متظاهرون في إدلب: “بلا جولاني وبلا بطيخ”

على كل طاغ، يحمل أهالي إدلب لافتاتهم ويشحذون أصواتهم ويخرجون لشوارعهم التي لا يملكون غيرها تعبيرا عن فجيعتهم بتوالي الطغاة عليهم، غير مخدوعين بشعارات الوطنية والدين والجهاد التي يحاول كل جبار أن يحكمهم من خلالها.

ويبدو أن قدر هذي البقعة من الأرض أن تصارع كل أنواع الظلم، وأن تصطدم بكل ما تم ابتكاره من ألاعيب السياسة والكذب والدجل، لتجد نفسها أخيرا أمام فئة جديدة في خداعها دأبت خلال السنوات الماضية على الادعاء بنصرتهم واستخدمت أبناءهم للوصول إلى غايتها.

وهيئة تحرير الشام التي تقتحم اليوم مدينة كفر تخاريم في ريف إدلب الشمالي، تقتحمها بأبناء أهل إدلب، لتمعن في عذاب أهالي المحافظة وتعمق ألمهم، في مشهد يحمل حقيقة المأساة السورية في انقلاب المدافع إلى مهاجم والصديق إلى عدو.

يأتي هذا الاقتحام ممن ضرب فصائل الجيش الحر وأفرغ المناطق المحررة من النشطاء المدنيين وعمل بإصرار لصبغ محافظة إدلب بلون التطرف والسواد حتى ألب العالم أجمع وأقنعهم بصواب قصف المدن والبلدات على أنها محاربة للإرهاب.

وبينما يسقط المدنيين بفعل القصف الجوي يسارع الجولاني لتحريك أرتاله لا إلى جبهات النظام لرد قواته، بل يسيرها إلى مدن ليس بها سوى المدنيين، في خدمة عظيمة يقدمها للنظام على أكثر من محور.

يعمل الجولاني بما يفرضه من قمع على المدنيين على انفضاض الحاضنة حول أهداف الثورة، ليظهر لهم أن نظام الأسد هو الخيار الأفضل لأن الخيارات الأخرى لا تقل سوداوية عنه، وأن لا خلاص لهم من الظلم، فلم الثورة وتكبد عنائها.

كما يعمل يسعى الجولاني من خلال تحركاته العسكرية المسرحية إلى تأمين الحجج اللازمة للروس والنظام من قصف المناطق المدنية ومهاجمة المحافظة وتقدم قواتهم.

ويتجلى أحد أبرز أهداف الجولاني في تفقير وإنهاك المدنيين في المناطق المحررة، وسلبهم أي قدرة للصمود، عن طريق تجويعهم ومزاحمتهم في أرزاقهم ومحاصيلهم.

أيضا يساهم الجولاني في قطع أي تضامن حقيقي دولي مع من يعيشيون في هذه المناطق، فتخويف المنظمات وسلب المعونات واختطاف العاملين وسرقة الآليات التابعة لهم، واقتطاع أجزاء كبيرة من المساعدات الاغاثية والمادية المقدمة من تلك المنظمات للتخفيف من حدة انعدام مقومات الحياة، كلها مساهمات فعالة من جانب الجولاني لدفن من يعيشون تحت سلطته التي انتزعها بالكذب والادعاء بشرع الله والجهاد واللحى المزيفة.

واليوم يفيض الحال بأهل إدلب لينتفضوا بوجه ظالمهم الجديد، مرددين “بلا جولاني وبلا بطيخ” و”جولاني ولاك ما بدنا ياك” متجاوزين خوفهم من لثام عناصره، منتبهين لسياسته التي اتبعها في تفكيك الفصائل الواحدة تلو الأخرى، ولهذا كان تضامنهم اليوم مع مدينة كفرتخاريم كي لا يقولوا غدا “أكلت يوم أكل الثور الأبيض”.

من هذا الوعي انطلقت مظاهراتهم المتضامنة مع أهالي كفرتخاريم في إدلب المدينة التي كالت لرأس الهيئة الجولاني الشتائم والسخرية وهي التي عانت أكثر من غيرها من قمعه منذ سيطرته على إدارتها المدنية وحل مجلسها المنتخب، كما خرج أهالي مدينة معرة النعمان وهم الأكثر عراقة في رفضهم لوجود الهيئة وتدخلها في إدارة المدن، المعراويون الذين خبروا ممارسات الهيئة منذ أن كان اسمها النصرة من قتل أبنائها واعتقالهم وضرب فصائلهم، مؤكدين: “كفرتخاريم نحنا معاكي للموت”.

إلى ذلك تظاهرت مدينة أريحا وجددت رفضها لما تمارسه الهيئة من تعسف يخدم نظام الأسد، كما تظاهرت بلدة كفروما وتفتناز، كما وصل متظاهرون من بلدات مجاورة لكفرتخاريم بأعداد كبيرة للوقوف مع أخوانهم في المدينة في وجه الهيئة.

أضاف لهم ما قدمه بعض النشطاء من شجاعة نادرة كما يحصل منذ شهور في مدينة سراقب، من استمرار حفنة من النشطاء على التظاهر بأعداد قليلة لكن بشجاعة ضد هيئة تحرير الشام، وما يحدثونه من نقاش وحراك على صفحاتهم الإلكترونية من أبرزهم الناشط “فضل الحسان” الذي يلقبه الأهالي بمختار الثورة، والذي ما يزال يدعو بشكل مستمر إلى التظاهر ضدها معددا الكوارث التي تسببت بها، ومشيرا إلى الخدمات الجليلة التي يقدمها الجولاني للأسد.

كما ساهمت الفضائح التي لم تتوقف عن كشف مدى فساد قيادة هيئة تحرير الشام وعناصرها، وأبز تلك الفضائح ما قدمه أبو عبدو أشداء في مقطعه المصور الذي فصل فيه المستويات الخطيرة التي وصلت إليها قيادة هيئة تحرير الشام في ضرب الثورة وحاضنتها.

ويرى الكثيرين أنه حان الوقت وبات بحكم الضرورة القصوى هو العمل بشكل جاد وسريع من قبل الأهالي لطرد هيئة تحرير الشام من المدن والبلدات، بهدف حمايتها وتجنبيها القصف الجوي، لا سيما وأن التصعيد الأخير يشير بما لا يدع مجالا للشك بأن النظام ومن خلفه روسيا يزمعان التقدم على عدة محاور للسيطرة على محافظة إدلب بحجة محاربة الإرهاب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*