ليحصلوا على شهادة معترف بها مستقبلا.. يغامرون بواقعهم

صورة رمزية لمستقبل الطلاب في إدلب – زيتون

فريق زيتون

الطفل ذو السبع سنوات والذي اشتهر بهتافه في المظاهرات صار عمره اليوم 15 عاما، ولم يتوقع والداه أن الأيام ستطول بذلك النظام إلى الحد الذي سيكبر فيه صغيرهما ويضطر إلى الذهاب لمناطق سيطرة النظام لتقديم امتحان الشهادة الإعدادية في حماه.

رامي الذي سحرته المظاهرات التي انطلقت في عام 2011، فوقع في غرامها، وشارك في قيادة هتافاتها في مدينته معرة النعمان، التي بدورها أحبته لبراءته وذكائه وحماسه المتقد، شجعه على ذلك والده، صار اليوم فتى على أبواب الشباب ويلوح له مستقبل دراسي واعد بما يقدمه من تميز لافت في مدرسته.

القلق توصيف مثالي لأم رامي، إذ كيف ستضمن أن يعبر طفلها على حواجز النظام وهو الذي اشتهر بصوته في مظاهرات المدينة ، وكيف لها أن تحرمه من مستقبله وهو يقدم جدارة مقنعة في التفوق، هل ستغفر له طفولته أمام عناصر النظام، أم أنها مغامرة محفوفة بمخاطر الواقع السيء من أجل مستقبل أفضل؟

الشهادات الصادرة عن مدارس التابعة للائتلاف السوري المعارض، لم تحظ باعتراف دولي، ولا حتى من الجامعات الخاصة التركية، لذا فإن مستقبل رامي يكمن في الحصول على شهادة معترف بها دوليا من النظام، وللحصول عليها يجب أن يعبر حواجز النظام الخطرة على بوابات مدينة حماه، وهناك ينتزع المطلوبون من حافلات الركاب ليحولوا إلى سجون الموت.

تحاول أمه منذ عدة أيام التخلص من مقاطع “اليوتيوب” التي اشتهر بها، ومقالات الصحف والمواقع التي كتبت عنه، لتؤمن أكبر قدر ممكن من السلامة له، تواصلت مع مواقع عالمية، طالبتهم برجاء وتوسل أن يحذفوا تلك المقالات والمقاطع المصورة، ورغم عدم الاستجابة لها، إلا أن محاولتها لم تتوقف بل تواصلت مع مقربين لها طالبة مساعدتهم.

ستكون معه في تلك الحافلة، ترعاه بعينيها وتدعو له الله كي يجعل من بين أيدي عناصر الحواجز “سداً ومن خلفهم سداً” ويعميهم فلا يبصرون صغيرها، ليعبر ذلك البرزخ إلى مستقبله المرتجى.

طالبات في امتحانات الشهادة الثانوية في حماه – روسيا اليوم

ما يزيد عن ثمان سنوات كبر فيها الأطفال ليصبحوا أسماء قد تكون مطلوبة للنظام، ورغم عدم رصد حوادث واضحة في اعتقال الطلاب القاصدين مراكز الامتحانات في مدن النظام، فقد تكررت حوادث اعتقال المعلمين، منها حادثتان تم فيهما اعتقال معلمة ومعلم لمدة شهر أثناء توجههم لاستلام رواتبهم من مدينة حماه.

وقالت وكالة الأخبار الرسمية “سانا” إن عدد الطلبة من محافظة حماه والوافدين إليها من محافظتي إدلب والرقة لامتحانات الدورة الثانية للثانوية العامة بكافة فروعها بلغ 9654 طالبا وطالبة توزعوا على 76 مركزاً امتحانياً تم تجهيزها في مدينة حماة ومناطقها وذلك عام 2017.

كما نقلت مواقع موالية  أن المحافظة افتتحت 7 مراكز لاستضافة الطلاب القادمين من داخل إدلب وتوفير مستلزماتهم من طعام وشراب ومبيت، في حين حدد موقع الوطن الموالي عدد المسجلين لتقديم الامتحانات الثانوية العامة من طلاب محافظة إدلب تجاوز 13000 بحسب مدير الامتحانات في محافظة حماه.

