إدلب وثلاثية النزوح والحرب والكورونا

زيتون – عدنان صايغ

في الشمال السوري الخارج عن سيطرة نظام الأسد، حيث اكتظت المدن بالنازحين من المناطق التي تقدمت إليها قوات النظام خلال الفترة الماضية، تسود حالة من اللامبالاة لدى السكان في مواجهة وباء كورونا الذي قض مضجع العالم أجمع.

ورغم أجراس الخطر التي قرعتها منظمة الصحية العالمية وحكومات العالم وما رافقها من إجراءات بلغت حدود الشلل في بعض الدول، ما يزال الأهالي في الشمال السوري يعيشون حياتهم بشكل طبيعي دون اتخاذ أي احتياطات مهما بلغت بساطتها، ما دفع ببعض النشطاء والمهتمين لتوجيه انتقادات شككوا فيها بمدى الوعي الصحي لدى الأهالي، وطالبوا بإجراء حملات توعوية تشير إلى حجم التهديد والخطر من الوباء.

من جهة أخرى يرى الكثير من الأهالي أن ما يعيشونه من تبعات الحرب وحصارهم في منطقة ضيقة ذات منافذ محدودة جغرافيا، جعل من محافظة إدلب حالة حجر طبيعي لا سيما وأن المنفذ التركي الوحيد لهم هو في الحد الأدنى من العمل ومحصور في مجالات ضيقة على رأسها المجال الطبي.

خلية أزمة في إدلب

نائب منسق الصحة العامة بمديرية الصحة بإدلب الطبيب “عبد الحكيم رمضان” أفاد لزيتون عن خطة تم تبنيها من قبل منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع مديرية الصحة في إدلب وبمشاركة عدة منظمات أخرى، تم البدء بها في 16 آذار الحالي، تشمل ثماني نقاط من شأنها وضع أساس وقائي وعلاجي لمواجهة الوباء.

وأكد رمضان أن خلية الأزمة قامت بإنجاز بعض المراحل فيما لا تزال تعمل على انجاز ما تبقى لها، بهدف حماية الأهالي، مشيرا إلى خطورة ما يمكن أن يحدث في حال انتشار الوباء في منطقة تتميز بهشاشتها التنظيمة مقارنة بباقي الدول والتي رغم امكانياتها الضخمة عجزت السيطرة على الوباء.

وتفيد الخطة باتباع مراحل عدة تبدأ من التخطيط الصحي على مستوى المحافظة ومن ثم التركيز على الجانب التوعوي الذي يسمح للأهالي بالمشاركة في مواجهة الوباء والحد من انتشاره، وصولا إلى الخطوات الفعلية في مراقبة المعابر والبوابات التي تصل بالعالم الخارجي.

وكانت الحكومة التركية قد اتخذت قرارا أمس الجمعة بإغلاق المعابر بشكل نهائي بما في ذلك الحالات الصحية الحرجة التي كانت تستقبلها، في محاولة منها للحيلولة دون وصول الوباء لها من إدلب.

ويؤكد البعض أن رغم ما تحمله هذه الخطوة من عواقب وخيمة وصعوبات على المرضى إلا أنها قد تساعد في حماية المنطقة من الخطر الأكبر وتسرب الوباء إليها.

وتضيف الإجراءات التي أقرتها خلية الأزمة بتوفير المخابر المرجعية التي من شأنها الكشف عن الحالات المصابة بالوباء بشكل مؤكد، والبدء بإجراءات التعقيم وتحصين المنشآت الطبية وضمان منع العدوى، إضافة إلى إنشاء 28 وحدة للعزل المجتمعي موزعة على كامل جغرافية المناطق المحررة، مع امكانية استخدام المستودعات والمدارس والخيام أو ما يمكن توفره.

يذكر أن القطاع الصحي في محافظة إدلب كان من أفضل القطاعات التي شهدتها الثورة السورية، إذ تميز بالتنظيم والشمولية، وبجهود كبيرة تمكن القطاع الصحي من سد النقص الهائل جراء غياب الدولة وهجمات النظام التي استهدفته باستمرار.

من جانب أخر حذر رمضان من استمرار الأهالي بحالة اللامبالاة لا سيما وأن محافظة إدلب لا يتوافر فيها سوى عدد محدود ولا يتجاوز 100 منفسة وهو ما يشير إلى ضعف امكانية تقديم المساعدة في حال انتشار الوباء لعدد كبير.

وبالنظر إلى عدد العاملين في المجال الصحي في إدلب والبالغ حوالي 5000 عامل صحي بينهم 550 طبيبا، يجعل من امكانية التصدي للوباء أمرا صعبا، يتطلب بشكل أساسي إشراك الأهالي في العمل الجدي لمواجهة الوباء.

إجراءات لمنع العدوى

وكانت منظمة الصحة العالمية قد كشفت عن عزمها إجراء اختبارات للكشف عن فيروس كورونا في مناطق شمال غربي سوريا، خلال الأسبوع الحالي.

