابق أن الملايين داخل سوريا يعيشون في ظروف تشابه الحصار، كما شرد الملايين من منازلهم. مع ظهور حالات سوء التغذية الحاد بين الأطفال للمرة الأولى في التاريخ الحديث في سوريا”.

يشير طبيب الأطفال “محمد المحمود” لزيتون إلى ارتفاع نسبة الأطفال المصابين بسوء التغذية في السنوات الأخيرة، مرجعا السبب إلى الحرب والأوضاع المادية والاقتصادية وانتشار أمراض فقر الدم ونقص الفيتامين (B)، لا سيما عند حديثي الولادة بسبب عدم الإرضاع الطبيعي والاعتماد على الحليب الصناعي، أو لعدم تناول الأم الغذاء المناسب والمتوازن،أو بسبب عوز الأسرة أو انعدام المواد بالأسواق.

وحذر المحمود من مخاطر سوء التغذية على نمو الطفل جسديا وعقليا أو اضطراب توقيت وجباته وعدم توازنها، وضرورة حصوله على غذاء متنوع يضمن نموه.

إحصائية لليونيسيف عن عدد الأطفال المتضررين

الرعاية الصحية

الطبيب “مأمون قدور” أخصائي أمراض الأطفال شدد على الاهتمام بعناصر الوقاية من الأمراض عبر إعطاء الطفل اللقاحات المحددة في جدول اللقاحات ضد الأمراض، وحمايته من التهابات الجهاز التنفسي والهضمي قدر المستطاع، من خلال الانتباه لنظافة وسلامة الغذاء والنظافة العامة ولا سيما في ظل النزوح الحالي والعيش في المخيمات وانعدام الشروط الصحية في البعض منها.

ويؤكد عضو فريق لقاح سوريا في محافظة إدلب “بشار الخالد” لـ “زيتون” على توفر الكثير من المراكز الطبية المنتشرة في المنطقة التي تقدم اللقاحات لكافة الأطفال، لكنه يرى أن المشكلة تبقى في القصف المتكرر وما يتبعه من ظروف التهجير والنزوح وانعدام وسائل النظافة والصحة وانشغال الأهل عن الاهتمام بالأطفال.

وترى “منى دندل” أخصائية الدعم النفسي للأطفال في ريف إدلب أن الحرب الدائرة حرمت أطفال إدلب من حقوق كثيرة مثل التعليم واللعب والبيئة الآمنة والسليمة، ما يهدد بجيل فاقد للثقة ضعيف جسدياً وفكرياً ومنعزلٍ أو متمردٍ على الأسرة”.

اللعب والترفيه

أقرت المواثيق والقوانين الدولية والشرائع الإنسانية بحق الطفل باللعب واللهو والترفيه كجزء أساسي من حقوقه المتعارف عليها، وهو حق ناتج عن حاجة الطفل للحركة التي تمكنه من مهارات اجتماعية وتربوية، وتمنحه نموا متكاملا يزيد في ذكائه وقدراته ويصقل شخصيته.

ويعتبر المعالج النفسي جلاء خطاب في حديث لزيتون: “أن اللعب هو من أكثر العلاجات نجاعة فيما يخص الصدمات النفسية لدى الطفل، إذ تمكنه من تفريغ خوفه وغضبه وتوتره ليعود إلى طبيعته وبراءته، بالإضافة إلى أنها تبعده عن الانطوائية التي تعد أولى أعراض الاكتئاب النفسي”، مضيفاً: “اللعب والنشاطات الاجتماعية ومنحهم الوسائل اللازمة للتعبير عن مخاوفهم وأحلامهم، هي أهم ما يمكن تقديمه للطفل لينمو ويتطور، وخصوصا في أجواء الحرب التي يعيشها الأطفال اليوم، كالرسم والمسابقات والنشاطات الجماعية”.

لم يقتصر حرمان الأطفال على اللعب والترفيه فقط بل حملتهم الحرب أعباء حاولوا أن يتأقلموا معها، وما ظواهر تجنيد الأطفال وعمالتهم والزواج المبكر والتسرب من المدارس والإدمان، ما هي إلا محاولات لحماية أنفسهم مما يواجهونه من انتهاكات عجز العالم عن وضع حد لها، لتبقى مواثيق حقوق الطفل التي وقعت عليها الدول وتعهدت بالالتزام بها والدفاع عنها بلا مدافع ولا نصير.

تم إنتاج هذه المادة بالتعاون مع منظمة FPU

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*