لا تثقوا بسجل التاريخ.. إنه كذبة المنتصر

زيتون – ياسمين محمد

يقول الكاتب “جورج أورويل”: “أعلم أنه من نافلة القول إن معظم التاريخ المسجل هو كذب على أية حال؛ ولكن ما هو غريب في عصرنا، هو التخلي عن فكرة أن التاريخ يمكن أن يُكتب بصدق”.

لشدة ما عشقته، درست في قسم الآثار، هناك تعرفت على تاريخ الإنسان حتى قبل أن يصبح مفكرا وقابلا للقتل، منذ أول تطور له حتى يومنا هذا، مرورا بكل العصور والحضارات القديمة والوسطى والحديثة.

تعرفت على نتاجه الحضاري العتيق، كنت ازداد اندهاشا من هذا الكائن الفريد وفي رحلته التطورية، التي جعلت منه سيدا على هذه الأرض ومخلوقاتها، كما جعلت منه الخطر الأكبر على نفسه بعد تلك المخلوقات.

في طفولتي، لم أكن أقرأ قصص الأطفال، كنت غالبا ما أختار كتب التاريخ، في شبابي ومراهقتي فضلت التاريخ السياسي على روايات الحب والشعر ونزار قباني وأحلام مستغانمي ومحمود درويش وغيرهم ممن كان ينجذب إليهم أبناء جيلي.

ومع تقدم تجربتنا في الثورة السورية، بدأت أفقد جزءا من ثقتي بما قرأته وعرفته، ولكنني لم أفقد ثقتي بالتاريخ، بل على العكس، قررت أن أعمل له.

كانت مقولة “التاريخ يسجل”، مقولة آمنت بها ككل السوريين المعارضين لنظام الأسد، عملت ككثيرين غيري كي نوثق ما كان يحصل لمن سيأتون بعدنا، آملين بأن ينصفنا ذات يوم، أو على الأقل نوصل الحقيقة لأبنائنا كما جرت، عملنا عليها على الرغم من أن الكثير مما كنا نعتقده حقائق، بدى لنا أنه غير ذلك، وتكشف لنا زيفه، ومع ذلك لم يثن من عزيمتنا على تدوين أحداثنا بيدنا، وبقينا نردد تلك المقولة.

ولكن شيئا فشيئا، أصبحنا نرى تزوير أيامنا ووقائعنا أمام أعيننا، حتى بتنا نعرف كيف يزور التاريخ، وبتنا نشكك في كل ما قرأناه أو نقرأه سواء أكان ماضيا أم حاضرا.

انقلبت ثقتنا وإيماننا بتسجيل التاريخ لواقعنا وثورتنا، إلى يقين معاكس، وحلت مقولة “كيف أثق بالتاريخ وأنا أرى الحاضر يزور أمامي” بدلا من “التاريخ يسجل” ليكتشف الموثقون المؤمنون بالتاريخ بعدها أنه لا جدوى من جهدهم، فكل ما كتبوه سيتم طمسه بأساطير المنتصر صاحب الكلمة الأخيرة.

واليوم تعود بي الذاكرة إلى ما كان يلقنه لنا النظام السوري عن تاريخ سوريا “الحديث” لأكتشف مدى الزور ولوي عنق الحقيقة لصالح السلطة، السلطة القادرة على منع ما تخشاه ونشر ما تريد، حتى أنها تمكنت في كل العالم وليس في سوريا فقط من حذف أحداث ومعارك، ثورات وانتفاضات، حقائق وجرائم يندى لها الجبين عاشتها أمم قبلنا لكن روايتها لم تصل، لأن سجلات الفاتحين والمنتصرين هي التي بقيت أخيرا، وقد يقدم التاريخ في بلادنا كمادة للتربية القومية، كما يمكن أن يتحول المحتل العثماني إلى فاتح إن تحسنت علاقات البلدين السياسية.

أليس من حقنا أن نخشى مما سيصل من حقائق إلى أطفالنا، هل سيدركون ما قدمه الشعب السوري في سبيل حريته، وهل سيميزون ما بين بطلنا يوسف الجادر أبو فرات والمجرم البغدادي، هل سيدركون أن من خرجوا في بداية الثورة مطالبين بالكرامة للسوري هم ليسوا من تنظيم القاعدة، وهل سيصدقون أن أهالي درعا وإدلب وريف دمشق والرقة ودير الزور وغيرهم لم يكونوا متطرفين هدفهم السلطة؟

هذا ما اتبعه النظام السوري في تشويه الحقيقة حين ادعى أنها ثورة متطرفين، وظل يكذب ويكذب حتى صدق ذلك مناصريه ثم صدقه بعض الناس ثم صدق نفسه.

لا تنصتوا لسجلات التاريخ ولا تقرؤها، خذوا تاريخكم من همس آباءكم ومن تثقون بهم وبدوركم أوصلوه لأبنائكم وحذروهم من زيف ما يقرؤون، علموهم أن التاريخ يزور بأياد محترفين، فنانو تحريف وتلفيق، يقف خلفهم رؤوس وأنظمة وسلطات أكبر من الحقيقة.

ويعتمد المزيفون على عدد من الوسائل في تحريف الحقائق التاريخية، فهم إن لم يستطيعوا تغيير الحقيقة بشكل كامل، حاولوا تشويهها عبر زرع الشك بها وتقديم روايات مناقضة لها، كما لهم في مواراة الأحداث وطمرها وسيلة أخرى لتجنب الحديث عن حقيقة ما.

فهل حقا أحرق طارق ابن زياد سفنه؟

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*