سوء التغذية والتعرض للسموم.. أبزر أسباب تأخر النمو لدى الأطفال

تأخر النمو لدى الأطفال – إنترنت

يمامة الأسعد

كانت ليلة باردة من شتاء عام 2014، تحلقت أسرة “محمد ديب” في منزلهم حول مدفأة الديزل التي يحب السوريون السهر حولها، وبينما كانت زوجته ازدهار وأمه تتجاذبان أطراف الحديث، كانت “القبضة اللاسلكية” الملازمة للجميع في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام حاضرة.

صوت المرصد في مدينة اللطامنة بريف حماه الذي يحذر الأهالي من توجه الطائرات نحو مدنهم وبلداتهم بدأ يصدر من القبضة بشكل مفاجئ بإعلان عن “قذائف من الجنوب باتجاه الشمال”، لم تكن ازدهار تعلم أن القذيفة ستنفجر بينهم، وعلى حين غرة تحول الليل إلى نهار، ومن ثم فقدت الوعي، حين فتحت عينيها لم تبصر سوى الظلام، حاولت ازدهار أن تتنفس لكنها بالكاد استطاعت أن تستنشق شيئاً من الهواء المشبع بالتراب والبارود، ولما أرادت أن تتحرك وجدت أن سقف البيت يجثم على جسدها محطماً عظامها.

بعد أن تعافت ازدهار من الكسور والجروح لكنها فقدت زوجها وأمه، غير أن خسارتها لم تنته هنا، فلدى إجراء التصوير الإشعاعي لها تبين بأنها حامل في شهرها الأول، وأثناء مراقبة الحمل أكتشف الأطباء أن الضغط الذي تعرض له جسدها في الحادثة تسبب في حدوث تشوه لدى الجنين.

مع اقتراب موعد الولادة لم يكن جسد ازدهار ووضعها الصحي يسمح بولادة طبيعية، فأجريت لها عملية قيصرية لاستخراج المولود، كانت طفلتها الأولى والوحيدة من زوجها، لكن مع مرور الأيام راحت عوارض التأخر في النمو العقلي تظهر على الطفلة.

تقول ازدهار: “منذ أن كان عمر ليان عام واحد كانت لا تستجيب للنداء ولا تتكلم أبدا وتبكي باستمرار، وحين بلغت الثالثة صارت عدوانية ومنعزلة ولا تلعب مع الأطفال”.

تؤكد ازدهار أنها مستعدة للتسول مقابل تأمين علاج ابنتها ليان بعدما طمأنها الطبيب إلى أن حالتها يمكن أن تتحسن شرط متابعة العلاج.

أحد الأطفال المصابين بتأخر النمو في أحد مشافي إدلب – جريدة زيتون

“مصطفى الموسى” طفل في السادسة من عمره من بلدة احسم تقول معلمته “كان شبه فاقدا للإحساس بمحيطه، لديه نظرة ساهمة، تتراوح ما بين نظرة المدرك الواعي وما بين المستغرب الذي لا يدرك ما يدور حوله، يستجيب ببطء لمناداته، يطيل النظر كطفل صغير، ولا يستوعب ما يقال له”.

وتضيف المعلمة:

“حاولت دفعه للعب مع رفاقه، لكنه ظل منعزلا ووحيدا، أدركت حينها أنه يعاني من مشكلة، وحين تحدثت إلى والده أخبرني أنهم لاحظوا تأخره عن أقرانه بالمشي والكلام منذ الصغر، وحين مراجعة الأطباء أكدوا لهم أنه يعاني من تأخر في النمو”.

يعرف تأخر النمو بأنه تأخر مؤقت أو دائم في مجال واحد أو عدة مجالات في نمو الطفل العاطفي والجسدي والعقلي وذلك بحسب المركز الأمريكي لطب الأعصاب والصحة النفسية.

أعراض المرض

وعن أعراض مرض تأخر النمو تقول الطبيبة المختصة بالأطفال “عبير شبب” لزيتون: “قد يشير مظهر الطفل وجسده إلى حالته المرضية كشكل الرأس أو العيون الغير الطبيعية، ونمو الأطراف بشكل غير متناسق مع الجذع، بالإضافة إلى بطء ردود أفعاله مترافقا بمشاكل عصبية، فضلا عن وجود مشاكل في اللغة والحركة والمهارات الاجتماعية والاختلاط مع الأطفال”.

الأسباب

ويضيف طبيب الأطفال “إسماعيل الخطيب” بأن سوء التغذية والتعرض للغازات السامة هما من أبرز العوامل التي تسببت بازدياد أعداد الأطفال المصابين بمرض تأخر النمو في الغوطة الشرقية.

ويؤكد الطبيب لزيتون أن أعداد الأطفال المصابين بالمرض وصل 300 حالة شهريا، وذلك خلال عمله في الغوطة الشرقية عام 2015، موضحا أن استهداف النظام السوري للغوطة الشرقية بغاز السارين عام 2013، واستمرار الحصار منذ عام 2013 ولمدة خمس سنوات، لم تظهر أثرها حتى عام 2015.

وبحسب الخطيب فإن الأعداد الكبيرة التي كانت تصلهم شهريا دفعت بمنظمات تابعة لليونيسيف بالقيام بحملة عام 2016 لمكافحة مرض تأخر النمو، قامت فيها بزيارة المنازل لرصد الحالات، وتمكنت الحملة من خلال إدخال الأدوية اللازمة للحد من انتشار المرض، رغم الأعداد التي فاقت قدرة الفريق ورغم الحالات التي لم يكن بالإمكان الوصول إليها.

كما ساهم الحصار الذي فرضته قوات النظام على مدن وبلدات الغوطة الشرقية وما رافقه من تجويع للأهالي من زيادة أعداد الأطفال المرضى، لا سيما الأطفال الذين هم دون الخامسة نتيجة لسوء التغذية الذي تعرضوا له.

العلاج

تشير الطبيبة عبير إلى أهمية الكشف والعلاج المبكر للطفل المصاب بتأخر النمو، إذ يتم إجراء فحص الدم لعدة أشهر كي يتم تحديد الخلل المرتبط بنقص النمو، كما تستخدم الأشعة السينية لتحديد نضج وعمر العظام وإمكانية تطورها، وعبر إخضاع الطفل لاختبارات وفحوصات تقيم حالة الطفل وأسباب تأخر النمو، ليتم بعدها وصف العلاج المناسب له.

وتوضح الطبيبة أن العلاج تحدده أسباب المرض، ولكل سبب علاجه الخلاص، وقد تترافق عدة أسباب معا، ما يتطلب علاجا مركبا كمعالجة النطق مع المهارات الحركية.

وينصح الأطباء بمراقبة الأطفال في السنوات الأولى من عمرهم، وفي حال ملاحظة وجود تأخر في نمو إحدى الوظائف الحيوية أو الأنشطة العقلية أو الحركية، يجب استشارة الطبيب على الفور، فالتشخيص المبكر يزيد من فرص نجاح علاج تأخر النمو.

تمت كتابة هذه المادة بدعم من منظمة fpu

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*