لا تأخذوا شيئا.. لن يطول رجعونا

وعد البلخي –  زيتون

“لا تأخذوا شيئاً.. أتركوا هذا ودعوا ذاك.. سيكتشف أمرنا إن أخذناها جميعها.. الأهم فالمهم، لن نحتاج اللباس الشتوي، سنعود قبل أن يعود الشتاء..”

سبعة أعوام مرت، ولم تمح من ذاكرة “قتيبة” كلمات أبيه قبل رحلتهم الأخيرة من منزلهم في اللاذقية باتجاه إدلب هربا من الاعتقال.

بحياء كشفت عنه ابتسامة خجولة في عينيه بدأ قتيبة سرد حكايته قائلاً:

“أحببت ذلك المنزل، منذ أن انتقلنا للعيش فيه قبل سنوات قليلة، وللمرة الأولى كان لي فيه فسحتي الخاصة وأصدقاء دائمون، بعد أن تنقلنا في بيوت مؤجرة عدة مرات، لكن أكثر ما كنت أحبه في ذلك البيت هي تلك الشرفة الواسعة المطلة على البحر والتي قلما كنت أغادرها.

ولدت باللاذقية في عام 2001، لكن والديَ من مدينة كفرنبل في ريف إدلب، التي كنا نزورها بشكل دائم في المناسبات والأعياد ونلتقي في بيت جدي مع الأقرباء، وما زلت حتى اليوم يتنازعني الانتماء ما بين اللاذقية وكفرنبل.

لم يكن سهلاً امتلاك بيت بالنسبة لمتطوع في الجيش السوري ويخدم في المشفى العسكري في اللاذقية كأبي فدخله بالكاد يكفيه قوت عياله، لكنه بمساعدة من جدي ومدخرات أمي لبعض المبالغ، تمكن من تحقيق حلمها في امتلاك بيت في حي الرمل الجنوبي بمدينة اللاذقية.

ما زال المشهد حاضرا أمام عيني، أبي المتوتر والمتصبب عرقا يستعجلنا في خوف مستتر، أصوات الاشتباكات المتقطعة، وجوم أمي واختناقها من فكرة تركها البيت، كأنها سمكة ستغادر الماء.

في فترة سابقة كنت اسمع أحاديث أبي مع أصدقائه وجيرانه بصوت يملؤه الفرح إن كان الأمر يتعلق بالمظاهرات المناهضة للنظام، لكنه يتحول إلى صوت حانق إن تناول قصص القمع والاعتقال التي كانت تتكرر بشكل شبه يومي على الحواجز المنتشرة حول “حي الرمل الجنوبي” حيث كنا نسكن.

كما كنت استمع إلى تحليلات أمي السياسية مع جاراتها وهن يشربن القهوة على الشرفة حيث كنت ألعب، بشكل عام كان “التوجس والخوف والأمل” هو حال أهالي الحي في تلك الفترة من عام 2011، ورغم أن الحي يحوي على خليط من لاجئين فلسطينيين وبعضاً من باقي أهالي المحافظات القريبة ولا سيما إدلب، إلا أنهم كانوا يتقاسمون شظف العيش وضيق اليد وتضامن مطلق مع ثورة السوريين.

اقتحمَ عناصر الجيش السوري في صباح الأحد 14 آب 2011، حي الرمل الجنوبي برفقة قوَّات من الأمن السوريّ وفرق الشبيحة، كما شاركت قوات من البحرية السورية لأول مرة بقصف الحي من الزوارق الحربية.

بعشرين دبابة و700 جندي دخلوا الحي بإطلاق نار عنيف وغير مسبوق، قطعوا الاتصالات وشبكات الإنترنت، اعتقلوا مئات الشبان، وقتلوا ما يقارب الأربعين مدنيا، كان يوما جهنميا، استمر إطلاق الرصاص لأكثر من يومين، كانت الأصوات فوق قدرتي على التحمل، ورائحة الموت تفشت في المخيم، مع صمت مطبق من أبي الذي فشل في أن يبدو متماسكاً أمامنا.