آلاف الطلاب في المناطق الخارجة عن سيطرة قوات النظام كانوا قد أجبروا على التوجه إلى مراكز المدن الواقعة تحت سلطة النظام السوري من أجل تقديم امتحاناتهم للمرحلة الإعدادية والثانوية العامة بهدف الحصول على شهادات معترف بها تمكنهم من استكمال دراستهم في جامعات سوريا أو العالم، وهو ما يضع هؤلاء الطلاب وذويهم في حالة من الخوف والقلق من احتمال اعتقالهم، لا سيما أنهم قادمون من مدن ثائرة، شارك الكثير منهم في مظاهراتها.

يقول “معتصم حمادي” أحد الطلبة الذين قدموا امتحانات الشهادة الثانوية في حماه، إن ما تعرض له خلال رحلته التي استمرت ما يقارب 30 ساعة إلى حماه كان يفوق الوصف، إذ عبر خلالها ثمانية حواجز لقوات النظام، تعرض فيها للتحقيق والبحث عن اسمه في قوائم المطلوبين، كما تم سؤاله عن أشخاص آخرين في بلدته بريف إدلب، ويؤكد معتصم أن جميع الطلاب في الحافلة تعرضوا للتحقيق و”تفييش” أسمائهم، فضلا عن التفتيش الدقيق ودفع إتاوات مالية لعناصر الحاجز، حتى سمحوا لهم بالمرور أخيرا.

كما يتخوف الأهالي من ما يتعرضون له من تخوين من بعض الجهات في المناطق المحررة، لا سيما عناصر هيئة تحرير الشام التي تعتبر توجه الأهالي إلى مناطق سيطرة النظام هو بمثابة الخيانة، ما يدفع بالأهالي بالتستر قدر الإمكان على رحلات أبنائهم.

وكانت مديرية التربية الحرة قد هددت في قرار لها صدر في آذار 2018 المدارس التابعة لمديرية تربية النظام بالعقوبة في حال شجعت أو ساعدت في تسجيل طلاب إدلب بامتحانات تربية النظام بحماه،

يتكبد الأهالي تكاليف مادية باهظة في سفر وإقامة أبنائهم خلال فترة تقديمهم للامتحانات في حماه، إذ يصل سعر أيجار الغرفة الواحدة (إن وجدت) إلى 20 ألفا ليرة سورية، يتشارك فيها عدد من طلاب، وتشهد المدينة اكتظاظا سكانيا كبيرا نتيجة لنزوح الكثير من العائلات إليها من المناطق لمجاورة نظرا لعدم تعرضها للقصف.

امتحان لطلاب الشهادة الثانوية في مدارس التربية الحرة – زيتون

“أنس باكير” أحد الطلاب الحاصلين على الشهادة الثانوية من التربية الحرة تحدث لزيتون عما تكبده من مشاق السفر وتكاليفه من أجل التسجيل في “مركز الدراسات الإدارية” في اسطنبول، قوبل طلبه بالرفض، بسبب عدم اعتراف المركز بشهادات التربية الحرة، ما دفعه لصرف النظر عن الدراسة والعمل بإحدى المصانع هناك.

يقول أنس:

“ماذا يعني شهادة ائتلاف أو شهادة نظام؟ ما دخل التعليم بالسياسة، ما ذنب مئات الآلاف من الطلاب كي يضيع مستقبلهم؟”.

“محمد حبار” أحد أهالي مدينة سراقب قال لزيتون:

“ضعف الاعتراف بالشهادات الصادرة عن الائتلاف دولياً، يعتبر من أخطر مشاكل التعليم التابع للتربية الحرة لا سيما أنه لا تتوفر أية جامعات مجانية في المناطق المحررة معترف بها، ويقع الكثير من الأهالي بحيرة الاختيار ما بين تقديم أبنائهم لامتحاناتهم في مناطق النظام والمغامرة باعتقالهم وما بين تقديمهم لامتحاناتهم في مدارس التربية الحرة والمغامرة بمستقبلهم وعدم الاعتراف بشهاداتهم، كما لا يمكن تحمل أعباء إرسالهم إلى دول الجوار كتركيا لإكمال دراستهم الجامعية”.

