من دروس الشطرنج الخالدة


زيتون- عدنان صايغ

حفزني فلم أمريكي حمل عنوان “مناورة الملكة” على العودة لممارسة لعبة الشطرنج، ذلك لأن الفلم يقدم في مشاهده تجميلا وجذبا لهذه اللعبة التي تبرع بها طفلة نشأت بدار لرعاية الأيتام، وتصل في نهاية المطاف إلى بطولة العالم، بعد صعوبات وعراقيل حتى تمكنت من التغلب على بطل العالم الروسي آنذاك.

وربما كان الدافع الحاسم في شرائي لرقعة شطرنج هو مشاركة أبنائي في اللعبة، متأملا أن أساعد في توفير هواية قد يجدونها مناسبة لهم في المستقبل، لأكتشف لاحقا أن الملايين في العالم قد شاركوني نفس الأفكار، فقد أثر الفلم بما يشبه الطفرة في مبيعات الشطرنج عالميا.

الخسارة مرة، لا سيما إن كانت عائلتك تراقب اللعبة، وفي عصرنا الإلكتروني الباهر، هناك مواقع للعب الشطرنج مع كمبيوترات متقدمة ومع أشخاص متواجدون على مدار الساعة وكلهم رغبة في اللعب، وما عليك سوى أن تحدد المدة التي ترغب بقضائها في “الدور” والمستوى الذي ترغب اللعب معه، لتستشيط غضبا أو تغمرك السعادة بعد كل جولة ولو كانت مع غريب لا تعرفه، لكن الغرور الذي يملؤك يرضيك.

لعبة مجهولة الهوية، وإن كان الكثيرون يشككون بأنها لعبة، وقد يذهب البعض إلى اعتبارها علم كامل بحد ذاته، وأميل شخصيا إلى المبالغة في تمجيدها، فلا عقل بشري قادر على الإحاطة بكل مجاهلها وغياهبها، بل وحتى الأن ما تزال الحواسيب المزودة بمحركات ضخمة وبمعلومات هائلة تقف عاجزة أمام حلول لبعض الألغاز الشطرنجية، وهنا يصبح التشكيك في توصيفها كلعبة أمر يستحق التوقف عنده.

هناك أمر غريب تتميز به عقول الأطفال بما يتعلق في هذه اللعبة، فرغم تشعب وتداخل المربعات والقطع، ورغم الوظائف وطرق العمل المتباينة للأحجار، إلا أنها سهلة التعلم للأطفال، وقد تمكن طفلي الذي لم يتجاوز الست سنوات من تعلمها ولعبها معي خلال أيام قليلة، لكنه ظل يراها لعبة لا تحتمل التعامل الجدي الذي أمارسها به.

من الصعب أن تجد شخصا ما، لا يلم بقواعدها ولو بشكل بسيط، كما أنها لعبة غارقة بالقدم، وحولها تدور حكايا غريبة مدهشة، تحكي عن الحكمة والفطنة، لملوك وأذكياء، وحتى اليوم ما تزال قصة الجائزة التي طلبها من ابتكر اللعبة من الملك في أن يعطيه حبة قمح في أول مربع ويضاعفها في كل مربع تالي، تثير فيَ الذهول.

بعيدا عن أمجاد اللعبة وأبطالها وحيلها، تقدم اللعبة في حد ذاتها دروسا غاية في العمق والقسوة، فالجولات التي يشارك بها الناس هي معارك حقيقية، لكن بدون دماء، السلاح الوحيد هو التفكير والتدبر، ومع كل حركة من أحد الأطراف تختلف الحسابات لباقي القطع، ومع الوقت تتراص الأحجار وتترادف ليثار الغبار في العيون، وترهق الأعصاب، وترتفع ضربات القلب حتى ترن في الأذنين، ومع كل ندامة على حركة عويل وصراح داخلي يصم الآذان، وبعد كل خسارة قرارات ذاتية بأنني لن وبأنني سـ.

نحن المبتدئون لسنا ضحايا الجهل فقط، رغم كونه السبب الأول في ما تحمله اللعبة من إحباط أولي لممارسيها، لكن الدروس الحقيقية تأتي مع الوقت:

في العجلة الندامة، التسرع، اللعب دون التفكير الملي بكل الخيارات، والتعجل في الوصول إلى الفوز، هو بداية الهزيمة، الشطرنج يكره الارتجال، هو لعبة تتطلب التخطيط والتدقيق في كل تفصيل، كما تحتاج إلى الإحساس بالسيطرة ولو تعادل الطرفين بالقطع، وقد يسيطر لاعب ليس لديه نصف قطع خصمه.

أين أنت أقول لك من سيفوز، القصد من هذه المقولة هي توزيع وانتشار القطع، بشكل يسمح لها بأقصى طاقة يمكن أن تفرضه على الرقعة، بما يسمح لها بالتحرك وما يعيق حركة الخصم، فليس من المهم أن تتوافر الإمكانيات، المهم كيف ستستخدمها أيها المقاتل، وكم من لاعب باغته موت مليكه قبل أن يتمكن من تحريك بضع أحجار، في حين كان باقي قطعه منكفئة في جحورها تشاهد نهاية المعركة قبل أن تبدأ بالنسبة لها.

