إدلب.. حين تخذلنا الأماني

عدنان صايغ
تحت شوادر الخيام التي تحبس الحرارة داخلها صيفا ولا تقي قر البرد شتاء، يعيش الكثير من السوريين في الشمال أيامهم غير مكترثين لما سيحدث مستقبلا، بعد أن ملوا انتظار عودتهم إلى منازلهم المهدمة، وبعد أن يأسوا من حل حقيقي لمأساتهم القديمة، وبعد أن باتت الأمنيات بالعودة والحياة الكريمة هذرا يثير سخريتهم.

يتعثر النازح في سعيه لتأمين حياته في مدن الشمال كما يتعثر أهلها أيضا بتفاصيل الحياة البسيطة، وتشكل بديهيات الطقس تحد، قد تسقطه بلا حساب، وهو ما بدا واضحا في ارتفاع درجات الحرارة الذي ليس بالغريب عن منطقتنا، لكن الهشاشة التي فرضها عدم الاستقرار والنزوح القاسي، أفقدته مناعته الطبيعية في التأقلم مع المحيط الجديد، لا سيما إن أخذنا بعين الاعتبار فقدانه لكل مقومات صموده والتي على رأسها الأرض والبيت والعمل.

وقد يكون الحر آخر هموم السوري في الشمال، فالمأوى للعائلة يأتي بالمقام الأول، وما بين خيمة مجانية بائسة، إلى منزل مؤجر بمبالغ فوق طاقته، تبعثرت العائلات، وبات الصباحات خالية من أخ أو جار أو صديق، وفي حمى موجات النزوح صار لزاما على الجميع التأقلم مع تقاليد وعادات جديدة فرضت عليهم.

وبينما كانوا ينادون بالرحيل لقاتلهم، انقلبت عليهم الأماني ليرتع شبيحة الأسد في بيوتهم الخاوية متشفين بكل سوقية وحقد بأهالي بلداتهم الهاربين، ومستعرضين بطولاتهم في أرجاء بيوتها الخاوية، ما أدمى قلوب أصحابها حسرة وكمدا.

ومع محاولاتهم لتثبيت جذورهم في أماكنهم الجديدة، لم يوفروا جهدا في خلق أعمال تقيهم ذل الحاجة، وتغنيهم عن سلة الإغاثة، في محاولاتهم تلك خسروا ما كانوا قد ادخروا من مبالغ بسيطة جراء محاولات تأسيس أعمال في مدن باتت تعيث فيها الفوضى الأمنية والاجتماعية.

كما تحولت العقوبات الدولية على النظام السوري إلى عقوبات سحقتهم، وفي حين ساندت روسيا نظام الأسد في محنة انهيار الليرة السورية، ظل الشعب السوري يئن تحت ضربات ارتفاع الأسعار وتحول مدخراته إلى ورق بلا قيمة، ولم تنجح كل المحاولات الكاريكاتورية في اعتماد الليرة التركية بدلا عن الليرة السورية في وسط اجتماعي معدوم الدخل بشكل حقيقي.

تلاشي الأمنيات كان له ثمنا عميقا في حياة الناس النفسية، فالانكسارات المتتالية تركتهم محبطين وعاجزين، فاقدي الثقة ومحاصرين ومرتابين بكل شيء، فالعيش لفترات طويلة تجاوزت التسع سنين تحت ضربات الطيران، إلى تحول الفصائل المعارضة لجلاد جديد لهم، وعلى رأسها هيئة تحرير الشام، التي تواطأت الدول على تركها شماعة لعدم استقرار المناطق المحررة.

لم توفر الهيئة في تجبرها أي إرهاق للأهالي، من ابتزاز اقتصادي، وقمع للحريات، وترويعهم بمخططات تخاطر بكل ما ضحوا فيه، وتستجرهم إلى أوضاع تؤسس لأمية مستقبلية في إجراءات تمنع الشبان من نيل شهادات دراسية معترف بها.

يكافح السوري في إدلب من أجل عيشه وكرامته ومستقبله، لكنه لا يجد أمامه إلا الجدران الصماء، ولا يجد في يده من وسائل إلا الأماني والانتظار، التي لم يبق منها الكثير، فيما يكبر الأطفال على هامش الحياة، يتشربون البؤس من صمت أهاليهم.

 

تعليق واحد

  1. First this is a Great list Hosting Information Sites , Superb Work helpful Information , Post I like Its Thank You very Much For Sharing me , keep it up Really Great Staff ,. معلوماتك مثيرة جدا للاهتمام. شكرا لك للمشاركة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*