وأكد المدير الإقليمي للصحة العالمية “ريك برينان” أنّ كل الدول المحيطة لديها حالات موثقة، مبديا قلقا بالغا من المنظمة، من انتقال الفيروس إلى منطقة دمرت الحرب الدائرة فيها منذ فترة طويلة النظام الصحي.

من جانبها أعلنت مديرية صحة إدلب رفع جاهزيتها وأصدرت تعليمات لكوادرها الصحية لمواجهة خطر انتشار الفيروس في المنطقة.

وقال مسؤول الرعاية الصحية في مديرية صحة إدلب “أنس الدغيم”، إن المديرية تعمل على تجهيز مراكز طبية ووحدات استشفاء خاصة لعلاج المصابين بفيروس كورونا في حال سجلت إصابات.

وأضاف “الدغيم”، سيكون هناك ثلاث وحدات طبية في مدينة إدلب، وسلقين ودارة عزة، تعمل مديريات الصحة والمنظمات الطبية العاملة في الشمال السوري على تجهيزها، وسيتم تجهيز 30 وحدة استشفاء ستتوزع على مناطق الشمال السوري، بالإضافة إلى تواجد فرق طبية مدربة للكشف عن الإصابات، على المعابر بين مناطق المعارضة والنظام.

وأشار الدغيم إلى تجهيز مخبر مركزي في مدينة إدلب، للكشف عن الإصابات، باعتماد نظام شبكة الإنذار المبكر والاستجابة للأوبئة لمتابعة ورصد جميع الحالات المشتبه بها.

تعميم خاص بكوادر المنشآت الطبية

حمل تعميم أصدرته مديرية الصحة في 21 آذار الحالي، خطوات إجرائية من شأنها الحد من انتشار الفيروس وحماية العاملين في المجال الصحي من العدوى إضافة إلى إرشادات تتعلق بذوي الأمراض المزمنة وحث السكان على وضع أنفسهم طوعيا في الحجر الصحي.

ونصح التعميم ذوي الأمراض المزمنة بتأمين أدويتهم للشهرين المقبلين ولزوم منازلهم وعدم مغادرتها الا للضرورة القصوى عند مراجعتهم للمنشأت أو عبر عمال الصحة المجتمعية، كما دعت إلى إعداد قوائم لمرضى المزمنين ومساعدتهم قدر الإمكان.

على الجانب التوعوي، وجه التعميم العاملين الصحيين إلى استهداف التجمعات السكانية برسائل التوعية المعتمدة بعد تدريبهم عليها، ومن أهمها عدم مراجعة المنشآت الصحية إلا عند الضرورة القصوى وتدبر المشاكل الصحية البسيطة كنزلات البرد وما شابهها في المنزل.

كما أشار التعميم إلى وجوب تأمين حيز خاص خارج المنشآة الطبية كخيمة يتم فيها فرز المراجعين قبل دخولهم للمركز، يحال بعدها المريض الذي يعاني من شكايات تنفسية إلى حيز خاص أخر كخيمة للمراقبة السريرية، حيث يتم فيها تقييمهم ومن يكون مشتبها به كمصاب بالوباء يتم تحويله إلى وحدات العزل في المشافي المعتمدة، فيما يتم تحويل الحالات البسيطة لفرق الصحة المجتمعية للتعامل معه، أما الحالات الجدية التي تحتاج الدخول للمنشآة يتم تحويلها لقاعة الانتظار مع الانتباه لضرورة تباعد المسافات بين المرضى وبقية وسائل الوقاية اللازمة.

كما ألزم التعميم تخصيص رقم اتصال في كل منشأة طبية يكون بعهدة عامل الصحة المجتمعية القائم بمهمة التوعية أو أحد الكوادر الطبية يتم من خلاله تقديم النصح للمرضى وتوجيههم.

وفرض التعميم على الكادر الصحي تعليمات صارمة لحماية أنفسهم عبر الدليل الارشادي المناسب الذي يجب توفيره ليكون بمتناولهم مع تأمين وسائل الوقاية الشخصية لهم.

حالات سلبية وانتقادات لمنظمة الصحة العالمية

قالت الحكومة السورية المؤقتة يوم الأربعاء الماضي إن الحالات المشتبه بإصابتها بفيروس كورونا شمال إدلب ظهرت نتائجها “سلبية” وهي غير مصابة بفيروس كورونا.

وقال وزير الصحة لدى الحكومة “مرام الشيخ” أن مختبر الوزارة يعمل على بقية العينات التي أخذها من أشخاص مشتبه بهم.

وفي وقت سابق، أفاد “الشيخ” بوجود عشرة عينات لحالات مشتبه بإصابتها بكورونا، كانت تنتظر في مخبر “شبكة الإنذار المبكر” بهدف إجراء الاختبارات اللازمة لها.