سيطر على أعصابك، إن أولى الانهيارات تأتي من شعور المرء بالمباغتة، بالترويع، الخوف من خسارة بعض القطع، وللخوف تأثيره المعروف، يقدم حكماء الشطرنج نصيحة أولى في عزل المشاعر عن طريقة التفكير في اللعب، فمها كانت خسائرك لا بدك من ابتكار الطرق للوصول إلى الفوز، أو ربما التعادل، والسقوط بالإحباط وبمشاعر الهزيمة هو داء المبتدئين.

فكر بما لدى خصمك من إمكانيات وحيل، عليك مراقبة خيوله وأفياله ولا سيما جنوده المنفلتين، كلما ازداد تفكيرك بغيرك، زادت فرصك بالفوز، اعرف عدوك قبل أن تعرف نفسك، وراقب نقاط ضعفك التي قد يراها كأنه يراها، وإياك من الاستخفاف ببصره وبصيرته، فاحترامك له هو احترام لنفسك.

وضح أولوياتك، ولا تعول كثيرا على العدالة، مهمتك أن تبقي الملك حيا، وأن تميت الملك الخصم، ستقتنع مع الأيام أن الجنود والخيول والأفيال والقلاع خلقت ليحيا الملك، فإن عاش عاشت ممجدة الجهود، وإن مات ماتت معه كسقط المتاع، وعليك بتأمين أهم ما لديك بوقت مبكر من اللعبة قبل أن تشن هجومك.

في كل نصر هناك تضحيات، لا يمكنك أن تأكل الحلوى وتحتفظ بها كاملة، عليك أن تضحي بالبعض خلال الصراع لكي تستطيع الوصول، فأمام كل مدخل موت محقق، وعلى الجثث تكتب الملاحم، فلا تبخل ببعض الغوالي لكي يسلم الأغلى.

الحرب خدعة، ولكل نفس طباعها، الرغبة بالتقاط القطع الصغيرة قد يكون مغريا للبعض، لكن قد تخبئ هذه المكاسب الصغيرة فخا مميتا، حين يعمي الطمع البصر، فتريث قبل كل مكسب مجاني مقدم لك، وحاذر من الكرم الغير مبرر، وإياك أن تظن الغباء بخصمك، فالحياة عزيزة عليه مثلما هي عزيزة عليك.

حاول أن تفكر بالجميع، وأنت تضحي بالبعض، ثمن ما لديهم وما ستحصل عليه، لا تتوانى عن التمسك بأصغر الجنود إن استطعت، والتراخي ببعض الحيوات قد يجر استهتارا بحياوات لقطع أكبر، ورب ملك أنقذ حياته جندي صغير، كالقشة التي تستند جرة.

لا تنم بين القبور، وأن اضطررت فكن حذرا، حين يحجب عنك العدو الخطر بحاجز واهي، يملك قرار رفعه في أي لحظة، اهرب وابتعد، لأنه سيفاجئك به حين يرى الوقت مناسبا، فلا تأمن لحياة تحت الخطر.

لا جمال يفوق جمال المغامرة، خصوصا حين تأتي بعد تمحيص، صحيح أن إتباع القواعد أمر مريح، لكن ما يحول اللعبة إلى فن، هو الذهاب مع الخيال والابتكار والجنون، فمع كل حركة غير متوقعة سيهوي الخصم في الضياع أكثر، ومع كل إبداع سيسود الضباب في عيون عدوك.

وفي الدفاع عليكن الدفاع بتهديد معاكس، ومع كل تقدم من الخصم، يجب وضعه تحت التهديد أو التلويح بخسارة، فلا يمكن أن تظل تدفع الردى بسلام الحمائم، وإلا سيتمادى بهجومه، وما جعل فرعون فرعون إلا حين لم يردعه أحد، وخير وسيلة للدفاع هو الهجوم.

حين تشن هجومك ضع بحسابك أن التراجع محرم، ونصف معركة هو موت محقق، لذلك عليك بتحشيد كل ما لديك، ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة حين تدور، يمكنك أن تجري بعض المناورات قبل أن تبدأ، لجس النبض، واكتشاف بعض الأماكن، وربما الانسحاب، والالتفاف، لكن هذه المناورات ستنتهي فور إعلانك الهجوم والحرب، وكما يقال من السهل شن الحروب لكن من الصعب إنهاؤها.

على تلك المربعات المتفاوتة الألوان، تعيش الأحجار مصائرها كما نعيشها نحن، البعض يعيشون في غرف معاناة سوداء، لا يمكننا ولا يمكنهم تغيرها، البعض قد يتمكن من الخروج منها، البعض قد يجد الطريق سهلا والمسير يسير، فيما يضطر البعض إلى نزف الدماء لخطو بضع خطوات.

علمني الشطرنج أن الحياة تحتاج إلى التفكير، التفكير في صغائر الأمور كما التفكير في القضايا، فمعظم النار من مستصغر الشرر، كما علمني أن المعارك بما فيها من حيل وخبائث وصراع، تحتمل أن يحترم المرء نفسه، وأن يحترم عدوه، وهو أروع ما علمني.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*