من يعيد الضائعين إلى بيوتهم.. هاجس العودة واستمرار الحلم

عدنان الصايغ
هاجس العودة لا يستكين، يتفاقم ليتحول إلى حلم يقظة، تهفو به الشفاه في كل دعوة، ويسارع إليه الخيال مع كل شرود، إليه تعود حلول المشاكل المزمنة منذ شهور، إلى البيوت أو ما تبقى منها، إلى تلك الكتل الأسمنتية المغطاة بغبار القصف.


تقول وقد أنهكها النزوح وبلاياه: “أريد أن أعود إلى بيتي ولو ليوم واحد، ثم أموت”، لا شك أنها مبالغة تحاول من خلالها أن توصل “سكينة” النازحة إلى أقصى الشمال السوري من مدينتها سراقب، تحاول أن توصف شوقها وحنينها لبيتها وحيها والوجوه التي ألفتها طوال حياتها الخمسون الماضية، لكن عائلتها التي لم تكن تأخذ كلامها إلا كنوع من الشكوى، باتت تشعر بالقلق جراء أعراض جسدية راحت تنهك جسد سكينة، فللحنين آثاره على الجسد كما على الروح.

تتراءى القرى والبلدات المهجورة في ريفي إدلب الشرقي والجنوبي والذي هجره أهله بعد تقدم قوات النظام إليه في بداية هذا العام، كجنان لأهلها، لا لما فيها، فلم يكن فيها سوى ما في البلدات التي نزحوا إليها من بيوت حجرية وشوارع مغبرة وأسواق مكتظة، بل لربما كان في مدن النزوح في الشمال ما ليس في مدن وبلدات إدلب الشرقية والجنوبية، فغياب القصف من أبرز ما كسبه النازحون، لا ليس الحنين إلى تلك البلاد لما فيها، بل لما تمثله لهم، وبما تحمله من أمان اجتماعي وألفة ومحيط داعم.

يحن النازح لا إلا المسكن بل إلى ملكيته لذلك المسكن، لا لأثاث بيته بل لما تحمله كل قطعة من ذلك الأثاث من تعب وصبر تمكن من خلالهما من الحصول عليها.

تفيض المشاعر بحدة مع اشتداد الغربة، ويصبح الحنين أكثر قسوة مع ازدياد قسوة الحياة في النزوح، فلا يجد النازح قدرة على كتم تباريحه، مستذكرا زمانه الجميل في بلدته.

ويكتب عبد السلام زهران شوقه لمسقط رأسه سراقب قائلا: “وتعيدنا الذّكرى إلى عهدٍ خلا، فمتى الرّجوع وقد تمادى الموعدُ؟”، ليجيبه صديقه أسعد سماق: “يا دارُ لو تدرينَ ما حرماننا، لرأيتِ سقفَكِ نحونا يتمدّدُ، ولقد تبيتُ بمهجرٍ أجسادُنا، والرّوحُ بينَ بيوتِها تتعبّدُ”.

ومع عودة للعيد مرتين على بؤس النازحين وتكرار أمنياتهم بالعودة، تتسرب مقاطع مصورة لبلداتهم، صورها شبيحة من أهلها، يناكدون أصحاب البيوت بتلك المقاطع، شامتين بهم وبغربتهم، ويظهر في تلك الفيديوهات كيف كان الغرباء يجوبون المنازل والأحياء والشوارع، يهددون ويتوعدون أهلها، تلك المقاطع موضوع تمحيص وتدقيق من النازحين، ومن خلالها تفحصوا ما جرى لبيوتهم وبلداتهم، كانوا يلاحقون الكاميرا في كل خطوة ليكتشفوا ما حل بذاك المكان، وكيف غدا ذلك الطريق ممسوحا كمعظم المساكن.

وفيما كان الجنود يستعرضون بطولاتهم على الركام، كان النازحون يلاحقون تفاصيلا لا تخطر على بال من صور، فرب باب مكسور، أو صورة معلقة أو حبل غسيل أدمت قلوبهم.

ومع ابتعاد الحلم عن التحقيق، ومرور الوقت الذي يرسخ النزوح وكأنه سيدوم للأبد، يلجأ البائسون إلى الذكريات، فيعيدون نشر صور منازلهم على صفحاتهم الالكترونية، وتسود أحاديث استرجاع الأحداث جل لقاءاتهم.

ومع مرور الوقت، تنمو شجيرات اليأس في النزوح، تتوقف الكثير من القلوب عن الذكرى، وتتحول العودة إلى حلم، وهو أكثر ما يخشاه النازحون.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*