أربعة أعوام على ميثاق شرف الصحفيين السوريين

عدنان صايغ

يعرف الإعلام على أنه “نقل الواقع وشرحه”، وتتبدى الإشكالية في عمل وسائل الإعلام من سعة الهوامش الإنسانية التي قد تؤل ذلك التعريف، ما يطرح السؤال حول حيادية نقل الواقع، وموضوعية شرحه، ومدى انحياز الأشخاص إلى إيديولوجياتهم.

تزداد خطورة هذه الإشكاليات في المجتمعات المضطربة، وتجد وسائل الإعلام نفسها أمام جاذبية الاصطفاف السياسي والعسكري، ما يحرف الواقع المنقول، وتجير الشروح في خدمة الصراعات.

ومع تنامي تأثير وسائل الإعلام على المجتمعات، بات من الملح ضبط العمل الإعلامي أخلاقياً، ووضع الضوابط المحددة تجنبا لأي شطط يسيء لهدفها، وكبح سعيها في جذب القارئ وإثارته.

وفي الحالة السورية، وجدت وسائل الإعلام التي نشأت بعد الثورة السورية نفسها، أمام فراغ قانوني يؤطر العمل الإعلامي، ويلزمه بالمبادئ المهنية والموضوعية، وحقوق الأفراد والمجتمعات، ما دعا مجموعة من المؤسسات الإعلامية إلى المشاركة في وضع “ميثاق أخلاقي” فيما بينها، يضمن سلامة المجتمع السوري وأفراده ومؤسساته من التأثيرات السلبية للعمل الصحفي، كما يضمن احترام أخلاقيات العمل الصحفي.

ساهم في تأسيس “ميثاق شرف للإعلاميين السوريين” ما يقارب 20 مؤسسة صحفية، وبدأ نشاطه في عام 2015، في مدينة إسطنبول التركية، محاولا تنظيم موجة الإعلام السوري التي انتشرت بعد الثورة السورية.

وكشفت النقاشات العميقة التي جرت في ذلك الحين أثناء وضع المبادئ والتعاريف للعمل الصحفي وحيثياته، حاجة المؤسسات القصوى في التوافق على الأساسيات الصحفية، لتعطي كل مفردة فيه بعدا سياسيا واجتماعيا لم يكن متوقعا، لا سيما وأنه جاء في وقت تشهد فيه الساحة السورية صراعا سياسيا وعسكريا حادا.

بنود الميثاق التي جاءت عامة وشاملة، دون توفر آليات لعمل الميثاق، سمحت بإيجاد اللبنة الأولى، التي يمكن البناء عليها وتطويرها فيما بعد، وهو ما حاولته المؤسسات لاحقا في وضع لجان تحيل المبادئ إلى قوانين كلجنة الشكاوي التي توشك على العمل.

يدرك الكثيرون من متابعي العمل الصحفي مدى الخطورة التي يمكن أن يتسبب بها إن لم يقونن، ويحترم حقوق الأفراد والشعوب، وهو ما يعطي محاولات المواثيق أهمية أكبر مما تبدو عليه، كاتفاق مؤسسات إعلامية.

مرت أربع سنوات على انطلاق الميثاق، شذبت فيه الكثير من المؤسسات الصحفية عملها، وتخلت عن أساليب كانت قد اتبعتها قبل الميثاق كالتماهي مع ميولها السياسية والاجتماعية، رغم بقاء بعض الشوائب القليلة، التي لا تقلل مما فرضه الميثاق من قواعد أخلاقية صحفية ونواهي مهنية لم تكن واضحة قبله.

ورغم ما تمارسه كبرى المؤسسات الإعلامية الدولية من تحيز لسياسات الدول، فإن الوعي الأخلاقي للإعلامي والمواطن على حد سواء، بأساسيات المهنة، يبقى أفضل ما يمكن القيام به لكبح جماح انزلاق وسائل الإعلام، وهو ما يفرض على تلك المؤسسات المزيد من التحفظ والحذر.

ولعل أبرز ما قدمه الميثاق للسوريين في مبادئه، هو حماية الخصوصية الشخصية، والملكية الفكرية، ونبذ الكراهية بين المكونات الاجتماعية.

لم تكن خصوصية الإنسان السوري ذات حقوق واضحة في العمل الصحفي، ما وضع الكثير من الضحايا والمستضعفين والأطفال، في مواجهة عدسات الكاميرات المتعطشة لنشر المعاناة السورية، منطلقة من فكرة واجبها في تحميل المسؤولية لمرتكبيها، متجاهلة حقوق الأفراد في كرامتهم الإنسانية، وهو ما ساهم الميثاق في التقليل منه إلى حد كبير.

كما ساعد الميثاق رغم عدم امتلاكه لوسائل محاسبة واضحة، إلى الحفاظ على الملكية الفكرية، وهو الدافع الأبرز في تشكيل لجنة الشكاوي، المهتمة بحقوق الأفراد والمؤسسات في تصويب الحقائق المنشورة، أو رد الاقتباسات في النصوص دون الإشارة إلى كاتبيها الأصليين.

وعقد الميثاق العديد من الندوات والجلسات الحوارية التي ناقشت خطاب الكراهية، الذي ساد في سنوات الثورة الأولى، تهذب هذا الخطاب بشكل كبير ولافت، ليتحول إلى خطاب أكثر مسؤولية، ويمكن أن يساعد في التعايش السلمي المستقبلي للسوريين.

ومما لا شك فيه، فإن النقاشات التي دارت أثناء تأسيس الميثاق، أثرت على السياسات التحريرية للكثير من وسائل الإعلام، ولو بشكل غير مباشر، وآليات عملها، وصولاً إلى المفردات المستعملة في صياغة الأخبار، بشكل يحترم الحقيقة والموضوعية بشكل أكبر، فيما يبقى المرجو، مزيدا من العمل على بلورة الشرط الأخلاقي في عمل الصحافة السورية.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*