نجا أبي من الاعتقال بسبب عمله كمجند في الجيش، رغم الشكوك الذي كانت تدور حوله نظرا لكونه منحدرا من محافظة إدلب المعروفة بمعارضتها للنظام، ما وضعه في دائرة المراقبة من قبل عناصر الأمن، لكنه منذ ذلك الوقت بدء يخطط للانشقاق والخروج من المدينة، ليتمكن بعد عام من ذلك الاقتحام وفي تموز 2012 من إخراجنا والالتحاق بصفوف المعارضة في ريف إدلب.

بخطة ساعده فيها صديقه “رياض” وببزته العسكرية وبإصرار شديد على إخراجنا من الحي المحاصر بأربعة حواجز أمنية تتحكم بحركة الداخلين والخارجين إليه، خرجنا بواسطة سيارة إسعاف تابعة للجيش، استعارها والدي من المشفى لمدة ساعتين، وضعنا فيها أقل ما يمكن أخذه تحت ضغط عصبية أبي، توجهنا بعدها إلى المخرج الشرقي للحي، وفي الطريق أوصاني العم رياض أن لا أجيب عن أي سؤال يوجهه عناصر الحاجز إلي، كما طلب من أبي أن يترك له الحديث مع العناصر تجنباً لأي خطأ قد يتسبب فيه انفعاله.

أحد حواجز قوات النظام على أطراف حي الرمل الجنوبي – صفحة شاب لاذقاني

خارج الحي كانت تنتظرنا سيارة ستقلنا إلى إدلب، ودعنا والدي وعاد إلى مقر عمله، وفي اليوم التالي كانت مجموعة من ثوار اللاذقية بانتظاره في قرية “الحفة“، التي تبعد حوالي 27 كيلو مترا عن مركز محافظة اللاذقية، ليبدأ رحلة استمرت ثلاثة أيام بين الجبال، رغم أن الطريق الرئيسي لا يستغرق أكثر من ساعتين ونصف، وذلك بسب انتشار أكثر من خمسين حاجز للجيش على طول الطريق.

بعد ثلاثة أيام وصل أبي إلى كفرنبل المليئة بحواجز الجيش، التي منعته من رؤية عائلته في الأيام الأولى، لاسيما وأن منزله كان مجاوراً لأحد تلك الحواجز، ولم نستطع رؤيته إلا بعد شهر حين تم إخراج قوات النظام من المدينة على يد الجيش الحر في 10 آب من عام 2012.

شارك والدي في معركة تحرير المدينة، لكنه لم ينخرط في الجيش الحر طويلاً، وآثر اعتزال القتال، لا سيما بعد ظهور فصائل لا تحمل أهداف الثورة السورية وبدء اتساع نفوذها.

منذ نيسان 2019 صعد النظام حملته العسكرية على ريف إدلب الجنوبي، وتقلصت المساحات التي كانت تسيطر عليها المعارضة لتنحصر في محافظة إدلب، بينما زاد بطش القصف الجوي بعد دخول روسيا بشكل فعال إلى جانب قوات الأسد، ما أجبرنا على النزوح مرة أخرى باتجاه بلدة سرمدا القريبة من الحدود التركية بعدما صار البقاء في المدينة نوع من الانتحار.

لم أعد ذلك الطفل الذي يكدس ألعابه على شرفة بحرية ويستمع لأحاديث الكبار، لقد شاركت أهالي بلدتي بمظاهراتهم وشهدت كيف تحولت بلدة بحجم مدينة كفرنبل إلى ضمير سوريا الحرة بلافتاتها وشعاراتها، كما عشت القصف والنزوح وخسرت منزلين ومستقبلي الدراسي فشهادات المرحلة الثانوية الصادرة عن مدارس إدلب غير معترف بها دولياً ومن المستحيل أن أذهب إلى حماه لتقديم الامتحانات، نصف عمري عشته ما بين القصف والتظاهر والعنف، كل هذا ولم أبلغ الثامنة عشرة بعد.

لافتة من مدينة كفرنبل – صفحة لافتات كفرنبل

لا تزال أمي تحلم بعودتها إلى ذلك المنزل في اللاذقية، كما يستمر أبي بعصبيته المعهودة يراوده الأمل في وطن للجميع، رغم عجزنا جميعا في الوصول إلى أي بقعة خارج إدلب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*