جرابلس.. بوابة الفرات والتجارة السورية

رامي إبراهيم

بوابة نهر الفرات إلى الأراضي السورية، وبوابة القوافل إلى الأناضول قديما، عريقة ومنسية كشقيقاتها السوريات، ملونة بمكونات أهلها من عرب وتركمان، متجاوزة عصبية الطوائف، متآلفة مع الآخرين دون نزاع، كركميش الأمس وجرابلس اليوم، تعود لتذكر بعد سنوات الثورة السورية.

تاريخها السحيق

كنسة الكاثوليك اليوم – جرابلس – زيتون

منذ 5 آلاف عام سكنها الإنسان، وغدت عاصمة الإمبراطورية الحثية القديمة، التي خضعت في إحدى الفترات لمملكة إيبلا (جنوب سراقب)، وبدورها سيطرت على مملكة أوغاريت (شمال اللاذقية)، لتزود متاحف الغرب بالمكتشفات وبالألواح الطينية، في أرض خصبة ذات طبيعة أخاذة ومناخ معتدل، ملأى بالمغار الطبيعية التي استغلها الإنسان عبر التاريخ.

منحوتة من العصور القديمة في آثار جرابلس – انترنت

ويغص تاريخها بأسماء الإمبراطوريات القديمة والملوك، البابليون ونبوخذ نصر، الفراعنة والمصريون، بابل وأورشليم، الفرس والإسكندر المقدوني، الأشوريون، والميتانيون، الآراميون والعموريون، كانت حاضرة في معظم المدونات القديمة كنقوش ماري وتل العطشانة وإيبلا وإيمار.

على ضفة الفرات اليمنى، تربض المدينة القديمة، بمحاذاة الحدود التركية في أقصى الشمال السوري، تتبع لمحافظة حلب وتبعد عنها 125 كم إلى الشمال الشرقي منها، حملت اسمها الجديد “جرابلس” في مطلع القرن العشرين.

مكوناتها الاجتماعية

يبلغ عدد سكان المنطقة 125 ألف نسمة، بعد أن تضاعف بسبب موجات النزوح إليها، أبرز مكوناتها العرب والتركمان والكرد، إلى جانب الأرمن والشركس،

أمين السجل المدني في مدينة جرابلس “حسين الحسن” أفاد لزيتون أن تعداد سكان مدينة جرابلس قبل بداية الثورة السورية كان /24500/ نسمة دون ريفها، لكنه بلغ بعد الثورة 170 آلفا مع الريف، منهم 50 ألف نازح ومهجر، 27 ألف من مهجري دير الزور، و7 آلاف من حمص، ومثلهم من إدلب.

وإلى جانب نهر الفرات يحيط بها سواقي من عين ماء يسمى عين العبيد، ما يجعل من المنطقة واحة خضراء وخصبة، يعتمد الأهالي عليها في ري أراضيهم.

إحدى مغر تل العمارنة – جرابلس – زيتون

تتميز المدينة بانتشار مغاراتها الكبيرة القديمة، مثل مغر “قرخ مغار” ومغارات “الصريصات”، أكبرها هي مغارة “الطاحونة”، وفيها عدة تلال منها “تل العمارنة” حيث يحتوي على قلعة ضمن التل الكبير يعرف بـ “تل غنيمة” الأثري.

وفيها عين ماء تعرف الأن  بعين الساحة وسط مدينة جرابلس، كانت سابقا تعرف بساحة المصارعة ومن ثم تحولت لساحة للأفراح واليوم معروفة بساحة السوق وكلها محيطة بنبعة مياه عذبة باردة، وتحيط بالمدينة أسوار منيعة وتنتشر بها العديد من أثار العمارة والمنحوتات والكتابات الهيوغروفية والأشورية وتضم كنائس ومعابد تاريخية.

نبعة الساحة في وسط جرابلس – زيتون

معالم جرابلس

شهدت المدينة خلال العصر الحديث تطورا كبيرا، وتحولت في عام 1908 من بلدة صغيرة إلى مدينة تضم عدد كبير من القرى، وذلك بسبب موقعها الجغرافي والتجاري المهم، وخصب تربتها الزراعية، التي أتت منها تسميتها القديمة كركاميش أي التربة السوداء الخصبة، أشهر مزروعاتها الزيتون والفستق الحلبي الذي تمتاز بهما.

مساجدها وكنائسها

يشير مدرس التاريخ في مدينة جرابلس “مصطفى العبد الله” إلى أهمية المدينة باعتبارها أول مدينة سورية يدخل إليها الفرات قادما من تركيا، ومعلومات عن بعض المواقع كالجامع الكبير، ذو التصميم المشابه لتصاميم في لبنان ودير الزور، والذي بني عام 1918 بطريقة سريانية.