محاولات التربية الحرة لكسب الاعتراف

حاولت التربية الحرة اتخاذ مجموعة من الإجراءات الجديدة بهدف الحصول على الاعتراف بالشهادات الصادرة عنها، لخصها مدير المكتب الإعلامي “مصطفى حاج علي” بقوله:

“قامت المديرية بتطبيق معايير دولية في الامتحانات الأخيرة، وهي عبارة عن تعيين نخب معينة للإشراف على العملية الامتحانية، وتشكيل لجان تدقيق ومتابعة لكل ما يتعلق بقضايا الامتحانات”.

كما قامت المديرية بإرسال مندوبين ذوي كفاءة، واختيار المعلمين والمصححين والمراقبين، وعقد اجتماعات معهم وتوعيتهم بالعملية الامتحانية، بالإضافة إلى تقديم عشرات التقارير الإعلامية المصورة، ووضع جميع الجهات والمنظمات الفاعلة في المجال التربوي في صورة ما تقوم به المديرية في العمل الامتحاني، وإشراك الدفاع المدني والشرطة الحرة وجميع مكونات المجتمع المدني فيما يخص الامتحانات.

وأضاف “الحاج علي”: “تم التواصل من قبل المفوضية البريطانية والمفوضية الأوربية مع مديرية التربية بشكل مباشر، لمتابعة عمل الامتحانات، وكانت المعايير منتظمة ودقيقة، وتم بعدها رفع نسخة عن تقرير الامتحانات لليونيسيف من قبل وزارة التربية في الحكومة السورية المؤقتة، ونسخة إلى اليونيسيف التركي بما تم إنجازه في هذا العام، في محاولات لكسب الاعتراف بشهادات التربية الحرة”، لكن لم تلق هذه المحاولات نتيجة تذكر.

الجامعات الخاصة في مناطق المحررة

تنتشر في ريف إدلب المحرر عدد من الجامعات الخاصة، التي تستقبل الطلاب بمبالغ مالية تصل إلى 2000 دولار أمريكي عن بعض الفروع سنوياً، ولاقت تلك الجامعات رواجاً لدى عدد من الطلبة، بالرغم من وجود جامعة حرّة تقدّم خدمتها الجامعية بالمجّان.

جامعة أكسفورد في حارم

مبنى الجامعة في مدينة حارم – صفحة الجامعة

من بين تلك الجامعات جامعة “أكسفورد” التي افتتحت عام 2016 فرعاً لها في ريف إدلب، إلا أن الحكومة المؤقتة، نفت وقتها على لسان معاون وزيرها للتعليم العالي الدكتور عبد الرحمن الحاج لزيتون إعطاء الترخيص لجامعة أكسفورد –  فرع إدلب، مشيراً إلى أن أية جامعة يجب أن يمر على افتتاحها ثلاث سنوات على الأقل حتى يتم الاعتراف بها، علماً أن أكسفورد بدأت عام 2014 فقط ولم تحصل على اعتراف البلد المقامة فيه وهو اليمن، وأضاف الوزير: “نحن وجهنا كتاب الى المديريات التربوية في سوريا بعدم التعاطي مع الكلية وتحذير الطلاب منها”.

جامعة ماري في سراقب

من إحدى دروس جامعة ماري في مدينة سراقب – صفحة الجامعة

جامعة أخرى أعلنت عن افتتاح أبوابها باسم جامعة “ماري” في مدينة سراقب وأفاد عميدها “زياد سطوف” بحصولهم على موافقة من جامعة ماري في مدينة “مرسين” التركية بافتتاح فرع لها في مدينة سراقب، موضحا أن وثائق اعتراف الجامعة الأم (وهي جامعة ماري في مدينة مرسين التركية) بهم تتمثل بنشرها اعتراف بالجامعة على مواقعها الإلكترونية ليكون القرار رسميّاً، وأشار العميد إلى عدم تمكنهم من الحصول على اعتراف الائتلاف السوري المعارض بالجامعة.