وانتقد “الشيخ” منظمة الصحة العالمية، متهماً إياها بالتقصير في إرسال “كيتات” اختبار الفيروس إلى الشمال السوري، مؤكداً وصول 1200 اختبار إلى النظام، رغم مزاعم مسؤولي الأمم المتحدة في أن الشمال السوري من البؤر الخطيرة جدًا لانتشار الفيروس.

وطالبت المعارضة على لسان رئيس الإئتلاف أنس العبدة، الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية بالتفعيل الفوري للخطة المقدمة للشمال السوري، بهدف مكافحة كورونا وتسريع جهود تنفيذها بشكل طارئ.

وبالمقابل يواصل الدفاع المدني (الخوذ البيضاء)، أعمال التعقيم وتزويد السكان بمعلومات عن كيفية الوقاية من فيروس كورونا، بمحافظة إدلب السورية التي وصل فيها النظام الصحي حافة الانهيار بسبب هجمات النظام السوري وداعميه.

وكان المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية “هيدين هالدورسون” قد أكد أن 300 فحص مخبري من المقرر أن تصل إلى إدلب يوم الأربعاء، على أن يبدأ العمل بها ضمن مختبر جرى اعتماده وتحضيره خصيصاً لذلك خلال وقت قريب.

القطاع الصحي بالأرقام

قدم فريق منسقو سوريا تقريرا قدر فيه عدد الأسرة المجهزة ضمن المشافي بـ 1789، فيما بلغ عدد وحدات العناية المركزة 243، فيما لا يتجاوز عدد أجهزة التنفس 107 ووحدات العزل الطبي 32.

وبالمقارنة مع الأربعة ملايين و17 ألف نسمة عدد السكان في محافظة إدلب، يتاح لكل 2378 شخصاً سرير مجهز واحد، ولكل 15 ألفاً و534 شخصاً وحدة حماية مركزة، ولكل 37 ألفاً و549 شخصاً جهاز تنفس صناعي واحد، ولكل 125 ألفاً و554 شخصاً وحدة عزل.

إجراءات وقائية واستباقية

قدمت مديرية الصحة منذ منتصف الشهر الحالي مجموعة من التوصيات العامة والتوصيات للأفراد لمواجهة فيروس كورونا، تتضمن إغلاق كافة المدارس والجامعات، وتقليص عدد ساعات الدوام في الأسواق وتخفيف حركة الزبائن، وإغلاق المقاهي واقتصار عمل المطاعم على تقديم الوجبات الخارجية، و طهي الأطعمة بشكل جيد وخاصة اللحوم.

ووقف صلاة الجماعة وخاصة صلاة الجمعة، والعمل من المنزل للمؤسسات، وإيقاف التنقلات والسفر بين المناطق إلا للحالات الضرورية جدا، ووقف الزيارات الاجتماعية والتزام المنازل أو الخيام وخاصة في منطقة المخيمات، وعدم مراجعة المشافي والمراكز الصحية إلا للحالات الضرورية والإسعافية.

وتنظيف وتطهير الأسطح في الأماكن العامة والمنازل بشكل منتظم، وتغطية الفم والأنف بالمرفق أو بمنديل عند السعال أو العطس، ورمي المنديل مباشرة بعد الاستخدام، وغسل الأيدي بالماء والصابون أو المطهرات الكحولية لمدة عشرين ثانية على الأقل بشكل منتظم، وخاصة قبل وبعد الطعام وبعد الخروج من الحمام وعند الخروج من المنزل، و تجنب المخالطة اللصيقة بالآخرين والمصافحة بشكل عام و خاصة مع الأشخاص الذين تظهر عليهم أعراض نزلات البرد أو الإنفلونزا.

كما تضمنت التوصيات عدم لمس منطقة الوجه وبشكل خاص العيون والفم والأنف، وتجنب التعامل مع الحيوانات دون استخدام وسائل الوقاية الشخصية، وتطبيق سياسة العزل المنزلي للمشتبه بإصابتهم أو بمجرد ظهور الأعراض مثل ارتفاع الحرارة والسعال الجاف والأعراض التنفسية، وذلك من خلال وضع المريض في غرفة خاصة وتقليل المساحات المشتركة مع بقية أفراد العائلة والتهوية الجيدة.

وشددت على ضرورة العناية بالأشخاص الذين يتم عزلهم في المنازل، وارتداء الكمامة في حال ظهور أعراض نزلات البرد أو الانفلونزا أو الاشتباه بالإصابة بالكورونا.

وكانت مديرية صحة إدلب وشبكة الإنذار المبكر قد أنهت يوم الأحد، تجهيز المخبر الوبائي في مدينة إدلب بأجهزة إجراء التحاليل الخاصة بالكشف عن فيروس كورونا، وتدريب أطباء المخبر على إجراء هذه التحاليل.

 
 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*