مئذنة الجامع الكبير في جرابلس – انترنت

وأضاف العبد الله أن المدينة كانت تحتوي على ثلاث كنائس الكاثوليك والأرثوذكس والسريان إلى أن جاءت داعش وقامت بتدميرهم، ولم يبقى منها إلا الكاثوليك، التي تحولت لمستودع اليوم.

مكان جرس الكنيسة الكاثوليكية اليوم – زيتون

تضم المدينة مهن قديمة كصياغة الذهب الذي اشتهرت به الطائفة الأرمنية قبل هجرتها وترك المدينة إلى حلب وأوربا، إلى جانب مهن أخرى كالحدادة وصيد الأسماك من نهر الفرات والتجارة.

جانب من الصناعات القديمة في مدينة جرابلس – زيتون

أما عن الجسور المحيطة بمدينة جرابلس فهي ثلاث جسور، منها الجسر الحربي وهو يعرف بجسر جرابلس الخشبي، وهو الجسر الأول على نهر الفرات من جهة الشمال، ويربط بين مدينة جرابلس وزور مغار، بني في عام 1980 ودمرته طائرات النظام في قصفها عام 2012، بحسب أمين السجل المدني في جرابلس “الحسن”.

حسر الشيوخ أو الجسر الخشبي قبل القصف

حسر الشيوخ أو الجسر الخشبي بعد القصف – زيتون

أما جسر الشيوخ الأسمنتي الذي أنشأ عام 2006، فهو يصل بين المدينة ببلدة الشيوخ، وكان يستخدم قبل تفجيره من قبل طيران النظام مطلع 2012 كجسر تجاري.

جسر الشيوخ – جرابلس – زيتون

ثمة جسر آخر يقع جنوب المدينة، ويربط المدينة بعين العرب، قصفه النظام عدة مرات محدثا فيه أضرار كبيرة، حتى فجره تنظيم داعش عام 2015، قبيل انسحابه من المنطقة باتجاه مدينة الباب، كما يوجد بها جسر سكة القطار على الحدود التركية السورية، ومركز الثقافي تدمر بقصف لطيران التحالف بعد أن اتخذه تنظيم داعش مقرا له.

جانب يظهر دمار جسر الشيوخ في جرابلس – زيتون

جرابلس في الثورة

انخرطت مدينة جرابلس في الثورة السورية ضد نظام الأسد منذ بدايتها، وسريعا تشكلت “مجموعة ثوار مدينة جرابلس” تمكنت من تحرير المدينة في يونيو تموز 2012 من قوات الأمن السوري، ليتولى أهلها إدارة المدينة.

وفي سبتمبر أيلول 2013، سيطر تنظيم الدولة بشكل كامل على المدينة، وخاض العديد من المواجهات المسلحة مع عشائرها، تعرض بعدها للقصف من قبل طيران التحالف ضمن الحملة على تنظيم الدولة في آب 2016، ليعود اسم جرابلس للظهور مجددا في وسائل الإعلام.

لجأ إلى المدينة اليوم عدد كبير من المهجرين والنازحين من جميع المحافظات السورية، لاعتبارها من مناطق الشمال الآمنة التابعة لإدارة درع الفرات.

محطة القطار في جرابلس – زيتون

لكنها تشهد اليوم صراعات مستمرة بين الفصائل المنتشرة في محيطها، في اقتتال حول إيرادات التجارة التي يدرها معبر المدينة، ما يتسبب باضطراب حياة الأهالي والنازحين في المدينة وقلقهم.

تحظى جرابلس  باهتمام حكومي تركي في سنوات الثورة الماضية، وتخضع المدينة لقوات موالية، لها بعد طرد داعش منها، والحيلولة دون سيطرة القوات الكردية عليها، إذ  تعتبر المنطقة حلقة جغرافية مهمة للقوات الكردية التي تسعى لإقامة الإدارة الذاتية في المنطقة، وهو ما حالت الجهود التركية دون حدوثه.

نهر الفرات جرابلس

مر عليها مجموعة من المشاهير والعلماء منهم الكاتبة “أجاثا كريستي” ومن جرابلس استوحت سحر الشرق في رواياتها، وفيها قضى “لورانس العرب” فترة من الزمن، كما زارها علماء آثار كثر منهم الإنكليزي رونالد وولي، ومس بيل وماكس مالوان، كما مر بها المحتل الجنرال غورو، شكري القوتلي وعبد الحميد السراج وحسني الزعيم وسامي الحناوي والكثيرين غيرهم.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*