وبالعودة إلى موقع جامعة ماري في مرسين تبين أن الوثائق المتوفرة في معلومات الاعتراف هي مجموعة من اتفاقيات التعاون والتوأمة بين الجامعة وعدد من الجامعات في العراق وليبيا، دون وجود وثيقة تثبت الاعتراف بشكل واضح.

رابط نافذة الاعتراف والاعتماد العلمي في موقع جامعة ماري في مرسين:

http://mariuniversity.com/15751604157515931578158515751601-160815751604157515931578160515751583-157516041593160416051610.html

تبع ذلك قرار نشرته صفحة جامعة ماري في سراقب قالت أنه اعتراف صادر عن الحكومة السورية المؤقتة بتاريخ 20 أيار 2017، موقعا من وزير التعليم العالي ورئيس مجلس التعليم العالي “عبد العزيز الدغيم” يمنح ترخيصا لجامعة ماري في سراقب.

وكان وزير التعليم العالي في الحكومة المؤقتة، عبد العزيز الدغيم صرح لزيتون في شهر تشرين الثاني 2016 بعد الإعلان عن افتتاح جامعتي أكسفورد وماري بأن: “الحكومة المؤقتة لم تمنح أي ترخيص أو اعتماد لأي جامعة خاصة، وهو بالأساس قرار يصدر عن مجلس التعليم العالي، الذي سيفتتح بداية العام الحالي، وله ستحال جميع أوراق الجامعات الخاصة.

تركيا رخصت لمقر شركة ووزارة التربية التركية خارج الموضوع

وبالعودة الى التراخيص والأوراق الرسمية للجامعة الأم، وجدت زيتون أن الحكومة التركية قد منحت ترخيصاً محدداً (بشركة) لإدارة الجامعة في مرسين وقال نائب عميدها للشؤون العلمية الدكتور (حيدر) الذي لم يعرف بأكثر من ذلك عن نفسه لزيتون، إن منح الحكومة التركية لهم بافتتاح ما يسمى (شركة) هو بمثابة اعتراف بهم، وقد نشرت الجامعة على موقعها عبر الويب ختماً للترخيص على أنّه اعتراف من قبل الحكومة التركية.

وعلى الرغم من أن جامعة ماري الأم جامعة عراقية إلا أن وزارة التربية والتعليم العراقية لم تمنحهم أي ترخيص حتى الآن.

ورفضت إدارة الجامعة في مرسين إطلاع زيتون على أية أوراق رسمية تؤكد فاعلية الجامعة، مكتفين بالتنويه لبعض الصور التي التقطها عميد الجامعة مع بعض الشخصيات.

عمق المشكلة يكمن في أن خيرة سنوات الشباب السوري للتعلم تذهب سدى في جامعات لم يتم تأكيد مدى الثقة بشهاداتها، وبغض النظر عن الجهد والتكاليف التي يتكبدها الطلاب في هذه الجامعات وهي ليست بالقليلة على دخل السوري الغارق في ظروف الحرب، فإن خطر الحقيقي في ضياع سنوات تعليمهم سيكون في الأثر العكسي والمدمر على هؤلاء الشباب، حين يجدون أن جهدهم كان مجرد عبث، ومن حق الجميع أن يسأل عن معنى ما يحدث لهم؟ ومن المستفيد في حال ضياع مستقبلهم؟.

رحلة التعليم تبدو صعبة وشاقة لطلاب إدلب، لم تقتصر على قصف المدارس والنزوح وعبور حواجز قوات النظام وتضييق الفصائل المسيطرة في الشمال، لتصل إلى المتاجرة بسنوات عمرهم في شهادات قد لا تساوي ثمن طباعتها.

تمت كتابة هذه المادة بدعم من منظمة fpu

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*